الغد
يديعوت أحرونوت
بقلم: اليشع بن كيمون
يراقب الشرق الأوسط بأسره المفاوضات المعقدة التي تجريها الولايات المتحدة مع إيران ولبنان، لكن بالنسبة لكبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، فإن دراما معقدة وصعبة تتكشف تحديدًا في هدوء قطاع غزة الظاهري. ووفقًا لمصادر سياسية، تواصل حماس ترسيخ وجودها في مواقعها وترفض نزع سلاحها كجزء من تنفيذ "خطة ترامب". في ضوء هذا الرفض، يستعد الجيش الإسرائيلي الآن للانتقال إلى مرحلة ضغط أشد، ستجبر التنظيم على إعادة النظر في مساره.
ووفقًا لمصادر مطلعة، فقد وصلت المحادثات بين الوسطاء وممثلي مجلس السلام وحماس، بشأن خطة نزع سلاح حماس، إلى طريق مسدود. وتشير التقارير الواردة إلى القدس إلى أنه بعد أسبوعين من المفاوضات المكثفة، اتضح أن حماس قدمت ردًا سلبيًا، وإن صاغته على أنه "نعم مع ألف أسف"، إلا أن المعنى الحقيقي للرد هو انتهاك للاتفاق. وقالت المصادر: "هذه "النعم" هي في الواقع "لا".
ولم تتفاجأ إسرائيل بهذا التقرير، إذ كانت تتوقع دائمًا أن حماس لن توافق على نزع سلاحها، وأنه لا مفر من أن يقوم الجيش الإسرائيلي بنزع سلاحها. وتضغط مصادر في الجيش الإسرائيلي من أجل استئناف القتال في غزة في أسرع وقت ممكن، كما يدرك المستوى السياسي أيضًا أنه لا مفر من ذلك. نُوقشت هذه المسألة في اجتماع مصغر لمجلس الوزراء الليلة الماضية.
تتواجد حاليًا ستة ألوية في قطاع غزة، ويشير تناوب القوات إلى استعدادات لبقاء طويل ومكثف. ومن المتوقع أن يحل لواء المظليين محل لواء احتياطي أنهى مهمته في القطاع لتوه. فقد أنهى مقاتلو لواء "القبضة الحديدية" (205)، بقيادة الفرقة 252، مؤخرًا جولة قتالية مهمة استمرت شهرين. وهذه هي الجولة السادسة لهم منذ بداية الحرب، وهي عبارة عن عملية تنقل شاقة بين جنوب قطاع غزة وجنوب لبنان. هذه المرة، كانت المهمة دقيقة وشملت تطهير المنطقة الواقعة بين شرق قطاع غزة و"الخط الأصفر". وبالتعاون الوثيق مع وحدة "يهلوم"، نفذت القوات عمليات حفر منهجية على مسافة تزيد عن ستة كيلومترات. وأسفرت هذه العملية الهندسية المعقدة عن اكتشاف وتدمير ثمانية مخابئ استراتيجية تحت الأرض تابعة لحماس. خلال العملية، لم يقتصر التدمير على البنية التحتية فحسب، بل تمكن المقاتلون من القضاء على العشرات في مواجهات مباشرة، وضبط كميات كبيرة من الأسلحة.
ويؤكد الجيش الإسرائيلي أن هذه ليست مجرد عملية روتينية. فمنذ انطلاق عملية "زئير الأسد"، تم القضاء على أكثر من مئة مقاتل في قطاع غزة. ولا يقتصر هذا على المقاتلين فحسب، بل يشمل أيضاً من كانوا يُعتبرون من كبار الرتب في مختلف التشكيلات المتبقية في حماس، بمن فيهم من شاركوا بشكل مباشر في مجزرة 7 أكتوبر. وقال مقاتلون في عمق المنطقة: "لا أحد يخدع نفسه. حماس تسعى جاهدة لإعادة بناء صورتها أمام الرأي العام في غزة، وتبذل جهوداً جبارة لاستعادة قوتها. نحن لا نحارب هنا المسلحين فحسب، بل نحارب أيضاً شبكات التهريب والعبور. وأي إحباط لشبكة تهريب يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على إعادة بناء أنقسهم".
لتعزيز سيطرتها على المنطقة، نقلت القوات الإسرائيلية مواقعها من الدفاعية إلى مواقع دائمة في المنطقة الواقعة بين الحدود و"الخط الأصفر". وقد أُنشئت العشرات من هذه المواقع خلال الأشهر الأخيرة. والهدف هو إنشاء منطقة أمنية مستقرة تتيح تحركًا مرنًا ضد أي محاولة من حماس للظهور مجددًا.
لكن على الرغم من الإنجازات التكتيكية، تُدرك القيادتان السياسية والعسكرية أن غزة ليست جزيرة معزولة. فالقدرة على هزيمة حماس محدودة بما يحدث على مختلف الجبهات. فالقتال في لبنان، وقدرة القوات الإسرائيلية على العمل خارج الليطاني، ومفاوضات الولايات المتحدة مع إيران، كلها عوامل تؤثر على حجم القوات التي يمكن نشرها في غزة. كما أن عدم إغلاق الجبهات الأخرى يُصعّب اتخاذ القرار. حاليًا، تُركز القوات الإسرائيلية معظم جهودها الاستخباراتية والجوية على الجبهة الشمالية، حيث يواصل حزب الله قصف التجمعات السكنية والقوات العسكرية الشمالية. إن التهديد الذي يُقلق القادة هو، بطبيعة الحال، الطائرات المسيّرة المتفجرة، وهو حدثٌ قد يندلع أيضاً في غزة، وهو ما يُفسّر الاستثمار الضخم في مكافحة التهريب على الحدود الجنوبية.
وفيما يتعلق بالطائرات المسيّرة، صرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمس قائلاً: "قبل أسابيع قليلة، أمرتُ بإنشاء مشروع خاص لمواجهة خطر الطائرات المسيّرة، وسأُقدّم اليوم تقريراً مرحلياً حول هذا الموضوع. سيستغرق الأمر بعض الوقت، لكننا نعمل على ذلك". وعلمت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الجيش الإسرائيلي يُقيم ندوات تحت عنوان "التحدي الدفاعي من المنطقة القريبة من الأرض". ويُطلق الجيش الإسرائيلي على هذه الندوات اسم "يوم تحميل المعلومات"، حيث سيتم خلالها عرض حلول مؤقتة على المقاتلين مع التركيز على التغيير الذي طرأ على الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
ومن المتوقع أن يُواصل الجيش الإسرائيلي في الأيام المقبلة عمليات التطهير حتى "الخط الأصفر"، على أمل أن يُؤثّر هذا الضغط العسكري على غرف المفاوضات مع قيادة حماس التي لا تزال على قيد الحياة. الرسالة الإسرائيلية واضحة: إذا لم تحرز المفاوضات تقدماً سياسياً، فإن الجيش الإسرائيلي مستعد لإعادة قطاع غزة إلى حالة قتال عنيف، حتى لو تطلب ذلك تحويل القوات التي تم سحبها بالفعل من المناورة في لبنان إلى الجبهة الجنوبية. الأنظار متجهة نحو الشمال، لكن الأيدي تعمل بحزم في الجنوب.