الغد-عزيزة علي
يوثق كتاب "نُحاة من الأندلس" للدكتور شريف عبد الكريم النجار جانبًا من التراث النحوي الأندلسي، من خلال إحياء سِيَر أربعة من العلماء الذين غاب كثير من نتاجهم عن التداول، وإبراز آرائهم واجتهاداتهم النحوية التي بقيت متناثرة في المصادر التراثية.
ويضم الكتاب أربعة أبحاث علمية محكمة، تتناول حياتهم، ومنهجهم، وإسهاماتهم في تطور الدرس النحوي بالأندلس، في محاولة لإعادة تسليط الضوء على شخصيات كان لها أثر في مسيرة العلوم اللغوية العربية.
وأكد الدكتور النجار في مقدمة الكتاب أن علوم اللغة، من نحو وصرف ومعاجم وغيرها، تُعد من أشرف العلوم؛ لما تؤديه من دور في إكساب المتعلم الفهم والدراية، وتمكينه من تفسير العلوم المختلفة وتوصيفها. فاللغة هي أداة التواصل والفهم بين المتكلم والمخاطب، كما أنها ترتبط بخدمة القرآن الكريم وعلوم الشريعة. وأشار إلى أن علوم اللغة نشأت مبكرًا في المشرق العربي، إذ بدأت إرهاصاتها في القرن الأول الهجري، ثم اكتملت معالمها على يد سيبويه والخليل بن أحمد في أواخر القرن الثاني الهجري، قبل أن تبلغ مرحلة النضج في القرن الرابع الهجري على أيدي علماء بارزين، منهم ابن السراج، والزجاج، والزجاجي، والنحاس، والفارسي، والسيرافي، والرماني.
أما في الأندلس، فقد بدأت دراسة النحو في القرن الرابع الهجري، حيث انتقلت إليها مؤلفات سيبويه والمختصرات النحوية من المشرق، فدُرست وشُرحت. واتسمت هذه المرحلة بالتحصيل والتنظيم أكثر من الإبداع، باستثناء جهود عبد الله بن سليمان المعروف بدريود (ت 324هـ)، الذي وضع شرحًا لكتاب الكسائي، ويُعد من أوائل الشروح النحوية المعروفة في الأندلس، كما أسهم في نقل المذهب الكوفي إليها.
وأضاف النجار أن دريود لم يعرف في عصره كثرة المصنفات والشروح التي ظهرت لاحقًا، ولا سيما في القرن السادس الهجري. وقد عارضه عالم أندلسي آخر في كتاب سماه "الترشيح"، ناقش فيه آراء دريود وردَّ عليها، ويبدو أنه كان يميل إلى مخالفة المدرسة الكوفية.
وأشار المؤلف إلى أن النهضة الكبرى لعلوم اللغة في الأندلس بلغت ذروتها خلال أواخر القرن الخامس والقرن السادس الهجريين، إذ برز العالمان ابن سيده الأندلسي والأعلم الشنتمري، وتتلمذ على يديهما عدد كبير من العلماء الذين أسهموا في ازدهار الدراسات اللغوية، ومن أبرزهم أبو مروان عبد الملك بن سراج، وابن أبي العافية، وابن الأخضر الإشبيلي، وابن الباذش، وابن الأبرش، وابن الطرواة، وابن عطية الأندلسي، وغيرهم.
وبين النجار أنه جمع في هذا الكتاب أربعة أبحاث سبق أن نشرها في مجلات علمية محكمة، تناول فيها آراء أربعة من علماء النحو الأندلسيين الذين غاب ذكرهم ولم يبق من تراثهم إلا ما تفرق في كتب النحو والصرف، وهم: "دريود (ت 324هـ): آراؤه النحوية. أبو الحسن بن الأخضر الإشبيلي (ت 514هـ): آراؤه في النحو واللغة. أبو الحسن بن الباذش الغرناطي (ت 528هـ): أثره النحوي. ابن الأبرش الأندلسي (ت 532هـ): حياته وآراؤه".
وذكر المؤلف أنه أثبت في مطلع كل بحث بيانات نشره الأصلي، وحرص على إبقاء الأبحاث كما نُشرت دون تعديل، جامعًا إياها في كتاب واحد تيسيرًا على الباحثين والمهتمين.
وخلص النجار، إلى التأكيد أن التراث اللغوي والنحوي الأندلسي زاخر بالمعارف، وأن جانبًا كبيرًا منه ما يزال حبيس المخطوطات والكتب، داعيًا الباحثين إلى مواصلة التنقيب فيه وإحياء كنوزه، سائلًا الله أن يهيئ لهذا العلم من يخدمه ويحفظ تراثه من الضياع.
وفي ختام البحث، خلص الباحث إلى مجموعة من النتائج، مبينًا أن الدراسة هدفت إلى التعريف بشخصية ابن الأبرش الأندلسي من خلال تتبع آرائه واختياراته النحوية. وقد تناولت الدراسة عصره، وسيرته، وما نُسب إليه من آراء وتوجيهات نحوية، وصولًا إلى بيان مذهبه النحوي.
ومن أبرز النتائج أن ابن الأبرش عاش في مرحلة اتسمت بالاضطراب السياسي، إذ شهد انهيار دول الطوائف وبداية عهد المرابطين. ورغم هذه الظروف، عرفت الأندلس نهضة علمية ولغوية ملحوظة، انعكست على ازدهار الحركة النحوية وكثرة أعلامها.
كما أظهرت الدراسة أن ابن الأبرش عاصر وصاحب عددًا من كبار نحاة الأندلس، من أبرزهم الوزير أبو الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج، وأبو الحسن بن الباذش، وأبو عبد الله بن أبي العافية، وابن الأخضر، وأبو القاسم السهيلي، وهو ما يعكس البيئة العلمية الزاخرة التي أسهمت في تكوينه العلمي وصقل آرائه النحوية.
أظهرت الدراسة أن ابن الأبرش عاش في بيئة علمية نشطة، إذ كان يجتمع مع عدد من علماء عصره، وتدور بينهم مناقشات نحوية وعلمية، وهو ما يعكس ازدهار الحركة العلمية في الأندلس آنذاك، ويؤكد أثرها في تنمية البحث والتلقي.
حظي ابن الأبرش بمكانة رفيعة بين معاصريه لما عُرف به من الورع والزهد وحسن الخلق. فقد ابتعد عن المناصب العامة، ولم يقبل التدريس في الجامع أو الإمامة، كما اعتذر عن تولي القضاء، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانته واحترام الناس له.
تدل آراؤه واختياراته النحوية على أنه كان من كبار علماء العربية في عصره، رغم عدم تأليفه كتابًا مستقلًا في النحو أو شرحًا لمختصر نحوي. ويرى الباحث أن ذلك يعود إلى طبيعته الزاهدة، لا إلى نقص في علمه، إذ تشير المصادر إلى أنه كان يحفظ عددًا من أهم كتب العربية، وفي مقدمتها "كتاب سيبويه"، "أدب الكاتب"، "المقتضب"، "الكامل".
ترجح الدراسة أن ابن الأبرش كان شاعرًا مُجيدًا، فقد حفظت له كتب الأدب عددًا من القصائد، كما نُسب إليه ديوان شعري، مما يدل على غزارة إنتاجه الأدبي. وتبين أن ابن الأبرش كان بصريَّ المنهج، وهو ما يظهر في اعتماده على أبرز كتب المدرسة البصرية، وموافقته علماءها في معظم آرائه النحوية.
لم يكن يميل إلى الأخذ بآراء الكوفيين، وإن وافقهم في مسألتين نحويتين، إلا أن الباحث يرى أن ذلك لا يمثل تحولًا عن منهجه البصري، وإنما جاء تبعًا لقوة الدليل، دون أن يصرح بانتمائه إلى المذهب الكوفي.
وخلصت الدراسة، إلى أن ابن الأبرش تمتع بشخصية علمية مستقلة داخل الإطار البصري، تجلت في عدد من اجتهاداته النحوية، منها آراؤه في إعمال اسم الفاعل الموصوف، وفاعل المصدر، وقياس فتح الهمزة بعد القسم على العلم، وهي مسائل تعكس أصالة تفكيره واستقلاله في النظر والاجتهاد.