الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
رامونا وادي* – (إنفورمد كومينت) 23/7/2026
تُصوِّر السرديات الاستيطانية الإسرائيلية تدمير غزة والتهجير القسري للفلسطينيين الذين نجوا من الإبادة الجماعية بوصفهما ضرورة. لكنّ الحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. وتكشف خطط إقامة المستوطنات في غزة، سواء نُفذت قريباً أم لا، أن هذه الإبادة لم تكن مجرد حرب. كانت جزءاً من مشروع استعماري توسعي تتواطأ في تنفيذه الحكومة الإسرائيلية وحركات المستوطنين.
***
كان تطبيع الإبادة الجماعية وسيلةً لتطبيع التوسع الاستعماري في غزة. بعد ثلاثة أسابيع فقط من كشف وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن خطط لإقامة ثلاث مستوطنات إسرائيلية، نظّمت حركة المستوطنين "نحالا" مسيرةً يوم الأحد الماضي، شارك فيها مستوطنون ووزراء، من بينهم سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الاقتصاد نير بركات، إلى جانب سياسيين آخرين من حزب الليكود. وقد سار هؤلاء نحو منطقة عسكرية مغلقة، متجاوزين الحواجز التي أقامها الجيش الإسرائيلي للوصول إلى الحدود مع غزة. وكان الهدف المعلن هو إعادة بناء المستوطنات السابقة: "إيلي سيناي"، و"دوغيت"، و"نيسانيت"، التي كانت قد أُخليت في العام 2005 بموجب خطة "فك الارتباط" التي نفذها رئيس الوزراء آنذاك أريئيل شارون.
ويدفع وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، باتجاه إنشاء ثلاث بؤر استيطانية من طراز "ناحال" في غزة، وهي بؤر أثبت التاريخ أنها كانت تشكل دائماً مقدمةً للتوسع الاستعماري.
كما دعا كل من بن غفير ووزير الاتصالات، شلومو كرعي، إلى الاستيطان اليهودي في غزة. وأعاد بن غفير التأكيد على ما تسمى بخطة "الهجرة الطوعية" الهادفة إلى التهجير القسري للفلسطينيين من غزة، في حين وصف كرعي الاستيطان في غزة بأنه "صورة ذات معنى للانتصار".
لكنّ الانتصار الاستعماري هو، في جوهره، انتصار قائم على العنف. منذ ما قبل نكبة العام 1948، امتلأ المشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري بمختلف أشكال العنف والتجريد من الملكية. وعلى امتداد العقود، لا يمكن النظر إلى التوسع الاستيطاني الاستعماري في أنحاء فلسطين إلا بوصفه فعلاً مستمراً من أفعال العنف. لذلك، كانت السرديات الاستيطانية الإسرائيلية وستظل دائماً سرديات عنيفة لأن ثمة تاريخاً يربطها بالخطاب الذي تعلنه. وتمثل الإبادة الجماعية في غزة أحد أحدث الأمثلة على هذا التاريخ الاستعماري العنيف.
يجري تقديم تدمير غزة والتهجير القسري للفلسطينيين الذين لم تقتلهم إسرائيل خلال الإبادة الجماعية، بطريقة ما، في السرديات الاستيطانية الإسرائيلية على أنهما ضرورة. لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن إبادة جماعية قد ارتُكبت بحق الفلسطينيين.
وهناك حقيقة أخرى لا يمكن إغفالها أيضاً: أن المجتمع الدولي استغرق وقتاً طويلاً جداً قبل أن يصف ما ارتكبته إسرائيل بأنه إبادة جماعية، وسيستغرق الآن وقتاً طويلاً آخر قبل أن يعارض التوسع الاستعماري في غزة. وعندما يصبح الكلام متأخراً أكثر مما ينبغي، سيقوم المجتمع الدولي بإصدار بيان إدانة.
كما أكد الجيش الإسرائيلي أيضاً أنه يبني حاجزاً مادياً في غزة بمحاذاة "الخط الأصفر"، يزعم أنه "لمنع التسلل وحماية القوات الإسرائيلية والمجتمعات الإسرائيلية القريبة من غزة". ومن المعروف أن الفلسطينيين ممنوعون أساساً من الوصول إلى كامل قطاع غزة، ما يعني أن كل ما يجري تشييده هناك يُنفذ بعقلية التوسع الاستعماري، وليس بهدف إعادة إعمار غزة كما يحرص "مجلس السلام" على التذكير.
عندما كان الفلسطينيون يُذبحون خلال الإبادة الجماعية، رفض المجتمع الدولي مساءلة إسرائيل عن نواياها. والآن، ينبغي أن تثير المسيرة الاستيطانية التي نظمتها حركة "نحالا" الكثير من الأسئلة في سياق مُختلَف أدوات التهجير القسري التي استُخدمت ضد الفلسطينيين في غزة. ولم تكن هذه مجرد مسيرة احتجاجية، وإنما كانت تأكيداً على وجود خطط مطروحة فعلياً والتي تنتظر موافقة الحكومة الإسرائيلية لتنفيذها. ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، سوف يؤدي التوسع الاستعماري دوراً رئيسياً في تحديد النتيجة، لأن إسرائيل قامت أساساً على الاستيطان والتوسع فوق الأرض الفلسطينية. ولا يعني صمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن المستوطنات معارضته لها. إنه يعني ببساطة أن التريث في الوقت الراهن هو اللعبة الأنسب بالنسبة إليه.
سواء أصبح إنشاء المستوطنات في غزة وشيكاً أم لا، فإن الحقيقة الثابتة هي أن الخطط لبنائها موجودة بالفعل، وأن هذه الخطط تحديداً هي التي تعمّق التواطؤ بين الحركات الاستيطانية والحكومة. ولا يمكن لأي منهما أن يستمر من دون الآخر.
*رامونا وادي Ramona Wadi: باحثة مستقلة وصحفية وكاتبة حرة وناقدة كتب ومدونة، تُعرف بكتاباتها المتخصصة في القضية الفلسطينية والاستعمار الاستيطاني والقانون الدولي وحقوق الإنسان، إلى جانب اهتمامها بالشأنين التشيلي وأميركا اللاتينية. تنشر مقالاتها وتحليلاتها بانتظام في عدد من المنصات الدولية، من أبرزها "ميدل إيست مونيتور" و"ذا بالستاين كرونيكل". تتميز كتاباتها بمنظور نقدي يركز على تفكيك الخطاب الاستعماري، وسياسات الاستيطان، وانتهاكات حقوق الفلسطينيين في سياق الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Road to Normalizing Colonial Expansion in Gaza