عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Aug-2026

من رماد الفقد إلى إشراق الوجود.. قراءة برواية "حين تشرق الروح"

 الغد-سمير اليوسف

 ليست الروايات التي تخلد في الذاكرة هي تلك التي تروي ما حدث لشخصياتها، بل تلك التي تجعل من مصائر شخصياتها مرآةً لسؤال إنساني أوسع. فالأحداث تزول، والأمكنة تتغير، لكن الأسئلة الكبرى التي تتصل بالحب والخسارة والهوية والبحث عن المعنى تبقى قادرة على عبور الأزمنة. 
 
 
ومن هذا الأفق يمكن قراءة رواية "حين تشرق الروح" للروائية سمر السامرائي؛ إذ لا تبدو الرواية منشغلة بتسجيل سيرة امرأة عراقية تدعى نهلة بقدر انشغالها بتأمل رحلة الإنسان حين يجد نفسه فجأة أمام خراب أحلامه، ثم يكتشف أن عليه أن يعيد بناء ذاته من جديد.
منذ العتبة الأولى يضع النص قارئه أمام الكلمة التي ستتحول إلى النغمة الخفية المصاحبة للرواية كلها: "الحنين". فالإهداء الموجه إلى نهلة الراحلة، والسطور التي تتحدث عن الوجع الذي يوقظه الحنين في القلب، لا تؤدي وظيفة عاطفية فقط، بل تؤسس للرؤية الكلية للرواية. فالحنين هنا، ليس مجرد اشتياق إلى ما مضى، بل تجربة وجودية يعيشها الإنسان حين يدرك أن الزمن يمضي فيما تبقى أجزاء من روحه عالقة في أماكن وأشخاص وأيام لم تعد موجودة.
ولهذا ليس من المصادفة أن تبدأ الرواية من المكان قبل الحدث. فالمشهد الافتتاحي الذي تجلس فيه نهلة على ضفاف دجلة في المقهى القديم يحمل منذ البداية مفتاح القراءة كله. 
تقول الساردة: "ثمة أماكن لا نرتادها بأقدامنا فقط، بل بذاكرتنا". وهذه العبارة ليست وصفاً شعرياً عابراً، بل إعلاناً مبكراً عن طبيعة العالم الروائي. فالمكان في الرواية ليس فضاءً جغرافياً، وإنما وعاء للذاكرة. ولهذا لا يعود دجلة مجرد نهر، بل يصبح صورةً للزمن نفسه؛ زمن يمضي في الخارج، بينما تظل بعض مياهه راكدة في أعماق الروح.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: من محاولة الإمساك بما يتسرب من العمر.
في قلب هذه الذاكرة يقف نضال. والحقيقة أن نضال لا يؤدي وظيفة الشخصية التقليدية في الرواية، بل يتحول إلى رمز لمرحلة كاملة من حياة نهلة. فالعلاقة التي تجمعهما لا تُبنى على الحب وحده، وإنما على الحلم أيضاً. ولذلك فإن فقدانه لا يعني فقدان الحبيب فقط، بل انهيار المستقبل الذي كانت تتخيله. وعندما نستعيد مشاهد المراسلات السرية بينهما، واحتفاظ نهلة بصوره ورسائله بعيداً عن أعين الأسرة، ندرك أن نضال كان يمثل بالنسبة إليها أول اعتراف بوجودها الخاص خارج سلطة العائلة.
وحين يهديهــا القلب الذهبي قبل رحيله، ثم يبقى هذا القلب حاضراً في ذاكرتها بعد سنوات طويلة، فإن الرمز يتجاوز معناه العاطفي ليصبح تجسيداً لذاكرة لا تريد أن تموت. ولهذا لا يغيب نضال فعلياً عن الرواية، بل يتحول إلى حضور روحي دائم يرافق البطلة في جميع تحولات حياتها.
غير أن الرواية لا تجعل فقدان الحبيب جرحها الوحيد. فثمة جرح آخر أشد عمقاً وأكثر تأثيراً، يتمثل في شعور نهلة المستمر بأنها لا تمتلك حياتها. وهنا تكشف الرواية عن إحدى طبقاتها الفكرية المهمة. فالمأساة ليست في غياب الحرية السياسية أو الاجتماعية فحسب، بل في غياب الحق في اتخاذ القرار الشخصي.
يبلغ هذا المعنى ذروته في المشهد الذي يواجه فيه الأخ أياد قرار نهلة بالسفر. فحين تمزق التأشيرة أمام عينيها لا تتمزق ورقة سفر فقط، بل تتمزق معها سنوات من الانتظار والأمل. والأهم من ذلك أن المشهد يكشف عن تصور عميق للسلطة داخل الأسرة؛ سلطة ترى المرأة امتداداً لإرادة الآخرين لا ذاتاً مستقلة. لهذا تبدو كلمات نهلة وهي تؤكد أنها بلغت الثامنة والأربعين من عمرها ولها الحق في اتخاذ قراراتها لحظةً مفصلية في مسار الشخصية.
إنها لحظة وعي لا لحظة احتجاج.
وهنا تكمن قوة الرواية.
فالكاتبة لا تجعل بطلتها ثائرة بالمعنى الصاخب للكلمة، بل تجعلها واعية. والفرق بين الأمرين كبير. فالثورة قد تكون رد فعل عابراً، أما الوعي فهو بداية تحول جذري في علاقة الإنسان بنفسه.
وتتأكد هذه الفكرة حين تتكشف أمام القارئ طبقات التهميش التي تعرضت لها نهلة داخل محيطها العائلي. فذكريات المعاملة المتفاوتة بين الأخوات، والإقصاء المتكرر، والسخرية المبطنة، كلها تظهر في الرواية لا بوصفها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها تراكمات صنعت هشاشة الشخصية القديمة.
لكن الرواية لا تستسلم لهذا الجرح.
وهنا يبدأ التحول الحقيقي. فعندما تغادر نهلة إلى فضاءات جديدة لا تغادر العراق وحده، بل تغادر الصورة التي رسمها الآخرون لها. ولهذا يصبح السفر في الرواية أكثر من انتقال جغرافي؛ إنه انتقال وجودي من تعريف مفروض للذات إلى تعريف تكتبه الذات بنفسها.
ومن اللافت أن الكاتبة لا تقع في فخ تمجيد المنفى. فكندا لا تُقدَّم بوصفها الفردوس البديل، وإنما بوصفها مساحة اختبار. فالأسئلة نفسها ترافق نهلة إلى هناك، والحنين نفسه يعبر معها الحدود، والذكريات نفسها تسكن حقائبها. لكن الفرق أن الحياة الجديدة تمنحها فرصة لرؤية نفسها خارج القيود القديمة.
ولهذا تكتسب الشخصيات التي تلتقي بها أهمية خاصة. فإيزابيل ليست مجرد صديقة جديدة، بل نافذة إنسانية تطل منها نهلة على عالم مختلف. وعندما تدعوها إيزابيل إلى زيارتها، تبادر نهلة إلى إعداد الدولمة العراقية لها. وفي هذا المشهد البسيط تتجسد إحدى أجمل أفكار الرواية: فالوطن لا يُحمل على الظهر بوصفه عبئاً، بل يُحمل في القلب بوصفه هوية.
ويتكرر المعنى نفسه حين تقدم الهدايا العراقية لأصدقائها، أو حين تقارن بين الشارقة وبغداد، أو حين تجد نفسها تنجذب إلى أي مكان يوقظ فيها ذكرى الوطن.
وهنا يتحول الحنين من قوة تشدها إلى الماضي إلى قوة تساعدها على الاستمرار.
ومن أجمل ما حققته الرواية فنياً أنها بنت هذه التحولات عبر شبكة رمزية متماسكة.
فالماء، مثلاً، يكاد يكون الرمز الأكثر حضوراً في الرواية. يبدأ النص من دجلة، ثم ينتقل إلى البحر، ثم إلى البحيرات الكندية. وتتكرر المشاهد المرتبطة بالماء كلما اقتربت الشخصية من اكتشاف جديد في حياتها. والماء هنا ليس عنصراً طبيعياً فحسب، بل صورة للوجود ذاته. إنه يحتفظ بكل شيء لكنه لا يتوقف عن الجريان.
وكأن الرواية تقول إن الإنسان أيضاً يحمل ماضيه كله، لكنه لا يستطيع أن يعيش إذا توقف عنده.
ويجاور الماء رمز آخر لا يقل أهمية، هو البيت. فالبيت في الرواية ليس مكان إقامة، بل سؤال هوية.
في بغداد لم يكن البيت بيتها. وفي بيت الأسرة لم تكن صاحبة القرار.
وفي محطات حياتها المختلفة كانت تشعر بأنها ضيفة حتى وهي بين أقرب الناس إليها.
ولهذا تكتسب الشقة الجديدة في كندا قيمة رمزية استثنائية.
فعندما تدخلها نهلة للمرة الأولى وتشاهد انعكاس الشمس على البحيرة، يبدو المشهد وكأنه ولادة ثانية. فالنور الذي ينعكس على الماء هنا ليس مجرد منظر طبيعي جميل، بل صورة بصرية لفكرة الإشراق الكامنة في عنوان الرواية.
وتبلغ هذه الرحلة ذروتها في الصفحات الأخيرة عندما تجلس نهلة في شقتها الجديدة وتكتب رسالتها إلى نضال. إنها من أكثر المشاهد كثافة وصدقاً في الرواية كلها. تقول:
"كنت دائماً أبحث عن ركن يهدأ فيه قلبي... وها أنا اليوم أبنيه". ثم تعترف بأنها كانت "ضيفة في كل شيء".
هذه العبارات ليست مجرد تأملات شخصية، بل الخلاصة الفكرية للرواية بأكملها.
فالمشكلة لم تكن يوماً في فقدان نضال وحده. ولا في مغادرة بغداد وحدها.
ولا في قسوة الأخوات وحدها. بل في أن نهلة كانت تبحث طوال حياتها عن مكان تنتمي إليه روحها.
وعندما تعثر أخيراً على ذلك المكان، تهمس بالجملة التي يمكن اعتبارها الذروة الوجودية للرواية كلها: "أنا هنا. وهذه المرة، لن أرحل عن نفسي".
في هذه اللحظة يتكشف المعنى الحقيقي للعنوان. فالروح لا تشرق لأنها استعادت ما فقدته، ولا لأنها انتصرت على العالم، بل لأنها تصالحت مع نفسها. لقد أدركت أن النجاة لا تعني استعادة الماضي، وإنما القدرة على بناء حياة جديدة رغم استحالة استعادته.
ومن هنا تكمن القيمة الفنية والإنسانية لرواية "حين تشرق الروح". فهي لا تقدم المنفى بوصفه مأساة، ولا الحنين بوصفه لعنة، ولا الفقد بوصفه نهاية، بل تجعل من هذه التجارب جميعاً مراحل في رحلة تشكل الذات. وقد نجحت سمر السامرائي في بناء سرد هادئ يتجنب الصخب الخطابي، ويعتمد بدلاً من ذلك على التراكم النفسي والوجداني للشخصية، حتى تبدو التحولات التي تعيشها نهلة نابعة من داخل التجربة نفسها لا مفروضة عليها من الخارج.
ولعل أبرز ما أنجزته الرواية أنها حررت فكرة الانتصار من معناها التقليدي. فنهلة لا تنتصر لأنها تستعيد الحبيب، ولا لأنها تعود إلى الوطن، ولا لأنها تهزم خصومها، بل لأنها تصل إلى المصالحة مع ذاتها. وهذا ما يمنح الرواية أفقها الإنساني الأوسع، ويجعلها تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتلامس تجربة إنسانية مشتركة يعيشها كل من اضطر يوماً إلى أن يعيد بناء حياته فوق أنقاض حلم قديم.
فحين تنتهي الرواية لا يكون الذي أشرق هو نهلة وحدها، بل فكرة الحياة نفسها؛ تلك الحياة التي تثبت، مرة بعد أخرى، أن الإنسان قادر على أن يولد من جديد، وأن يحول رماد الفقد إلى نور، وأن يجد في أكثر لحظات العتمة طريقه الخاص نحو الإشراق.