عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jul-2026

عبد الحميد المعيني: عدي بن الرقاع جمع بين الشعر والنقد والفروسية

 الغد-عزيزة علي

 سلّطت ندوة ثقافية في رابطة الكتّاب الأردنيين الضوء على المشروع البحثي والنقدي للدكتور عبد الحميد المعيني في توثيق السردية الشعرية الفلسطينية، وذلك بمناسبة توقيع كتابه "الفلسطيني عدي بن الرقاع العاملي: الشاعر الناقد"، الذي يعيد قراءة شخصية أحد أبرز شعراء العصر الأموي بوصفه شاعراً وناقداً وفارساً فلسطينياً، ويكشف إسهاماته في الشعر والنقد والثقافة العربية.
 
 
ولم تقتصر الندوة على مناقشة الكتاب، بل تحولت إلى قراءة في مشروع المعيني الفكري الذي يسعى إلى استعادة حضور فلسطين في الذاكرة الأدبية العربية، من خلال تتبع أعلامها ونصوصها وشواهدها التاريخية، وتأكيد أن البحث العلمي والنقد الأدبي يشكلان ركيزة أساسية في حماية الهوية الثقافية ومواجهة محاولات طمسها أو تزييفها.
وأكد المشاركون أن الكتاب يقدم رؤية جديدة لعدي بن الرقاع العاملي، مستنداً إلى قراءة نقدية وتاريخية تتناول تجربته الشعرية وثقافته النقدية ودوره في الحياة السياسية والأدبية في العصر الأموي، كما يندرج ضمن مشروع علمي أوسع يعمل على توثيق الإسهام الفلسطيني في مسيرة الأدب العربي وإعادة الاعتبار لشخصياته التي لم تنل ما تستحقه من الدراسة والاهتمام.
استعرض الشاعر سعد الدين شاهين جانباً من المشروع البحثي للدكتور المعيني، الذي ينقّب في المنسي والمسكوت عنه في السردية الأدبية العربية، مؤكداً أن استعادة السياقين التاريخي والأدبي تمثل فعلاً من أفعال المقاومة في مواجهة محاولات التزييف والمحو.
وقال شاهين إنه يتحدث بوصفه باحثاً يلتقي مشروعه مع مشروع المعيني في التنقيب عن الحفريات الأدبية المنسية، واستعادة الشواهد التي تؤكد الامتداد الحضاري والثقافي العربي، مشيراً إلى أن مشروع المعيني يمثل نموذجاً أصيلاً للمقاومة الثقافية، لأنه يعيد الاعتبار للذاكرة التاريخية والأدبية.
وأضاف شاهين أن إصدار كتاب قد يحقق الشهرة، لكن الأصعب هو حمل مشروع تنويري يُكرَّس له العمر بحثاً وتنقيباً لإنتاج معرفة رصينة تخدم قضية يؤمن بها صاحبها. ورأى أن المعيني سخّر جهده لدراسة كل ما يتصل بفلسطين؛ أدباً وفناً وتراثاً وشخصيات وتاريخاً، انطلاقاً من إيمانه بأن الفكر والإبداع من أدوات المقاومة الفاعلة.
وأشار إلى أن المعيني انتقل من تدريس الأدب الجاهلي والإشراف على الدراسات العليا في الجامعات الأردنية إلى مشروع نقدي وفكري يتتبع الجذور الأدبية والتاريخية للقدس وفلسطين منذ بدايات الأدب العربي حتى اليوم، بما يسهم في إعادة وصل الحاضر بالماضي واستعادة ذاكرة حاول الاحتلال طمسها.
وأكد شاهين أن المعركة لا تدور حول الأرض وحدها، بل حول الرواية والهوية والذاكرة، لذلك انصرف المعيني إلى تتبع حضور فلسطين في الشعر العربي القديم، في مواجهة محاولات سرقة الموروث وإعادة تشكيل الوعي. وأضاف أن الشعوب تورث أبناءها الذاكرة والانتماء بقدر ما تورثهم الممتلكات، وهو ما يجعل الهوية عصية على المحو.
وخلص شاهين إلى أن مشروع المعيني، الذي بدأ بكتابة "القدس والقصيدة العمودية القديمة: جدل الاسم وجمال الدلالة"، يؤسس لسردية علمية تستند إلى النصوص والشواهد الأدبية، وتواجه التزييف بالمعرفة، مؤكداً أن حفظ الذاكرة لا يقل أهمية عن الدفاع عن الأرض.
من جانبه، قال الناقد محمد المشايخ إن كتاب "الفلسطيني عدي بن الرقاع العاملي: الشاعر الناقد"، يقدم قراءة شاملة لإنجازات عدي بن الرقاع وإبداعاته الشعرية والنقدية، متتبعاً قصائده من حيث الصناعة الشعرية، وبناء الصورة الفنية، وأبعادها الجمالية، إلى جانب ثقافته النقدية وجهوده الفكرية.
وأوضح المشايخ أن الكتاب يقدم عدي بن الرقاع بوصفه شاعرا وناقدا ومثقفا وفارسا فلسطينيا أنجبته مدينة بيسان في العصر الأموي، حين كانت فلسطين تتمتع بمكانة حضارية وثقافية بارزة، وكانت القدس مركزاً دينياً وثقافياً مهما.
وأضاف أن الكتاب يكشف المكانة التي حظي بها عدي في الدراسات الحديثة باعتباره شخصية جمعت بين الشعر والنقد والثقافة والفروسية، ووثقت في ديوانها الحياة السياسية والاجتماعية في العصر الأموي، إلى جانب تجسيدها مكارم الأخلاق، وإبداعها في تشكيل الصورة الشعرية، وإسهامها في ترسيخ رؤية نقدية تقوم على الجمال والقيم.
وأشار المشايخ إلى أن المعيني خصص جانباً مهماً من كتابه لإبراز عدي بن الرقاع بوصفه ناقداً فلسطينياً له مكانته في تاريخ النقد العربي، مؤكداً أن شعره حمل ملامح نظرية نقدية أخلاقية نشأت في القدس، واستندت إلى مبادئ الحق والصدق والتقوى والمسؤولية، في ضوء القيم الإسلامية.
وبيّن المشايخ أن المؤلف درس نماذج من شعر عدي وفق هذه الرؤية، موضحاً معاييرها ومرتكزاتها، ومشيراً إلى أن الشاعر سبق عدداً من الرواة والنقاد في توظيف مصطلحات ومفاهيم نقدية شاعت لاحقاً في القرن الأول الهجري، بما يعزز مكانته شاعراً وناقداً ومثقفاً.
ورأى المشايخ أن الثقافة الموسوعية للدكتور المعيني تتجلى في إحاطته بتاريخ الأدب العربي ومصطلحاته ومفاهيمه، وقدرته على تقديمها بلغة واضحة تجمع بين العمق العلمي وسهولة العرض، مستشهداً بتفسيره لمفهوم الصنعة الشعرية في العصر الأموي بوصفها ما يقابل اليوم الظاهرة أو المدرسة أو الاتجاه الشعري.
وأكد أن انحياز المعيني لفلسطين ومبدعيها لا يتعارض مع انتمائه القومي العربي، إذ ينظر إلى الثقافة العربية بوصفها فضاءً حضارياً واحداً، مع تأكيده على فلسطينية عدي بن الرقاع، وإبراز علاقاته التاريخية ببلاد الشام وإقامته في دمشق.
في ختام الندوة، قال الدكتور عبد الحميد المعيني إن عدي بن الرقاع العاملي، الشاعر الفلسطيني، شخصية إبداعية متكاملة؛ فهو شاعر برع في الصناعة الشعرية ورسم لوحات جمالية متميزة، وناقد لامع أنجبته مدينة بيسان، أسهم في إثراء الثقافة النقدية والنظرية الأخلاقية بمعاييرها الفنية.
وأشار المعيني أن العاملي كان مهندساً بارعاً في تجويد القصيدة المدحية الأموية، حتى غدا الناطق الرسمي باسم الدولة الأموية في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، فضلاً عن كونه فارساً شجاعاً ومجاهداً في الجيش الأموي.
وأضاف المعيني أن عدي بن الرقاع جمع بين الإبداع الشعري، والنقد الأدبي، والعمل السياسي والدبلوماسي، في نصوص اتسمت بجزالة المعاني، ورشاقة المباني، وعذوبة الإيقاع. ويأتي هذا الكتاب ضمن مشروع "السردية الشعرية الفلسطينية" الذي يكرس له المؤلف جهده في توثيق تاريخ الشعر الفلسطيني ونقده وبيئته الأدبية والحضارية، شأنه شأن آداب سائر البلاد العربية.
وأوضح المعيني أن الديوان يتناول موضوعات متعددة، يغلب عليها المدح والغزل والوصف، ويؤرخ للقصيدة المدحية الأموية، كما يعالج قضايا الحياة والكون، مثل القوة والفروسية والإنسان والموت. وإلى جانب ذلك، يعد الديوان مرجعاً متخصصاً في الصناعة الشعرية والثقافة النقدية، إذ يحظى هذان الجانبان بعناية واضحة في شعر عدي بن الرقاع.
وأشار إلى أن الصناعة الشعرية تجمع بين الشعر والنقد، كما تجمع الثقافة النقدية بين النقد والشعر، وهما مجالان فنيان متداخلان ومتكاملان، يتساندان في بناء التجربة الإبداعية دون تعارض.
وخلص المعيني إلى أنه حرص على أن يفرد لكل منهما قسماً مستقلاً بخصائصه ومنهجه، وأن يقرأ نصوصه في سياقها الشعري أو النقدي، مع تقديم الجانب الجمالي والإبداعي بوصفه المدخل الرئيس إلى فهم قصائد هذين القسمين.