بقبولها نزع سلاحها.. "حماس" تحاول كشف خديعة إسرائيل في غزة
الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جولي إم. نورمان* – (تشاتام هاوس) 4/8/2026
منذ دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، ركّز "مجلس السلام" بدرجة كبيرة على نزع سلاح "حماس" باعتباره المفتاح لفتح الطريق أمام تنفيذ العناصر الأخرى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المؤلفة من 20 نقطة. وتشمل هذه العناصر دخول "اللجنة الوطنية التكنوقراطية لإدارة غزة" (NCAG) إلى القطاع، ونشر "قوة الاستقرار الدولية" (ISF)، والبدء في إعادة الإعمار التي تمس الحاجة إليها بشدة.
والأهم من ذلك أن التركيز على نزع السلاح حال دون إجراء أي نقاش بشأن انسحاب إسرائيل من غزة. وبدلاً من ذلك، ازداد نطاق السيطرة الإسرائيلية على القطاع بصورة كبيرة منذ بدء وقف إطلاق النار، ليصعد من السيطرة على نحو 53 في المائة من غزة في تشرين الأول (أكتوبر)، وفقاً للحد الذي رسمه ما يسمى "الخط الأصفر"، إلى نحو 70 في المائة اليوم.
الآن، ربما يغير الإعلان الأخير للرئيس ترامب أن "حماس" وافقت على خطة نزع سلاحها هذه المعادلة. فمن خلال كشف حقيقة موقف إسرائيل، يمكن لخطوة "حماس" أن تضع إسرائيل تحت ضغط خارجي في غزة للمرة الأولى منذ أشهر. والسؤال هو ما إذا كان "مجلس السلام" عموماً، وترامب خصوصاً، مستعدين لممارسة الضغط الضروري على الطرفين معاً لتجاوز حالة الجمود الراهنة.
من غير المرجح حدوث تغيير سريع
في الواقع، من غير المرجح أن يتم الاتفاق في أي وقت قريب على جدول زمني لسحب الأسلحة من الخدمة أو تقليص أعداد القوات.
ومن المرجح أن يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إطالة أمد أي مفاوضات لاحقة إلى أقصى حد ممكن؛ فآخر ما يريده وهو مقبل على انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) هو أن يتعرض لضغط أميركي للانسحاب من غزة. وأي إيحاء علني من نتنياهو بأن إسرائيل ستقلص سيطرتها على غزة أو ستقدم تنازلات لـ"حماس" يغلِبُ أن يُفقده قاعدته الانتخابية. (بالإضافة إلى أن الوزراء الإسرائيليين اليمينيين لا يقبلون انسحاب إسرائيل من القطاع، فإنهم أعلنوا فعلياً خططاً لإقامة مستوطنات جديدة في غزة).
كما أن إطالة أمد العملية تخدم "حماس" أيضاً. ومن المرجح أن تكون موافقة الحركة على خطة ترامب خطوة براغماتية من جانب قائد "حماس" الجديد، خليل الحية. فهي تُبقي الحركة طرفاً حاضراً في النقاش حول مستقبل غزة، وقد تحسن موقعها في مواجهة "مجلس السلام" -حتى أنها ربما تنقل عبء مسؤولية التعنت إلى إسرائيل. لكن "حماس" تدرك أن نزع سلاحها فعلياً لن يحدث بصورة فورية.
في الواقع، سوف يتمسك الطرفان أكثر على الأغلب بمطالبهما المتعلقة بتسلسل الخطوات، وهي المطالب التي عرقلت المحاولات السابقة للتوصل إلى اتفاقات في غزة: من المرجح أن تشترط إسرائيل نزع سلاح "حماس" بالكامل قبل الانسحاب، بينما ستصر "حماس" على انسحاب إسرائيل قبل سحب أسلحتها من الخدمة.
كما حدث، قال مسؤولون إسرائيليون بالفعل إنهم لن ينسحبوا من دون "نزع سلاح حقيقي" من جانب "حماس"، كما أعربوا للبيت الأبيض عن "مخاوف أمنية جدية" بشأن الاتفاق.
وورد أن إسرائيل أصرت أمام "مجلس السلام" على أنها تحتفظ بحقها في ضرب المناطق المقرر تسليمها إلى "قوة الاستقرار الدولية"، واعترضت على مشاركة قطر وتركيا -وهما من الوسطاء الرئيسيين في الاتفاق مع "حماس"- في مراحل التحقق المستقبلية من خريطة الطريق. كما ورد أنها طالبت بتدمير أسلحة "حماس" بدلاً من تخزينها بعد مصادرتها.
في المقابل، تتخذ "حماس" أيضاً موقفاً احترازياً؛ وقد أكدت أن خطواتها ستكون مشروطة بإنهاء إسرائيل "جميع أشكال العدوان"، فضلاً عن انسحابها إلى "الخط الأصفر" الذي كان قائماً عند وقف إطلاق النار في تشرين الأول (أكتوبر)، وتسهيل دخول "قوة الاستقرار الدولية" و"اللجنة الوطنية التكنوقراطية لإدارة غزة"، والوفاء بالتزامات إدخال المساعدات الإنسانية.
كما رفضت "حماس" المطالب الإسرائيلية بتدمير الأسلحة، وتعمّدت تجنب استخدام لغة نزع السلاح أو الاستسلام. وفي الواقع، لا ترد عبارة "نزع السلاح" في أي موضع من خريطة الطريق التي وضعها ترامب، التي تستخدم بدلاً منها مصطلح "إخراج الأسلحة من الخدمة"، مستندة جزئياً إلى النموذج الذي اتبعته عملية نزع السلاح في أيرلندا الشمالية.
بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن تقاوم "حماس" الإخراج الكامل للأسلحة من الخدمة من دون عملية تفاوضية أوسع تفضي إلى تحقيق قيام دولة فلسطينية. ولا تذكر خطة نزع السلاح حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بصورة مباشرة، لكنها تشير (في المادة 8) إلى استكمال "الالتزامات المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ"، وهو الخطة الأصلية المؤلفة من 20 نقطة التي وضعها ترامب بشأن غزة. وتشير النقطة 19 من تلك الخطة إلى "مسار موثوق نحو تقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية". وقد رفض نتنياهو رفضاً قاطعاً فكرة قيام دولة فلسطينية في حين ستصر "حماس" عليها.
شدد مسؤولون أميركيون ومسؤولون في "مجلس السلام" على طبيعة خريطة الطريق القائمة على "انعدام الثقة"، مؤكدين أنها ستسير حصراً على أساس خطوات وشروط يجري التحقق منها خارجياً. ولكن حتى العمليات المتبادلة تتطلب أن يتخذ أحد الطرفين الخطوة الأولى. والأكثر ترجيحاً هو أن يحاول الطرفان كسب الوقت عن طريق إبلاغ "مجلس السلام" بما يشبه ما يريد سماعه على الأقل. وفي غضون ذلك، يغلب أن يتجنب الطرفان أي التزامات حقيقية من خلال الاعتراض على أي تفصيل من التفاصيل الشائكة الكثيرة اللازمة لتنفيذ الخطة فعلياً.
الضغط الخارجي
في هذا السياق، تكتسب الالتزامات والضغوط الخارجية أهمية حاسمة. بالنسبة لـ"حماس"، كانت جهود الوساطة التي بذلتها مصر وتركيا وقطر أساسية في دفع الحركة إلى القبول العلني بالاتفاق. لكنّ هذه الدول الإقليمية ستكون أقل قدرة على التأثير في "حماس" لحملها على تنفيذه، لأنها لا توجد ميدانياً في غزة لفرض الالتزامات أو تقديم ضمانات أمنية.
أما على الجانب الإسرائيلي، فما يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستكون الولايات المتحدة -وبالتالي "مجلس السلام"- مستعدة لممارسة ضغط فعلي على إسرائيل -حتى لمجرد مناقشة الانسحاب في المقام الأول.
هناك عدة عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار هنا؛ أولها مسألة التزام ترامب الشخصي بدفع الاتفاق إلى الأمام بعد أن تخفت الضجة التي رافقت عناوينه الأولى. وإذا كان العام الماضي ليوفر أي مؤشر، فإن من السهل أن تصبح خريطة طريق نزع السلاح ضحية أخرى لنهج ترامب المرتجل في الدبلوماسية، حيث يتم طرح خطة مرقّمة باستعراض وثقة، ثم تتعثر من دون القيام بالعمل اللاحق الطويل والشاق المطلوب لتحويلها إلى واقع عملي.
ثانياً، حتى لو حاول ترامب الاستمرار في مساره في غزة، فإنه ليس واضحاً مقدار الضغط الذي سيكون مستعداً لممارسته على إسرائيل -هو أو مبعوثه الخاص جاريد كوشنر. كما أنه ليس واضحاً بالمثل مقدار النفوذ الذي سيمتلكه ترامب على نتنياهو مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
على الرغم من نفي نتنياهو وجود خلاف شخصي، تبدو العلاقات بين الزعيمين بالتأكيد أنها شهدت فتوراً وسط إحباط متبادل بشأن مسار الحرب مع إيران. وفي هذا السياق، من المرجح أن يتوقع ترامب من إسرائيل الانصياع للاتفاق الأحدث الذي طرحه. لكن نتنياهو، الذي يشعر بالاستياء من القيود الأميركية المفروضة على العمليات الإسرائيلية في لبنان وسورية، سيسعى إلى إظهار استقلاله عن ترامب أمام الناخبين والمنتقدين، خاصة في ما يتعلق بالقضية البارزة المتمثلة في غزة.
على أي حال، مهما كانت الحسابات التي تقف وراء موافقة "حماس" على تسليم سلاحها، فإنها تتيح فرصة لتحويل اتجاه الضغط الخارجي بما قد يكسر حالة الجمود التي تركت مليوني غزي يعيشون في ظروف بائسة.
كان الضغط على "حماس" ضرورياً ومبرراً تماماً. وهو لا يزال كذلك -سواء من أجل استقرار غزة أو أمن إسرائيل. ولكن يجب الآن أن يقابله ضغط مماثل على إسرائيل أيضاً، إذا كان ثمة أي فرصة لإحراز تقدم نحو مستقبل مستدام لغزة.
*د. جولي إم. نورمان Dr Julie Norman: أكاديمية وباحثة في السياسة والعلاقات الدولية، تشغل حالياً منصب أستاذة في السياسة والعلاقات الدولية في كلية لندن الجامعية (UCL). كما تدير مبادرة الجامعة بشأن إسرائيل وفلسطين. وهي زميلة مشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس". تحمل درجة الدكتوراة في العلاقات الدولية من الجامعة الأميركية في واشنطن، وسبق أن عملت باحثة ومحاضرة في جامعة كوينز بلفاست وجامعتي ماكغيل وكونكورديا. تتركز أبحاثها على الصراعات الممتدة، والعنف السياسي، والمقاومة، وبناء السلام، وحقوق الإنسان والأمن، مع اهتمام خاص بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وهي مؤلفة كتاب "غزة: الحلم والكابوس"، بالاشتراك مع مايا كارتر هالوارد، وكتب أخرى من بينها "فهم اللاعنف" Understanding Nonviolence؛ و"حركة الأسرى الفلسطينيين" The Palestinian Prisoners Movement، كما تقدم تحليلات منتظمة لوسائل الإعلام الدولية حول قضايا الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: By agreeing to disarm, Hamas is trying to call Israel’s bluff in Gaza