الغد
عواصم - مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع نطاق الضربات المتبادلة، يبرز التساؤل حول الأسباب التي دفعت مسار التهدئة إلى الانهيار رغم توقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين، وما إذا كانت الخلافات على تفسير بنودها قد أسهمت في إشعال أخطر تصعيد يشهده مضيق هرمز منذ بدء الوساطة.
ويرى محللون وتقارير دولية أن الخلاف الحاد حول تفسير بنود "مذكرة التفاهم" (اتفاق إسلام آباد)، وتحديداً المادة الخامسة المتعلقة بمضيق هرمز، هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى انهيار التهدئة وعودة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران.
ووفقاً للتحليلات السياسية ومتابعة بنود الاتفاق، يتركز سوء التفسير والتنازع بين الطرفين على النقاط التالية:
السيادة على هرمز
الخلاف حول السيادة وإدارة الملاحة، وهي المادة الخامسة من اتفاق وقف النار، فمن وجهة النظر الإيرانية، تفسر طهران الاتفاق على أنه اعتراف ضمني بـسلطتها المطلقة في إدارة وحماية الملاحة في مضيق هرمز. وترى أن التزامها بفتح المضيق مجاناً لمدة 60 يوماً لا يلغي حقها في تحديد مسارات السفن، وبناءً عليه قامت باستهداف سفن تجارية بدعوى أنها سلكت مسارات غير موافقة عليها من قبل طهران. كما ألمحت إلى رغبتها في فرض "رسوم خدمات" (وليست ضرائب مرور) بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً.
إلا أن وجهة النظر الأميركية والخليجية، ترفض هذا التفسير تماماً، وترى أن الاتفاق يلزم إيران بضمان حرية الملاحة لجميع السفن دون قيود أو شروط عسكرية أو فرض مسارات إجبارية. ورداً على ذلك، أعلنت واشنطن عن مسارات بديلة بمحاذاة السواحل العُمانية خارج السيطرة الإيرانية، ما اعتبرته إيران خرقاً للاتفاق.
التصريحات المتبادلة والرسوم الجمركية
تفاقم سوء التفسير مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن المضيق يجب أن يظل مفتوحاً ودون أي رسوم بشكل دائم، بل واقترح فرض الولايات المتحدة لرسوم تبلغ 20 % على الشحن لتغطية تكاليف الحماية الأمنية، وهو ما اعتبرته إيران تقويضاً كاملاً للسيادة الإقليمية ومخالفة لروح مذكرة التفاهم.
سوء الفهم بالتزامن في تنفيذ بنود الاتفاق
كما يرتبط سوء الفهم أيضاً بـ"التزامن" في تنفيذ البنود، فإيران ربطت تسهيل المرور في المضيق بالتزام واشنطن الفوري برفع الحصار البحري عن موانئها وتفعيل الإعفاءات النفطية (التي تسمح لها ببيع النفط بحرية) والإفراج عن الأموال المجمدة في قطر.
في المقابل، قامت الولايات المتحدة بإلغاء إعفاءات تصدير النفط الإيراني وإعادة فرض الحصار سريعاً، مبررة ذلك بأن طهران انتهكت الاتفاق أولاً عبر استخدام القوة في المضيق واستهداف السفن التي لم تلتزم بمساراتها الإيرانية المفروضة.
هذا التضارب الجذري في قراءة النصوص حوّل المضيق من مساحة تهدئة مؤقتة إلى شرارة أعادت الطرفين إلى مربع الحرب المباشرة وإلغاء مفاعيل وقف إطلاق النار.
في السياق اعتبر المتحدث السابق باسم الخارجية الباكستانية محمد عبدالباسط أن الهجوم الإيراني على ناقلات نفط سعودية وقطرية شكل نقطة التحول الأساسية، أما القيادي السابق في الحرس الثوري كنعاني مقدم فقال إن سيطرة الحرس على مضيق هرمز تأتي استنادا إلى ما اعتبره تفويضا واردا في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
وأشار مراقبون إلى أن القرار العسكري الإيراني بالتوجه نحو التصعيد جاء رغم وجود آليات اتصال نصت عليها مذكرة التفاهم لم تستخدمها ايران، من بينها الخط الساخن، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات استهدفت مواقع للدفاع الساحلي الإيراني.
الضربات الأميركية استهدفت مواقع للدفاع الساحلي ومخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية الإيرانية، قابلها هجمات شنها الحرس الثوري على دول خليجية، من بينها سلطنة عُمان التي تستضيف جهود الوساطة لحل أزمة المضيق، في وقت استثنى فيه الحرس القطع البحرية الأميركية المنتشرة في بحر العرب.
وردا على سؤال بشأن استهداف سلطنة عُمان، قال كنعاني مقدم إن الحرس الثوري يمتلك، بحسب قوله، أدلة على انطلاق طائرات وصواريخ أميركية من قواعد داخل السلطنة، بينما نفى المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية هذه المزاعم، مؤكدا أن العمليات الأميركية مستمرة بكامل قدراتها، وأن الهجمات الإيرانية على دول الخليج لم تؤثر على الأداء العملياتي للقوات الأميركية.
الدبلوماسي الباكستاني السابق محمد عبد الباسط، أكد أن باكستان كانت ترى منذ البداية أن مذكرة التفاهم وحدها لن تكون كافية لتسوية جميع الملفات، وأن تنفيذها كان يتطلب وقتا لمعالجة القضايا العالقة بين الطرفين.
وفيما يتعلق بالجهود الدبلوماسية، كشف محمد عبد الباسط عن استمرار الاتصالات الباكستانية مع المسؤولين الإيرانيين، مشيرا إلى تواصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، معربا عن ثقته بإمكانية تحقيق تقدم نحو وقف إطلاق نار مؤقت خلال أيام.
هل مذكرة التفاهم أصبحت ميتة؟
ورفض المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية التعليق على احتمال تغيير مهام القوات الأميركية، مكتفيا بالقول إن الجيش الأميركي يمتلك أكثر من 50 ألف جندي في الشرق الأوسط، جميعهم على أهبة الاستعداد لتنفيذ أي مهمة توكل إليهم.
في المقابل، قال كنعاني مقدم إن إيران جاهزة، وفق إعلان مقر خاتم الأنبياء، لمواصلة الحرب لمدة خمس سنوات إذا اقتضى الأمر.
ويرى محللون أن مجمل التطورات تشير إلى وجود مركزين لاتخاذ القرار داخل إيران برؤيتين مختلفتين تجاه مذكرة التفاهم، وهو ما انعكس على إدارة الأزمة.
واعتبر كنعاني مقدم أن المذكرة أصبحت "ميتة" بسبب عدم تحقق 3 من شروطها، وهي ما يتعلق بالسيطرة على مضيق هرمز، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ووقف إطلاق النار في لبنان ومناطق أخرى.
أما محمد عبد الباسط فحذر من أن انهيار المذكرة سيدفع المنطقة إلى مرحلة من "الانحدار الحر" يصعب على أي من الطرفين تحمل تبعاتها.-(وكالات)