عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-May-2026

الأردنيون وكتابة سرديّتهم التاريخية| د.مهند مبيضين

عمون-

 

ثمّة اعتقاد أن رواية تاريخ الأردن غير موثّقة، وهذا غير صحيح؛ هناك أعمال علمية جيّدة ومنتظمة وتعرّضت لخبرات تكوينية منهجية غربية متنوعة ومحلّية، ونجا علم التاريخ كي لا يكون في بطن الدولة في الأردن، على عكس دول عربية أخرى استقطبت بها الأنظمةُ الأيديولوجية المؤرّخين، أو احتكرت الرواية الوطنية في حيّز محدّد. وبعض الدول، في حقبة ما بعد الاستقلال الثوري، وقع فيها المؤرّخون في تجاذبات الدولة والطائفة والحزب.
 
ويمتاز الأردن بسلامة أرشيفه واستدامته، كما أنّ الملوك الهاشميين لم يطلبوا تاريخاً لهم، ذلك أنّ مؤسّس المملكة عبد الله الأول انفرد بين أقرانه من ملوك العرب في زمنه بأنّه وضع أكثر من أربعة مؤلّفات، منها مذكّرات تفصيلية، بالإضافة إلى ديوان شعر وتعليقات وردود فكرية مع النُّخبة العربية والأردنية الأدبية المعارضة له في زمنه أمثال عبّاس محمود العقاد ومحمّد صبحي أبو غنيمة وعرار شاعر الأردن وفؤاد الخطيب ومحبّ الدين الخطيب وآخرين، وساجلهم وساجلوه.
 
أردنياً، يمكن للتاريخ الوثائقي أن يضيف كثيراً من القيمة العلمية، كذلك يجب أن تكون لدينا إطلالة على وصف الريف وأسماء القرى والنموّ التدريجي للتحضر وسياسات توطين البدو في الستينيّات. وبالتالي، التحوّل من مجتمع القبيلة إلى مجتمع الدولة. وهذا كلّه يمكن توظيفه في سياق الردّ على من يقول إنّ الأردن كان بلداً خاوياً من السكّان قبيل قدوم الأمير عبد الله عام 1921، وإنّه تشكّل فيما بعد بفعل النمو الديموغرافي.
 
في تدوين رواية التاريخ أيضاً، يجب النظر إلى الحقبة العثمانية من بداياتها، وإلى حركة القبائل وأنماط الإنتاج، والانشغال العثماني عمّا هو خارج طريق الحجّ، وترك الناس للفوات التاريخي الذي اكتشفوه بعد العام 1908، إبّان الانقلاب العثماني، وصولاً إلى الثورات المحلّية، وانتهاءً بالثورة العربية، ثم الانتماء إلى الحكومة العربية وتشكيل إمارة شرق الأردن لاحقاً.
 
إنّ الإجابة تبدو بسؤال آخر، ما الذي يمكن أن نقدّمه إزاء تباينات الهُويّة ما قبل الإمارة؟ هل نقدّم السياسة وتأسيس الدولة وتشكيلها، ونقدّم المرحلة السابقة للدولة التي نقول إنّها وسمت باقتصاد فلّاحي، وبداوة متنقّلة، وتمدن بسيط ما لبث أن اندفع في 1921 لا نتيجة لإرادة الأردنيين وحسب، بل كذلك نتيجةً لعامل دولي سياسي وهو مؤتمر القاهرة، والنظرة البريطانية والفرنسية لقيام دولة جديدة تنهي الاندفاع الكبير للأمير عبد الله الذي جاء بصفة مجاهد، استقرّ في معان ولم يتجاوزها متراً واحداً لأنّها آخر حدود في شمال مملكة الحجاز التي كان يحكمها والده الشريف الحسين بن علي، لأنّه كان من الممكن أن يتعرّض للهجوم والإعادة، فكان عليه انتظار مخرجات مؤتمر القاهرة في مارس/ آذار 1921 ليزحف نحو عمّان ويؤسّس فيها حكومة الشرق العربي في نيسان/ إبريل من العام نفسه، ويبدأ بتكوين الدولة والكيانية السياسية الأردنية بمقدرات بسيطة من الصفر، وفي ذهنه وجوب إنقاذ سورية ممّا حلّ بها.
 
عند الحديث عن الهُويّة الأردنية المكانية، لا مفرّ من الحديث عن الرحلة والحدود والسيادة والحمى وحركة القوافل
 
عند الحديث عن الهُويّة الأردنية المكانية، لا مفرّ من الحديث عن الرحلة والحدود والسيادة والحمى وحركة القوافل مع مناطق الغرب في فلسطين، وفي الشمال السوري، وفي الجنوب مع مصر والسعودية، ولهذه كلّها تداخلاتها وآثارها في الاقتصاد والاجتماع المديني، والدور المتعاظم للمدن من دون إغفال الفلاحة والبداوة أنماطَ إنتاجٍ، وحضور تلك الأنماط لا يزال فاعلاً في المدينة إلى اليوم، وإن بدا مستتراً، ولا يزال موجوداً أيضاً في المؤسّسات، وفي ثقافة المدينة التي تلعب فيها العصبيات مثل البداوة والريف والقبيلة دوراً بارزاً سلباً وإيجاباً في ديناميكيتها الاجتماعية، والخطّ الرئيس لهذا الاستقرار السكّاني والبشري، يبرز لنا مجموعة من المفاهيم عن الولاء والاستقرار والوطنية.
 
 
في قراءة تاريخ الهُويّة وتحوّلاتها، من المهم طرحها في سياق التاريخ الذي يقرأ في سياقات نهاية الدولة العثمانية، وكيفية تحوّل ولاء الناس من الدولة العلية العثمانية ودخولهم تحت حكم الملك فيصل في دمشق ودولته العربية، حتى قيام الإمارة التي ظلّت آخر معاقل المشروع النهضوي العربي. هذه التحوّلات السياسية التي شهدها الأردنيون (1918- 1920) تركت آثارها الكبيرة في مسارهم اللاحق، والأردنيون لم يكونوا سياسياً منخرطين بالمعنى الكامل كما كان انخراط النُّخبتَين السورية والحجازية، ولم يكونوا على اطّلاع بالمؤامرة الغربية وتسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، بالتالي وجدوا أنفسهم بعد انهيار الحكومة العربية، في سبتمبر/ أيلول 1920، أمام فوضى وفراغ سياسي، لذلك عقدوا مؤتمر أم قيس في ونادوا بحكومة عربية وأمير عربي، ثم أقاموا الحكومات المحلّية في صورة حكومات مناطق أو قرى كُبرى؛ حكومة السلط برئاسة مظهر أرسلان؛ حكومة مؤاب العربية (الكرك) برئاسة أرفيفان المجالي؛ حكومة إربد برئاسة علي خلقي الشرايري؛ حكومة دير يوسف (الكورة) برئاسة كليب الشريدة؛ حكومة عجلون برئاسة راشد الخزاعي؛ حكومة جرش، برئاسة محمّد علي المغربي؛ حكومة الوسطية برئاسة ناجي العزَّام؛ حكومة الرمثا برئاسة ناصر الفواز الزعبي.
 
وهذا ما يؤكّد أنّنا كنّا في الحديقة الخلفية للحوارات السياسية التي كانت تجريها النُّخب السياسية العربية، وكان فيصل بن الحسين يحاول الإبقاء فيها على صفة والده ملكاً للعرب، ولكنّه لم يستطع بفعل المؤامرة الغربية، وأقنعوه بأنّ والده سيكون ملكاً على الحجاز فقط، وهذا ما حصل لاحقاً، لكنّ فيصل تنبّه بعد سفره إلى الغرب والإقامة في إيطاليا، ولاحقاً لقاء تشرشل في مايو/ أيار 1921 في لندن، إلى ضرورة إنقاذ الموقف العربي والعائلي، بانتزاع العراق وشرق الأردن من التقسيم الغربي للحكم الهاشمي. فهو الذي هندس سياسياً منطقة شرق الأردن، بعد أن أقنع تشرشل بأن يقيم تجربة في الإدارة المحلّية من خلال قدوم الأمير عبد الله في ذلك الوقت إلى شرق الأردن وتشكيل الإمارة. ويجب التذكير هنا بأنّ مشاركة الأردنيين في ما يخصّ المبعوثان العثماني والمؤتمر السوري العام والبرقيات التي أرسلوها إلى فيصل بن الحسين (حين كان في الغرب) كانت تحمل تحذيرات كبيرة من تجديد الثقة بالغرب، ومن المشروع الصهيوني.
 
يجب إبراز دور الهجرات في البناء الوطني الأردني: الشركس والشيشان والشناقطة والفلسطينيين
 
لا تكتمل الرواية أو السرديات من دون الحديث عن ارتباطات مجتمع ما قبل الدولة وتشكيلاته مقارنةً بما هو راهن، فهي مهمّة، وعلينا أن نقرأ النصوص الاستشراقية جيّداً ونقرأ ما يتناوله الحديث من البدو والفلاحين والهجرات والعادات والبنى، فهناك تغيّرات كبيرة قادت المجتمع للتحوّل على مستوى المدن والبلدات الكُبرى. أيضاً لا بدّ من رصد أشكال الإنتاج وطبيعة العلاقة مع السلطة، وتشكّل النُّخب الوطنية متأثرةً بالنخب العربية المنتدبة للعمل في الإمارة الناشئة أو تلك التي التحقت بالملك المؤسّس، من الحجاز والمغرب ولبنان وسورية، وأدوارها التـأسيسيّة في بناء المؤسّسات العسكرية والمدنية، كما يجب إبراز دور الهجرات في البناء الوطني ومنها هجرات الشركس والشيشان والشناقطة (المغاربة ولاحقاً الليبيين)، ثم الفلسطينيين. ومن المهمّ توثيق روايات الغزوات الوهابية ودفاع العشائر والجيش العربي عن الأراضي الأردنية.
 
ومن المهم دراسة التحوّلات الرئيسة ليس بوصفها وقائعَ فاصلةً (ومقطعية) في التاريخ المعاصر بعد اغتيال الملك الشهيد عبد الله المؤسّس، وكيفية انتقال العرش إلى الملك المشرِّع طلال، وحيثيات حكمه ونهايته، وتسلّم الملك حسين العرش، وقدراته التي تطوّرت ليصارع خصوماً إقليميين كباراً وفي رأسهم مصر الناصرية وأثرها في حركة الضبّاط الأحرار 1952 - 1956، وتعريب الجيش، وحكومة سليمان النابلسي، ومن ثم الدخول في أزمة النكسة وتداعياتها، ومن ثم أحداث أيلول (1970 – 1971) وربطها بالصراع على القضية الفلسطينية بين أقطاب الإقليم، ثمّ التداعيات التي تبعتها، وصولاً إلى تشكيل المجالس الاستشارية، وطرح مفهوم التنمية الشاملة بديلاً من خيار الديمقراطية عبر خطط التنمية الشاملة التي أشرف عليها ولي العهد، آنذاك، الأمير الحسن، وإنجازاتها الكبيرة على الصعيد المحلّي، معطوفاً على الحديث عن تأسيس المؤسّسات ومجالس الإعمار مثل البنك المركزي، والجامعة الأردنية، ولاحقاً الحديث عن حقبة الثمانينيّات سياسياً، والعلاقة مع العراق، وحرب إيران، والسعي نحو السلام الذي بدأ بعد "كامب ديفيد" (1978) وتأثّر الأردن بذلك... طبعاً هذا البعد السياسي كلّه يجب أن يظهر بنسبة 25% من أعمال السردية.
 
في الأردن فرصةٌ مهمّةُ كي يدوّن الناس روايتهم وتاريخهم الخاصّ بهم، في زمن الدولة وقبلها
 
وذلك كلّه لا ينفصل أيضاً عن ضرورة الحديث عن تطوّر الوعي المعرفي الأردني والثورة التعليمية، وتشكّل البازار وأثره السياسي، وعمل النقابات وتطوّر الصحافة، وصولاً إلى حقبة الملك عبد الله الثاني، والتقدّم العلمي والثورة الرقمية، واتفاقات التجارة الحرّة، وتحسّن الخدمات، وإعادة الاهتمام بالتخطيط الحضري وبناء المدن، وتطوّر قوانين الرعاية الاجتماعية والصحّة، والتحديث في التشريعات والقوانين، وكيفية الخروج بالأردن من أزمات الإقليم بكلّ اقتدار، وتطوير المؤسّسة العسكرية. جميعها تحتاجها السردية، مع إيلاء أهمية للمصادر والبنى الثقافية، وللهيئات المدنية والحركات التحديثية، ولتطوّر عمل المرأة وحماية حقوقها وتمكينها، وللاعتناء بآليات التمثيل الشعبي وتاريخ تطوّرها، ولتاريخ الغرف التجارية وتطوّر نظام الملكية والحيازات العائلية، وللمشاريع الكُبرى تنموياً، بالإضافة إلى دراسة الهُويّة في الأدب والدراما. يحتاج كلّ ذلك إلى تخصّصات متعدّدة في التاريخ والأدب والشريعة والاقتصاد والأنثروبولوجيا والهندسة والقانون وعلم الاجتماع، إلى جانب المؤرّخين والآثاريين وعلماء الجيولوجيا.
 
في الأردن فرصةٌ مهمّةُ، تحظى بتوجيه ولي العهد الأمير الحسين، تدفع الناس إلى تدوين روايتهم وتاريخهم الخاصّ بهم، في زمن الدولة وقبلها، وهو ما دعا إليه العام المنصرم (2025) حين زار مدينة الطفيلة، ولدى كلّ من يريد الإسهام في الكتابة فرصةٌ للتحرّر من راهنية السياسة وطغيانها على التذكّر والذاكرة، كي تقدّم روايةً متكاملةَ الأركان، يعتزّ بها الجميع، وتحظى بالاحترام، وهذا عمل لا يمكن أن يكون وليداً كاملاً من لجنة بعينها في عام واحد، فقد تظلّ هناك حاجة لتوليد موضوعات تعالج النقص، وتراجع المعلومات، وتوثّق ما يجب أن يُدوَّن ويُعتمَد، وتحدّد الفجوات المعرفية التاريخية، وتغطيها كتابياً.
 
العربي الجديد