"مرايا القلب وانكسار الصمت" لنادية عوض.. قصائد تنبض بالعاطفة والتأمل
الغد-عزيزة علي
صدر عن دار الرعاة للدراسات والنشر ديوان شعري جديد للشاعرة نادية عوض تحت عنوان "مرايا القلب وانكسار الصمت"، يحمل الديوان رؤية وجدانية تتكئ على تجربة إنسانية عميقة، وتستحضر عبر قصائده أسئلة الروح، وذاكرة المكان، وهموم الإنسان في بحثه الدائم عن الحب والسلام والطمأنينة.
ويأتي الديوان بوصفه مساحة شعرية تلتقي فيها مشاعر الفقد والحنين بالأمل، حيث تنفتح نصوصه على عوالم متعددة من التأمل والبوح، وتحول الشاعرة تفاصيل الحياة اليومية إلى صور شعرية نابضة بالدلالات. كما تعكس القصائد حساسية عالية تجاه قضايا الإنسان، وانحيازًا واضحًا إلى قيم المحبة والرحمة والجمال في مواجهة القسوة والاغتراب.
ويضم الديوان قصائد تنبض بالعاطفة والتأمل، وتجمع بين رهافة الصورة الشعرية وصدق التجربة، إذ تستخدم الشاعرة رموزًا متعددة مثل الضوء، والنافذة، والقلب، والطبيعة، لتبني عالمًا شعريًا تتجاور فيه الرقة مع الحزن، والحنين مع الرجاء، والواقع مع الحلم.
افتتحت الشاعرة نادية عوض ديوانها بقصيدة بعنوان "تراتيل الروح في محراب السلام"، التي تتخذ من السلام محورًا إنسانيًا وروحيًا، وتعبر من خلالها عن توق الإنسان إلى الأمان في عالم مثقل بالحروب والآلام. وتطرح الشاعرة عبر صورها الشعرية أسئلة عن غياب السلام وحضوره في وجوه الأمهات، ودموع الأطفال، وقلوب الذين أنهكتهم المنافي، لتجعل من القصيدة نداءً للرحمة والطمأنينة.
وتقول الشاعرة في القصيدة:
"أين أنت أيها السلام؟
يا قبلة التائهين،
أتراك
في قلب أم تدعو لولدها،
تغفو العيون على دمعها
عند نافذة المساء؟
أم أنت في ظل شجرة
تضم عابرين هجروا
أوطانهم، وقد ضاقت بهم المدن
المنكوبة بضجيجها،
واتسعت القلوب لجراحها؟
نبحث عنك
في عيون الأطفال البريئة،
أطفال ينامون جوعى
يرتجفون رعبًا وتيهًا..."
وأهدت الشاعرة ديوانها إلى: "كل قلب آمن بأن للكلمات أرواحًا خفية، وأن الشعر نافذة تطل منها الروح على أسرارها، ويُطل منها الإنسان على العالم بعيون أكثر صفاءً واتساعًا...
إلى الذين وجدوا في الحرف ملاذًا، وفي القصيدة ضوءًا يبدد عتمات الطريق، وآمنوا بأن الجمال كلمة، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تترك أثرًا أبقى من الزمن.
إلى عائلتي العزيزة، التي كانت السند حين مالت الخطى، والدفء حين اشتد البرد، والنور الذي رافقني في مسيرة الكتابة، فكان حضورها الخفي يسكن نبض هذه الصفحات.
إلى أصدقاء الحرف والقصيدة، رفاق الشغف الجميل، الذين تقاسموا معي فرح الكلمة وقلقها، وفتحوا لكلماتي آفاقًا أرحب للتحليق.
إلى كل قارئ توقف عند قصيدة، أو أنصت لهمسة بين السطور، أو ترك في روحي أثرًا من محبة ووفاء.
إليكم جميعًا أهدي هذا الديوان "مرايا القلب وانكسار الصمت"؛ نفحة ود وامتنان، وقطرة من نبض القلب الذي ما يزال يؤمن بأن الكلمة الجميلة قادرة على أن تضيء شيئًا من عتمة العالم".
وكتب الشاعر قاسم عز الدين الدوسري على غلاف الديوان: "حين يضيق الكلام بما في الروح، وتعجز اللغة عن حمل ذلك الوجع النبيل، تولد القصيدة بوصفها المرآة الأخيرة للقلب".
ويرى الدوسري أن ديوان "مرايا القلب وانكسار الصمت"، للشاعرة نادية عوض، لا يأتي بوصفه مجموعة نصوص عابرة، بل باعتباره رحلة إنسانية عميقة في دهاليز الشعور، ومواجهة صادقة بين الذات وما يحيط بها من حب وخذلان، حضور وغياب، حلم وانطفاء.
ويشير إلى أن الشاعرة تتكئ على حساسية عالية في التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياتنا الداخلية، فتبدو القصائد كأنها اعترافات مؤجلة، أو نوافذ مفتوحة على قلب يعرف كيف يحب، وكيف يتألم، وكيف يحوّل الانكسار إلى جمال لغوي نابض.
إنها لا تكتب من خارج التجربة، بل من عمقها؛ لذلك تأتي الكلمات حارة، مشبعة بالصدق، بعيدة عن الزخرفة المجانية، وقريبة من روح القارئ أينما كان.
ويرى الدوسري أن عنوان الديوان يحمل دلالته الخاصة؛ فالمرايا ليست سوى انعكاسات متعددة لذات تبحث عن صورتها الحقيقية وسط ضجيج العالم. أما انكسار الصمت، فهو تلك اللحظة التي تقرر فيها الروح أن تتكلم، مهما كان الكلام موجعًا. وهنا تكمن قوة النصوص؛ إذ تتحول القصيدة إلى مساحة للمكاشفة، وإلى صوت داخلي يرفض أن يبقى أسير العتمة.
لقد استطاعت الشاعرة أن تمنح نصوصها بُعدًا وجدانيًا واضحًا، وأن توازن بين رهافة الصورة الشعرية ووضوح الإحساس، فبدت القصائد كأنها مقاطع من سيرة قلب عاش كثيرًا، وتأمل كثيرًا، وما يزال يؤمن بأن الشعر قادر على ترميم ما تكسره الحياة.
وخلص الدوسري، إلى أن الديوان لن يمر بين صفحاته مرورًا عابرًا، بل سيجد نفسه في مواجهة مرآته الخاصة، حيث تختلط الذكريات بالحنين، والأسئلة بالاعترافات؛ ليبقى الشعر، في النهاية، ذلك الضوء الذي لا ينطفئ مهما اشتدّ الليل.
وكتب سمير اليوسف مقدمة للديوان، يشير فيها إلى أن الشاعرة نادية عوض تفتح في هذا الديوان نوافذ الروح على عوالم متعددة من التأمل والبوح، فتجعل من القصيدة مرآة تعكس نبض الإنسان في لحظات فرحه وألمه، ومن الكلمة جسرًا يعبر فوق مسافات الفقد والحنين والأمل.
وأضاف اليوسف: "إننا أمام تجربة شعرية تنبع من قلب شديد الحساسية تجاه الإنسان وقضاياه، وتستمد مشروعيتها الجمالية من قدرتها على تحويل المعاناة إلى لغة، والذكريات إلى صور، والوجع إلى طاقة من التأمل والإشراق".
وتتميز الشاعرة بأسلوب يجمع بين العذوبة والوضوح من جهة، والرمزية والإيحاء من جهة أخرى؛ فهي لا تكتفي بوصف المشهد أو نقل الشعور، بل تسعى إلى بناء فضاء شعري تتحول فيه العناصر الطبيعية والإنسانية إلى علامات دلالية نابضة بالحياة.
فالطائر المهاجر، والنافذة، والضوء، والبحر، والياسمين، والطفل، والوطن، كلها رموز تتكرر في الديوان لتؤدي وظائف جمالية وفكرية تتجاوز معناها المباشر، وتغدو المفاتيح لقراءة التجربة الشعرية في أبعادها المختلفة".
وتتوزع موضوعات الديوان بين الدعوة إلى السلام في مواجهة الحروب، واستحضار الوطن بوصفه حضنًا روحيًا لا يغيب، والتعبير عن آلام الفقد والاغتراب، والاحتفاء بالحياة وقيم المحبة والرحمة، إضافة إلى قصائد وجدانية تنبض بالعشق والحنين والمناجاة.
وفي جميع هذه الموضوعات، تحافظ الشاعرة على صوتها الإنساني الذي ينحاز إلى الإنسان البسيط، وإلى الطفل، والأم، والمغترب، والمكلوم، ويجعل من القصيدة مساحة للدفاع عن الجمال في عالم تتكاثر فيه أسباب القسوة.
أما الصورة الشعرية في هذا الديوان، فتقوم على التداخل بين الحسّي والروحي، حيث تتحول الأشياء اليومية إلى مشاهد ذات أبعاد رمزية عميقة. فالضوء ليس مجرد ضوء، بل رمز للخلاص والأمل، والصمت ليس غيابًا للكلام فحسب، بل مساحة تتكثف فيها المشاعر والأسئلة، والقلب ليس عضوًا نابضًا بالحياة فقط، بل عالم كامل من الرؤية والذكريات والانكسارات.
ومن خلال هذه الصور، تنجح الشاعرة في بناء مناخ شعري تتجاور فيه الرقة مع الحزن، والحنين مع الرجاء، والواقع مع الحلم.
إن هذا الديوان لا يقدم قصائد منفصلة بقدر ما يقدم رحلة شعورية وفكرية متكاملة؛ تبدأ من انكسارات الذات وأسئلتها، وتمر عبر هموم الوطن والإنسان، لتنتهي إلى الإيمان بأن النور قادر دائمًا على أن يولد من قلب العتمة، وأن الحب ما يزال القوة الأجمل القادرة على ترميم ما تهدم في الروح والعالم.
وخلص اليوسف، إلى أن هذا الديوان كُتب بمداد القلب قبل القلم، وحمل شيئًا من وجع الإنسان وأحلامه، ومن شوقه الدائم إلى السلام والمحبة والطمأنينة.
وبين اليوسف أن القارئ سيجد في هذه القصائد صدى لتجربة عشتها، أو حلمًا راودك، أو ذكرى مرّت بك. وإن كانت القصيدة مرآة، كما تؤمن الشاعرة، فإن أجمل ما تتمناه هو أن يرى كل قارئ في هذه المرايا شيئًا من ذاته، وأن يغادر صفحات هذا الديوان وفي قلبه فسحة أوسع للأمل، وإيمان أعمق بأن الكلمة الجميلة قادرة على أن تضيء عتمات الطريق، مهما طال الليل.