عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Oct-2026

هل تستطيع إسرائيل إنهاء حروبها الدائمة؟

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
عاموس هارئيل* - (فورين أفيرز) 2/9/2026
يُمكِن أن تُحدث هزيمة بنيامين نتنياهو وصعود غادي آيزنكوت تحولاً في السياسة الأمنية والخارجية الإسرائيلية بعد ثلاثة أعوام من الحرب.
 
وقد يكون الفارق بين الرجلين في إدارة الحروب وحدودها وأدواتها أكثر منه في القضايا الإستراتيجية الكبرى، حيث يتحرك الرأي العام الإسرائيلي يميناً، ويعارض آيزنكوت إقامة دولة فلسطينية.
 
 
 
ومع ذلك، هناك مجالات يمكن أن يظهر فيها تغيير تدريجي، خصوصاً في كبح عنف المستوطنين والحد من التوسع الاستيطاني، وإعادة ترتيب سياسة غزة ولبنان وسورية، وسيكون الموقف الأميركي، وخاصة علاقة ترامب بالحكومة الإسرائيلية المقبلة، في قلب إمكانية هذا التحول وحدوده.
***
بينما يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمواجهة الناخبين الإسرائيليين الشهر المقبل بعد ثلاثة أعوام من الحرب المتواصلة، يبدو أنه بلور إستراتيجية جديدة. في تجاهل للكلفة الباهظة التي دُفعت من الأرواح والثروات، ناهيك عن الكلفة التي لحقت بمكانة إسرائيل ودعمها في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، أصبح يؤيد الآن علناً وبصراحة خوض حروب بلا نهاية.
 
 
 
ويؤكد، مستخلصاً الدرس من المذبحة التي ارتكبتها "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أن إسرائيل في حاجة إلى القيام بعمل عسكري استباقي ضد كل تهديد أمني محتمل تواجهه، بصرف النظر عن العواقب. وقد جعل ذلك كثيرين يتساءلون عن مدى إمكانية أن يتغير هذا النهج المتشدد إذا تمكن غادي آيزنكوت، المسؤول العسكري المخضرم الذي يتقدم على نتنياهو في استطلاعات الرأي، من هزيمته.
 
 
حتى الآن، كان آيزنكوت، الوسطي التقليدي، صريحاً وأحياناً لاذعاً في طرح حجته ضد رئيس الوزراء. لكنه تجنب بشكل عام -باستثناء تصريحات عامة بشأن إنهاء أطول حرب في تاريخ إسرائيل- الخوض في تفاصيل إستراتيجيته الخاصة للأمن القومي.
 
 
 
وفي بعض القضايا، مثل التعامل مع "حماس" في غزة، بدا أكثر تشدداً من نتنياهو نفسه. وعندما يُسأل عن مستقبل الصراع مع الفلسطينيين، الذي يشكل القضية الأكثر قابلية لإشعال الانفجار السياسي في إسرائيل، فإنه يتوخى بالغ الحذر في تجنب تقديم أي التزامات ملزمة. وفي تصريح نادر بشأن هذه المسائل أدلى به في آب (أغسطس)، قال آيزنكوت إنه يعارض إقامة دولة فلسطينية، مؤيداً بذلك موقفاً أصبح يشكل إجماعاً في الوسط السياسي الإسرائيلي -بل وفي أجزاء من يسار الوسط أيضاً بالإضافة إلى اليمين.
 
 
قد يغري مثل هذا الكلام باستنتاج أن حكومة برئاسة آيزنكوت لن تختلف كثيراً عن سابقتها اليمينية. بل إن بعض المحللين ذهبوا إلى أنها لن تكون هناك فروق حقيقية على الإطلاق في القضايا الأمنية الرئيسية. لكنّ هذا الفهم يتجاهل عدداً من المجالات المهمة -من الأزمة في الضفة الغربية إلى نهج إسرائيل تجاه سورية، وصولاً إلى الصراع في غزة، حيث يمكن لإستراتيجيات جديدة أن تحقق مكاسب ملموسة، حتى لو غلب احتمال أن تكون التغييرات تدريجية أكثر منها جذرية.
 
 
 
وسيتوقف مدى ظهور فرصة لفتح مسار جديد إلى حد كبير على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وطبيعة علاقته بحكومة ما بعد نتنياهو في حال اختار الإسرائيليون حكومة من هذا النوع. ولا يتعلق السؤال الأهم بما إذا كان التغيير ممكناً، وإنما بنوع التغيير الذي يمكن أن يحدث، ونوع الانخراط الأميركي الذي سيتطلبه.
 
 
 
الانجراف نحو اليمين
 
وفقاً لاستطلاعات الرأي الإسرائيلية، سيجد نتنياهو، رئيس حزب الليكود اليميني، صعوبة بالغة في تشكيل حكومة بعد انتخابات 27 تشرين الأول (أكتوبر). ويبدو في الوقت الراهن أنه يكرّس معظم جهوده لفرض حالة من الجمود تحول دون تمكُّن خصومه من تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل، بينما يقوم في الوقت نفسه بالترويج لإستراتيجيته القائمة على الحرب المستمرة.
 
يبشّر نتنياهو الجديد بسياسة تقوم على صفر تنازلات وصفر تسويات. كما يشدد أمام جمهوره الداخلي على ما يصفه بأنه إنجاز آخر: استيلاء إسرائيل على أراضٍ عند كل حدود تقريباً - في جنوب لبنان، وسورية، وقطاع غزة - وتحويلها إلى ما يسميه "مناطق أمنية". ويذهب وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بهذه المقاربة خطوة أبعد، فيقول إن إسرائيل ستبقى في هذه المناطق لسنوات طويلة، باعتبار ذلك جزءاً من الثمن الذي تفرضه على أعدائها. ويواصل كاتس ووزراء آخرون البحث عن خصوم عسكريين جدد.
 
 
 
وفي هذا الإطار، زعموا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يتخذ موقفاً عدائياً بشدة تجاه إسرائيل -وإن كان من الصعب تصويره كخصم عسكري مباشر- أصبح الآن يشكل تهديداً يماثل تهديد "حزب الله" و"حماس"، وهو ادعاء تبناه نتنياهو أيضاً. بل إن بعض أعضاء الحكومة ذهبوا إلى حد الزعم، من دون شذرة من دليل، أن رئيس سورية، الجهادي السابق أحمد الشرع، يستعد لمهاجمة إسرائيل.
 
 
يتجاهل هذا الموقف العدواني تماماً الكلفة الباهظة التي تترتب على إستراتيجية نتنياهو. مع نشر أعداد كبيرة من الجنود على الجبهات الأمامية لأشهر متواصلة لم يعد لدى الجيش الإسرائيلي وقت للتدريب، بينما يتحمل جنود الاحتياط الآن عبئاً هائلاً بعد أن خدموا في المتوسط أكثر من 100 يوم سنوياً منذ هجوم العام 2023.
 
 
 
كما تلقى الاقتصاد الإسرائيلي ضربة هائلة. ووفقاً لأحدث التقديرات، أنفقت إسرائيل نحو 142 مليار دولار على الحرب منذ اندلاعها -أي ما يعادل أكثر من نصف إجمالي الموازنة السنوية للبلاد. ويأتي ذلك ليُضاف إلى الأضرار الكارثية التي ألحقتها الحروب بسمعة إسرائيل الدولية.
 
 
وسط هذه المشكلات المتفاقمة، وفي ظل عدم الشعبية واسع النطاق للائتلاف اليميني الحالي، تقدم آيزنكوت بفارق كبير في استطلاعات الرأي. وبصفته رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي، وصاحب خبرة عميقة في المؤسسة الأمنية، فإنه يقدم نقيضاً واضحاً لنتنياهو ووزرائه اليمينيين: فقد أمضى فترة قصيرة نسبياً في العمل السياسي ولم يدخل المعترك إلا منذ أربعة أعوام فقط.
 
 
 
وانضم إلى حكومة نتنياهو عضواً في "مجلس الحرب" بعد أربعة أيام من مجزرة 7 تشرين الأول (أكتوبر). لكنه سرعان ما اختلف مع نتنياهو بشأن إدارة الحرب، وخاصة إصرار رئيس الوزراء على إبطاء المفاوضات مع "حماس" لاستعادة الرهائن الإسرائيليين، وغادر مجلس الحرب في حزيران (يونيو) التالي.
 
 
في كانون الأول (ديسمبر) 2023، قُتل غال، أصغر أبناء آيزنكوت، الذي كان جندي احتياط في وحدة عسكرية نخبوية، خلال عملية للبحث عن جثامين رهائن إسرائيليين في شمال قطاع غزة.
 
 
 
وفي تأبين مؤثر ألقاه آيزنكوت في جنازة ابنه تعهد بالعمل على إصلاح مَواطن الخلل التي كشفتها الحرب في المجتمع الإسرائيلي: الاستجابة للمطلب الشعبي بتحمل المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية التي أفضت إلى 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ومعالجة الحاجة إلى تغيير سياسي. وقد فُسرت كلماته على أنها نوع من المهمة السياسية والأخلاقية التي حفزته على الاضطلاع بها وفاة ابنه.
 
 
عندما أشار آيزنكوت العام الماضي إلى أنه قرر تحدي نتنياهو، أخذ يحظى بالدعم تدريجياً -بما في ذلك انتقال محدود لعدد من الناخبين التقليديين لـ"حزب الليكود" إلى حزبه الجديد "يشَر!" (وهي كلمة عبرية تعني "صادق" أو "مستقيم").
 
 
 
وفي استطلاعات الرأي الأخيرة، تقدم "يشَر!" على "الليكود"، وصنع آيزنكوت فارقاً كبيراً عن نتنياهو في مسألة رئيسية: مدى ملاءمة كل منهما لتولي منصب رئيس الوزراء. ومع ذلك، يبدو أن المرشح ومستشاريه يعتقدون أن توسيع هذا الفارق يقتضي المضي بحذر.
 
 
ثمة أولاً حقيقة أن المعارضة المتنوعة التي يقودها، والمعروفة بصورة غير رسمية باسم "أيّاً كان، ما عدا بيبي"، تضم أربعة أحزاب تمتد مواقفها من يمين الوسط إلى اليسار. وهناك أيضاً حزب يميني معارض لنتنياهو ما تزال قدرته على تجاوز نسبة الحسم اللازمة للفوز بمقاعد في الكنيست غير مؤكدة، فضلاً عن ثلاثة أحزاب عربية يمكنها دعم ائتلاف مناهض لنتنياهو من خارج الحكومة. (هناك سيناريو قد ينضم فيه أحد هذه الأحزاب إلى مثل هذا الائتلاف، كما حدث عندما شكّل نفتالي بينيت ويائير لابيد حكومة في العام 2021).
 
 
وثمة مسألة أخرى تتعلق بموقع الناخبين الآن. في الأعوام الثلاثة الأخيرة تحرك الرأي العام الإسرائيلي بصورة ملحوظة نحو اليمين. والغالبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين لا تثق بالفلسطينيين، ولا بجيران إسرائيل العرب عموماً؛ وهم يخشون احتمال قيام دولة فلسطينية ويوافقون على أن تتبنى إسرائيل نهجاً أكثر هجومية في التصدي للتهديدات.
 
 
 
(لا يتبنى معظم المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكلون نحو 20 في المائة من سكان البلاد، هذه المواقف). وتكمن مشكلة نتنياهو في أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين لم يعد يعتقد أنه الشخص القادر على تحقيق هذه الرؤية.
 
 
في بعض الأحيان حاول آيزنكوت تجاوز نتنياهو من على يمينه، متهماً رئيس الوزراء بتبني مواقف انهزامية. ويطرح المنافسان الرئيسيان لآيزنكوت في المعارضة على يمينه -بينيت، الذي انضم مؤخراً إلى الوسطي لابيد في تحالف "معاً"؛ وأفيغدور ليبرمان- مواقف أكثر تشدداً. والشخصية المعارضة الوحيدة المستعدة للتحدث لصالح عملية سلام مع الفلسطينيين هي يائير غولان، زعيم حزب "الديمقراطيون" -وهو الحزب الأكثر يسارية في كتلة أحزاب الوسط واليسار الصهيونية. ولكن حتى غولان يرى أن تحقيق رؤية حل الدولتين سيكون بالغ الصعوبة في المدى القريب، في ضوء الندوب التي خلفها 7 تشرين الأول (أكتوبر) والحرب التي تلته لدى الطرفين.
 
 
لذلك، من المستبعد جداً أن يُحدث آيزنكوت وشركاؤه تغييراً جوهرياً في السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية إذا تمكنوا من هزيمة نتنياهو. وسيكون من قبيل الوهم، على سبيل المثال، أن يتوقع أحد أن تتعاون الحكومة الإسرائيلية المقبلة طوعاً مع الإجراءات القضائية أمام المحاكم الدولية في لاهاي، وأن تفتح تحقيقاً شاملاً في الادعاءات المتعلقة بارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم حرب في قطاع غزة. وهذا لا يعني انعدام الفرص أمام آيزنكوت لتغيير اتجاه البلاد -خاصة إذا تدخل ترامب.
 
 
 
لَجْمُ المستوطنين
 
ثمة مجال آخر من مجالات السياسة التي تزداد كارثية والذي سيضطر آيزنكوت إلى مواجهته: الضفة الغربية. منذ أربعة أعوام أصبحت الضفة مجال نفوذ بتسلئيل سموتريتش، زعيم حزب "الصهيونية الدينية" الذي يشغل في الوقت نفسه منصبي وزير المالية والوزير المسؤول عن الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن صلاحياته الرسمية تقتصر على الشؤون المدنية ولا تشمل السياسة العسكرية، منحه نتنياهو حرية كاملة في التصرف.
 
 
وقد استخدم سموتريتش هذه الحرية إلى أقصى حد. بموافقة الحكومة - أو بغض طرفها - غيّر الواقع على الأرض في الضفة الغربية بشكل جذري. وقد تم منذ العام 2023 إنشاء أكثر من 200 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة - أو يجري بناؤها حالياً. وفي بعض الحالات، أدت هذه العملية إلى تهجير أصحاب الأرض الفلسطينيين الأصليين.
 
 
كما أصبحت حملة المستوطنين للسيطرة على الأراضي تجمع بين ذراع سياسية وأخرى عسكرية تزداد قوة. وتضم المجموعة السياسية وزراء وأعضاء في الكنيست ورؤساء مجالس إقليمية، في حين أصبحت الذراع العسكرية مجموعة عنيفة قوامها نحو ألف مستوطن، معظمهم من الشبان (مع أن نتنياهو وصفهم بأنهم "نحو 70 شاباً مشوشاً").
 
 
 
وتزداد هذه المجموعة تسليحاً بوتيرة مطردة؛ حيث وسّع وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، منذ العام 2023 إمكانية حصول المستوطنين على البنادق والأسلحة.
 
 
 
وفي بعض الأحيان يتنصل حلفاء المستوطنين السياسيون من أفعال ذراعهم العسكرية -بل إنهم يدينونها في مناسبات نادرة. لكنهم في الواقع يعملون جميعاً لتحقيق الهدف نفسه: الاستيلاء على الأراضي والطرد، وهو ما يأخذ في أكثر أشكاله تطرفاً صورة تطهير عرقي موضعي.
 
 
في الأشهر الأخيرة خيّمت الفوضى على الضفة الغربية بينما تتجنب قوات الجيش والشرطة مواجهة المستوطنين العنيفين الذين يعيثون فساداً كما يحلو لهم. وكلما أفضى هذا النهج إلى تدمير منازل الفلسطينيين وسياراتهم ومساجدهم وقتل المزيد منهم، تصاعد سيل الانتقادات الصادرة عن الحكومات الأجنبية. (وكما أفادت صحيفة "هآرتس"، ازدادت الهجمات على الفلسطينيين في الضفة الغربية بحدة منذ العام 2023، مع تدمير عشرات التجمعات السكانية وإصابة مئات الفلسطينيين).
 
 
 
بل إن سفير ترامب لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الذي يصف نفسه علناً بأنه صديق للمشروع الاستيطاني، أدان العنف علناً وحث الحكومة على كبح جماح المتطرفين. لكن سموتريتش ومثيري الشغب على حد سواء يتعاملون عملياً مع هذه الإدانات باعتبارها ظاهرة عابرة؛ حيث لم يعطهم أحد أيَّ سبب للاعتقاد بأن الضغوط يمكن أن تهدد موقعهم.
 
 
كثيراً ما تعرب وسائل الإعلام الإسرائيلية عن الحسرة بسبب الأضرار التي يلحقها هذا العنف بالدبلوماسية العامة لإسرائيل في الخارج. لكن ذلك يفوّت الفكرة الأساسية: أن العنف الذي يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية هو ظلم أخلاقي يفاقم المعاناة الناجمة عن الاستخدام المفرط للقوة في غزة رداً على مجزرة 7 تشرين الأول (أكتوبر).
 
 
 
وإذا سُمح لهذا المسار بأن يستمر، فإن ذلك قد يعني أيضاً فقداناً فعلياً للسيطرة العسكرية المركزية للجيش الإسرائيلي، مع وقوع الضفة الغربية بصورة متزايدة تحت سطوة ميليشيات خارجة عن القانون.
 
 
ربما تتمكن حكومة إسرائيلية وسطية جديدة من البدء في كبح جماح المتطرفين على الأقل. وسيكون وقف التوسع الاستيطاني خطوة مهمة وقابلة للتحقيق، لكن ذلك وحده لن يحل الأزمة. فقد وزّع سموتريتش وشركاؤه المستوطنات الجديدة في مواقع ذات أهمية تكتيكية كبيرة، متعمدين فصل المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية عن بعضها بعضا بطريقة تعطل التواصل الجغرافي الذي يمكن أن يشكل ذات يوم أساساً لدولة فلسطينية. وليس واضحاً أن بالإمكان عكس وجهة هذا المسار بسهولة.
 
 
 
وعلى الرغم من أن حكومات برئاسة نتنياهو كانت قد وافقت -في مناسبات نادرة جداً- على إجراءات محدودة لإخلاء بؤر استيطانية، سواء تحت ضغط دولي أو استجابة لأحكام قضائية، فإن أكثر من 20 عاماً مضت على آخر إجلاء واسع النطاق للمستوطنين الإسرائيليين حين تم إخراج نحو 9.000 مستوطن من قطاع غزة في العام 2005 في عهد أرييل شارون.
 
 
 
وبالإضافة إلى ذلك، ونظراً إلى أن عدداً كبيراً من ضباط الجيش الإسرائيلي وجنوده أصبحوا يتماهون مع المستوطنين وأحزاب اليمين الديني، فإن صدور أمر بإخلاء حتى عدد قليل من المستوطنات قد يؤدي إلى عصيان واسع النطاق.
 
 
لكن المسألة الأكثر إلحاحاً تتعلق بإدارة الحياة اليومية. على مر السنين -وبزخم أكبر في عهد سموتريتش وبموافقة نتنياهو- شدد المستوطنون قبضتهم على الإدارة العسكرية للأراضي. وأصبح كبار الشخصيات في قيادة المستوطنين يساهمون فعلياً في رسم السياسات ويؤثرون في قرارات قادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، ويمارسون ضغوطاً من وراء الكواليس تتيح للمتطرفين المتورطين في أعمال إرهابية ومضايقات ضد الفلسطينيين مواصلة ما يفعلون من دون تدخل.
 
 
منذ بداية عهد نتنياهو -الذي ظل في السلطة طوال الفترة تقريباً منذ العام 2009، باستثناء عام ونصف- أخذت البنية التنظيمية للجيش الإسرائيلي نفسه تتغير تدريجياً.
 
 
 
وخلال السنوات الأخيرة، ظهر اتجاه واضح نحو ترقية ضباط قريبين من نتنياهو -أو من المستوطنين، أو من كليهما. وكان من أبرز الأمثلة على ذلك قرار رئيس الوزراء تعيين ضابط وصفَه بأنه "كتوم ومخلص" -سكرتيره العسكري، اللواء رومان غوفمان- رئيساً لجهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، وتعيين ضابط آخر ذي توجهات دينية وأيديولوجية متشددة، هو اللواء دافيد زيني، رئيساً لجهاز الأمن الداخلي (الشاباك).
 
 
بالاشتراك مع شخصيات مخضرمة أخرى في المؤسسة الأمنية، ينظر آيزنكوت من دون شك إلى الوضع في الضفة الغربية بوصفه تهديداً وشيكاً لمستقبل إسرائيل -وإن كان متحفظاً في حديثه العلني عن هذه المسألة- وليس واضحاً إلى أي مدى هو مستعد للذهاب في مواجهتها.
 
 
 
سيكون بوسعه بالتأكيد اللجوء إلى الاعتقال الإداري بحق المستوطنين الأكثر عنفاً، على سبيل المثال، والبدء في فرض المساءلة من خلال تحقيقات الشرطة والشاباك في الهجمات الكبرى. وفي الوقت الراهن، يبدو من غير المرجح أن يُقدم هو وشركاؤه على تطهير صفوف القيادة العليا للجيش، أو إبعاد الضباط الذين تعاونوا بصورة مفرطة مع المستوطنين العنيفين.
 
 
 
وعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تمتلك إسرائيل تقليداً يقضي بإقالة كبار المسؤولين العموميين عند انتقال السلطة السياسية من يد إلى أخرى. ولأنه سبق لآيزنكوت أن تولى قيادة كثير من هؤلاء الضباط عندما كان رئيساً للأركان، يغلب أنه يعتقد أن بإمكانه إعادة فرض سلطته عليهم بدلاً من استبدالهم بصورة شاملة.
 
 
 
عامل ترامب
 
سوف تتاح للقيادة الإسرائيلية الجديدة فرص في جبهات أخرى أيضاً. في غزة، ستكون حكومة برئاسة آيزنكوت أقل تقيداً باعتبارات الصورة والاعتزاز القومي. لم يتعهد آيزنكوت قط بـ"النصر الكامل" على "حماس" كما فعل نتنياهو، وقد انتقد رئيس الوزراء علناً بسبب الأوهام التي غذّاها لدى الجمهور الإسرائيلي بشأن ما يمكن تحقيقه.
 
 
ولأنه لا يتحمل مسؤولية مباشرة عن كارثة 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ولم يعلن قط حرباً شاملة على "السلطة الفلسطينية"، يغلب أن تكون لديه مساحة أكبر للمناورة في مناقشة الترتيبات التي سعى ترامب و"مجلس السلام" الدولي إلى إرسائها في غزة.
 
 
من المعقول افتراض أن آيزنكوت لن يضع "فيتو" على اضطلاع "السلطة الفلسطينية" بدور أكثر فاعلية في غزة. وقد يفتح ذلك الطريق في نهاية المطاف، ولو ببطء وحذر، أمام بروز قيادة فلسطينية بديلة. لكنه سيجد صعوبة، شأنه شأن نتنياهو، في تقبُّل فكرة وجود عسكري لـ"حماس" في القطاع، وربما لا يتسامح مع أكثر من دور سياسي محدود للحركة حتى في حال نزع سلاحها بالكامل -وهو ما يشكل تحدياً هائلاً في حد ذاته.
 
 
 
ومثله مثل أي قائد إسرائيلي آخر، سيجد من الصعب للغاية، من الناحية السياسية، تبرير انسحاب كامل من القطاع يترك التجمعات الإسرائيلية المحاذية للحدود معرضة نسبياً لتوغل آخر من غزة. ولذلك، قد يكون السيناريو الأفضل والأكثر قابلية للتحقق هو بقاء منطقة سيطرة إسرائيلية أصغر -لكنها مهمة- في غزة بالتزامن مع خطط متدرجة لإشراك "السلطة الفلسطينية"، تحت إشراف دولي، في نوع من الإدارة للجزء غير المحتل من القطاع.
 
 
وفي لبنان وسورية أيضاً ستتمتع حكومة إسرائيلية جديدة بهامش مرونة أكبر من ذاك الذي سمح به نتنياهو لنفسه. ومن شبه المؤكد أن آيزنكوت سيضع شروطاً صارمة لنزع سلاح "حزب الله".
 
 
 
لكنه، خلافاً لنتنياهو، يدرك قيمة وضع حد للمواجهات العسكرية، ويفضل ذلك على إبقاء الجبهات مفتوحة إلى أجل غير مسمى. وفي هذا الصدد أيضاً ربما يكون هناك مجال ما لإحراز تقدم دبلوماسي إذا أراد ترامب ذلك.
 
 
وتقدم سورية مسبقاً فرصة حقيقية: كما أُفيد خلال الأشهر الأخيرة، يهتم الشرع بالتوصل إلى ترتيب أمني يشمل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي استولت عليها من سورية في العام 2024 مقابل تطبيع جزئي للعلاقات.
 
 
 
وقد يرى آيزنكوت في ذلك ترتيباً انتقالياً معقولاً ينطوي على مخاطر محدودة بطبيعته. ومن الممكن أيضاً أن يرى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في حكومة برئاسة آيزنكوت انتقالاً إلى صفحة جديدة بعد القيادة اليمينية الإسرائيلية السامة، وأن يكون أكثر استعداداً لبدء مفاوضات نحو التطبيع.
 
 
مع ذلك، سوف يتوقف ما يمكن إنجازه فعلياً في جميع هذه الحالات -وبدرجة كبيرة- على طبيعة العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل والرئيس الأميركي. كانت علاقة ترامب بنتنياهو وثيقة خلال ولايته الأولى وفي بداية ولايته الثانية، لكن الأمور سارت منذ ذلك الحين في اتجاه سيئ. بتحريض من نتنياهو انخرطت الإدارة الأميركية في حرب مع إيران مضى عليها قرابة ستة أشهر، في تناقض كامل مع كل ما ظل ترامب يدعو إليه لسنوات.
 
 
 
وقد رفض الرئيس الأميركي ودائرته المقربة مناشدات نتنياهو المتكررة للعودة إلى حرب شاملة مع طهران -مع بقاء هذا الاحتمال قائما- وهم يلقون دورياً باللوم على الزعيم الإسرائيلي في فشل الحرب.
 
 
وسط هذه الفوضى، يبحث ترامب عن إنجاز دبلوماسي في إحدى ساحات الشرق الأوسط الأخرى، في لبنان أو قطاع غزة. وفي كلتا الحالتين، مارس الرئيس ضغوطاً محدودة على نتنياهو لكبح العمليات الهجومية ضد حزب الله و"حماس".
 
 
 
ولا يمكن استبعاد اتخاذ خطوات أكثر دراماتيكية في مرحلة ما -بما في ذلك مطالبة الولايات المتحدة الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من بعض الأراضي التي استولى عليها في جنوب لبنان وغزة- من دون الإصرار في الوقت نفسه على تنفيذ الوعود بنزع سلاح "حزب الله" و"حماس" في المستقبل القريب. وفي الوقت الراهن، تبدو مثل هذه السيناريوهات مستبعدة. وسيكون مثل هذا الضغط من ترامب بمثابة كارثة سياسية لنتنياهو، وسيؤكد بدرجة أكبر مدى فراغ وعوده بـ"النصر الكامل" من المضمون.
 
 
من جهة أخرى، عندما يتعلق الأمر بحكومة برئاسة آيزنكوت، فإن النوع المناسب من الضغوط الأميركية قد يتيح فرصة لإنهاء بعض الجبهات تدريجياً، خاصة إذا أمكن تحديد قضية أكثر ضيقاً يستطيع ترامب أن ينسب الفضل في حلها إلى نفسه، بينما تخدم في الوقت نفسه المصالح الإسرائيلية.
 
 
 
وفي تصور أكثر طموحاً ربما تتاح فرصة للتراجع عن إستراتيجية الحرب المستمرة التي انتهجها نتنياهو. لكن الكثير سيتوقف على ما إذا كان رئيس الوزراء الجديد قادراً على بناء قدر من الانسجام مع الرئيس الأميركي. ويمتلك آيزنكوت مقارنة بنتنياهو خبرة دبلوماسية محدودة للغاية، وبالكاد التقى -باستثناء رؤساء الأركان- أي مسؤول أجنبي رفيع المستوى. وهو، خلافاً لنتنياهو، يفتقر تماماً إلى ذلك النوع من الكاريزما العامة التي تجذب ترامب عندما يتعامل مع القادة الآخرين.
 
 
 
وفي حال اختار الرئيس الأميركي الانسحاب والكف عن الانخراط في المنطقة، ثمة خطر أن تتعثر أي تغييرات مهمة في السياسة الإسرائيلية.
 
 
قد يكون اللقاء الأول في البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد تجربة محرجة. ربما يفتقد ترامب الإنجليزية الأميركية المصقولة التي يتحدث بها نتنياهو، وانخراطه الحزبي في السياسة الأميركية (يُشار إلى نتنياهو في أوساط واشنطن على سبيل المزاح باسم "عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن القدس")، لكن الرئيس الأميركي سيتعامل إذا اقتضى الأمر مع آيزنكوت الأكثر تحفظاً وإنجليزيته الأكثر بساطة. في نهاية المطاف، يحب ترامب الفائزين سياسياً. وسوف يحظى آيزنكوت برصيده الخاص لدى ترامب -إذا تمكن فقط من الفوز في الانتخابات.
 
 
*عاموس هارئيل Amos Harel: صحفي ومحلل إسرائيلي متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية، ويعمل محللاً للشؤون الدفاعية في صحيفة هآرتس. يركز في كتاباته على الجيش الإسرائيلي، والصراعات الإقليمية، والسياسة الأمنية الإسرائيلية، وله خبرة طويلة في تغطية المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. وهو مؤلف كتاب "تشريح فشل: الطريق إلى 7 تشرين الأول (أكتوبر)"، الذي يتناول الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 تشرين الأول وتداعياته، والذي سيصدر باللغة الإنجليزية في العام 2027.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Can Israel End Its Forever Wars? The Netanyahu Doctrine Could Outlast Netanyahu