الشرق الاوسط
ليست الديمقراطية الغربية هي النظام السياسي الأمثل، لكنها، وفقاً لعبارة ريمون أرون الشهيرة، هي النظام «الأقل سوءاً». لكنْ، ثمة سؤال آخر لا بدّ من طرحه، بينما يشتدّ التخبّط بين الإدارة الأميركية والقيادة الإيرانية حول مشروع الاتفاق على إنهاء الحرب: إلى أيّ مدى يمكن للديمقراطية الغربية أن تحارب؟
ثمة لوثة كبرى في تاريخ الديمقراطيات الأوروبية في القرن العشرين هي اتفاقية ميونيخ 1938، عشية الحرب العالمية الثانية. وقد تمّت الاتفاقية بين ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، والقوتين الديمقراطيَّتين الكبريين بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا آنذاك إمبراطوريَّتين متراميتَي الأطراف، تسيطران على معظم أنحاء العالم. فلتفادي المواجهة العسكرية وطمعاً في تكريس السلام في القارّة الأوروبية، رضخت بريطانيا وفرنسا لهجوم هتلر على تشيكوسلوفاكيا، وأقرّتا له اقتطاع جزء من أراضيها، حتى من دون دعوة حليفتهما، الدولة المعتدَى عليها، إلى الاجتماع.
وحين عاد رئيس الحكومة الفرنسية دالاديّه، ورئيس الحكومة البريطانية تشامبرلين إلى بلديهما، استقبلتهما الحشود الشعبية استقبال الأبطال؛ لتحقيقهما السلام... لكنه لم يكن سلاماً قط. فبدلاً من اكتفاء هتلر بذلك الانتصار، قام بعد أقلّ من عام، مطلع عام 1939، باجتياح بولندا، مشعلاً الحرب الكونية الثانية، وهي الحرب الأرهب في التاريخ البشري، التي سقط خلالها نحو 70 مليون قتيل، واستُعمِل فيها السلاح النووي، وأدّت إلى دمار لا يُوصَف على مدى الجغرافيا والحضارة الأوروبيَّتين، فضلاً عن إبادة هيروشيما وناغازاكي.
هذه هي «روحية ميونيخ» التي ما زالت ترمز حتى اليوم إلى الضعف والاستسلام المسبق سعياً إلى السلم، بينما الآتي حتماً هو الحرب. وهي توحي بأنَّه لو وقفت فرنسا وبريطانيا بشدّة في وجه هتلر حول مسألة تشيكوسلوفاكيا، لما كانت ربما وقعت الحرب الكبرى... احتمال صعب المنال.
استعادت أوروبا عبارة «روحية ميونيخ» بشدة لتحذّر من تغاضي الديمقراطيات الأوروبية عن هجوم بوتين المفاجئ على أوكرانيا شتاء 2022، وأن القبول بسقوط أوكرانيا يعني سقوط أوروبا الغربية كلها لاحقاً، والحرب العبثية مستمرة منذ 4 سنوات، حاصدة مئات آلاف القتلى.
في أي حال، بات يفصلنا عن «اتفاقية ميونيخ» زمن بعيد تغيّر خلاله العالم، من ألفه إلى يائه. فـ2026 ليست 1938، و«إيران الثورة الخمينية» ليست «ألمانيا النازية» التائقة إلى السيطرة على أوروبا والعالم... لكن يبقى التساؤل: ما مدى قدرة الديمقراطية الغربية على الحرب؟
كيف نفسّر صمود إيران بعد 3 أشهر على الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الذي قُتل فيه الوليّ الفقيه وعدد كبير من قيادات النظام، وألحق دماراً هائلاً في البنى العسكرية والصناعية؟ فثمة تراجع واضح في الأهداف المعلنة للحرب، من إسقاط النظام الإيراني، أو استسلامه الكامل، وتخليه عن قدراته النووية، وصواريخه البعيدة المدى، وأذرعه في المنطقة، إلى تمحور المفاوضات الحالية حول نقطة مركزية: فتح مضيق «هرمز». مع أن لا أحد في العالم يؤيِّد طهران في مطالبتها بهذا المّمر الدولي. فما سرّ إصرار إيران المنهكة أمام القوة العسكرية والاقتصادية العظمى في العالم، المحيطة بها من كل صوب؟
إنه بلا شك مدى إيران الجغرافي الشاسع، بما فيه سهولة سيطرتها على مضيق «هرمز». لكن أبعد من ذلك، يكمن السرّ في الفارق العميق بين الديمقراطية الأميركية، والنظام الديني الإيراني.
كان المرجو أميركيّاً وإسرائيلياّ القضاء على النظام الإيراني، مع اغتيال مرشده الأعلى ومعظم قياداته دفعةً واحدة، وتدمير ترسانته الحربية. وحين لم يتمّ ذلك، بدأ عامل الوقت يفعل فعله لصالح إيران، وإنْ منهكةً. فالديمقراطية الأميركية يقودها رئيس قوي، لكن ولايته عابرة حدّها سنوات أربع، يطوّقها مجلسا النواب والشيوخ، ووسائل إعلام كبرى، واستقصاءات رأي عام لا تكلّ، ومعارضة حزبية ديمقراطية واسعة.
فعلى الرئيس الأميركي أن يحسب حساب أدنى زيادة في تكلفة المعيشة تسببها الحرب، وكل جندي أميركي يسقط في أرض المعركة، كي لا ينقلب الوضع برمّته عليه.
أمّا النظام الثيوقراطي الإيراني فيقوده مرشد أعلى لمدى الحياة، لا يحاسبه أحد، وهو يأمر فيطاع، فالجيوش والأمة معقود لواءهما له وحده. فإذا افتقر الشعب وجاع، وإذا سقطت عشرات، بل مئات الآف القتلى، في القمع الداخلي أو الحرب، فهل من تغيير حقاً؟
لكن، كلما طال أمد الحرب ضاقت الديمقراطية الأميركية ذرعاً بها. أما الديمقراطيات الأوروبية، فهي من الأساس لا حرب ولا مَن يحاربون. مع ذلك، هذا الصراع أبعد بكثير من أن ينتهي عند فصوله الراهنة.