الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيانلو بي* – (فورين بوليسي إن فوكس) 16/9/2026
تشكل إدارة بؤر التوتر الجيوسياسية الحادة، مثل المواجهة الأميركية-الإيرانية، اختباراً للنضج الدبلوماسي للتكتل.
يشهد هذا العام حلول الذكرى العشرين لبداية آلية التعاون بين دول تكتل "بريكس". وعلى مدى العقدين الماضيين، تطور ما بدأ كمختصر يعبر عن منتدى اقتصادي واعد ليكون المنصة الرئيسية للأسواق الناشئة والبلدان النامية. لكنّ ثمة سؤالاً أساسياً يطرح نفسه مع حلول هذه الذكرى البارزة، على خلفية تصاعد الاحتكاك الجيوسياسي، وتنامي النزعة الأحادية، وحدوث تحولات عالمية عميقة: كيف يستطيع "بريكس" تجاوز آلام النمو، وتخطي الاختناقات البنيوية، وإطلاق عقد ذهبي ثالث قادر حقاً على إحداث تحول في "الجنوب العالمي"؟
يمثل "بريكس" اليوم تركّزاً غير مسبوق للثقل الديموغرافي والاقتصادي العالمي. وبعد مجموعة من عمليات التوسع التاريخية، يضم التكتل اليوم 11 دولة عضواً كامل العضوية و10 دول شريكة تمتد مواقعها عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، بينما تسعى أكثر من 30 دولة إضافية بنشاط إلى الانضمام إليه. ويشكل أعضاؤه مجتمعين نحو 49.5 في المائة من سكان العالم، و40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي محسوباً على أساس تعادل القوة الشرائية، و26 في المائة من التجارة الدولية. ويمنح هذا الثقلُ الاقتصادات النامية صوتاً أقوى بكثير في تحديد الأولويات العالمية.
بالإضافة إلى هذه المؤشرات الكلية اللافتة، حققت السنوات العشرون الماضية من تجربة التكتل إنجازات ملموسة أحدثت تحولات مهمة. فقد نجح "بريكس" في تجاوز منطق محصلته الصفرية التقليدي في الجغرافيا السياسية، وأقام ركائز مؤسسية من بينها "بنك التنمية الجديد" الذي وافق على تمويل 141 مشروعاً بقيمة 44 مليار دولار، وصرَف 25 مليار دولار، بينما تقترب عملياته بالعملات المحلية من 30 في المائة. وبدلاً من أن يتصرف "بريكس" كمنافس بمحصلة صفرية للمؤسسات المالية الدولية القائمة، أقام التكتل أطراً متعددة المستويات في مجالات التمويل والتجارة والأمن والثقافة، ووسّع باستمرار خيارات التنمية، وأدى دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار في "الجنوب العالمي".
لكن التوسع التاريخي للتكتل كشف أيضاً عن اختبارات داخلية وخارجية هائلة تتطلب التعامل معها بصورة عاجلة. فعلى خلاف التحالفات الغربية المحدودة والمتقاربة أيديولوجياً، يتميز "بريكس" الموسع بتنوع هائل. ويضم التكتل دولاً تتراوح بين القوى الكبرى في مجال الطاقة في الخليج، ودول أفريقية، ومحركات اقتصادية آسيوية، والتي لكل منها مصالح وطنية متباينة، ومراحل تنموية مختلفة -وفي بعض الحالات خلافات ثنائية معقدة.
وثمة صعوبة متزايدة في التعامل مع بؤر التوتر الجيوسياسية الحساسة، والتوصل إلى مواقف موحدة بشأن مبادرات عالية الأهمية مثل البنى المالية العابرة للحدود وآليات التعامل بالعملات المحلية، بسبب تفاوت مستويات اندماج الدول الأعضاء في الأسواق. وعندما يتعلق الأمر بالاقتصادات النامية، تحظى المعايير العملية بأهمية تفوق بكثير الحديث المجرد عن إحلال عملة محل أخرى؛ ومن هذه المعايير خفض تكاليف المعاملات العابرة للحدود، وتعبئة رؤوس الأموال من خلال أدوات مقوَّمة بالعملات المحلية مثل سندات "باندا" أو سندات "مهاراجا" المزمع إصدارها، وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع.
بالإضافة إلى ذلك، تشكل إدارة بؤر التوتر الجيوسياسية الحادة، مثل المواجهة الأميركية-الإيرانية، اختباراً لمدى النضج الدبلوماسي للتكتل. ومع جلوس طهران الآن في منتدى واحد إلى جانب قوى خليجية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يوفر "بريكس" منصة حيوية للدفع نحو تصوُّر مشترك للأمن، ومواجهة النزعة الأحادية من خلال الحوار، وحماية ممرات الطاقة العالمية.
ويتطلب ردم هذه الفجوات المتجذرة والعميقة تجاوز مظاهر التضامن السطحية، وإقامة بنية دبلوماسية متطورة، وتقديم تنازلات متواصلة لضمان ألا يؤدي النمو الإداري إلى إضعاف الغاية الإستراتيجية للتكتل. ولكي يتمكن "بريكس" من اجتياز مرحلته المقبلة وصياغة عصر ذهبي جديد لنفسه، يترتب عليه أن يتقدم إستراتيجياً في أربعة مسارات أساسية.
أولاً، يتعين على التكتل أن يدير بنجاح التحديات البنيوية التي أفرزها التوسع وأن يتغلب عليها. ولا شك في أن الاتساع يجلب نفوذاً عالمياً، لكنه يضيف أيضاً قدراً أكبر من التعقيد. ومع ازدياد عدد الأعضاء وتنوعهم من الطبيعي أن تزداد مخاطر إجهاد آليات التوافق واحتكاكات التنسيق.
لمنع تمييع التكتل من الداخل، يتعين على "بريكس" تطوير منطق الحوكمة الخاص بعملية تحديثه من خلال الجمع بين التنسيق المرن وتوسيع نطاق المساعدة التقنية لمساعدة الاقتصادات الأصغر على إجراء دراسات الجدوى، وإعداد مشروعات مستوفية لمتطلبات طرح العطاءات، وبناء قدرات تشغيلية طويلة الأمد. ويستطيع التكتل، من خلال الموازنة بين المصالح الأساسية والتطلعات التنموية الجديدة، تحويل التنوع إلى ميزة إستراتيجية.
ثانياً، ينبغي لـ"بريكس" أن يناصر بثبات التعددية والشمول، مع الرفض الكامل لمنطق المواجهة الغربية القائم على المحصلة الصفرية. وقد اعتمدت البنى الدولية التقليدية التي قادها الغرب طويلاً على خطوط الانقسام الأيديولوجي، والتكتلات المغلقة، وسياسات المحاور الإقصائية. وفي المقابل، تكمن جاذبية "بريكس" المستمرة في روحه التأسيسية القائمة على المساواة، والاحترام المتبادل، والتعاون القائم على المنفعة المشتركة.
مع مضيه قدماً، يتعين على التكتل رفض المواجهة بين التكتلات ومنطق الهيمنة. ومن خلال تبني نهج منفتح ومرحِّب تجاه النظم السياسية المتنوعة، يقدم "بريكس" نموذجاً بديلاً ومنعشاً للعلاقات الدولية لا تتطلب فيه الشراكة الخضوع، ولا تأتي فيه القوة الجماعية على حساب الآخرين.
ثالثاً، يتعين على "بريكس" أن يرتكز على أساس التعددية الحقيقية، وأن يعمل بنشاط على إعادة تشكيل الحوكمة العالمية. ففي الأساس، يعاني النظام الدولي من عجز حاد في مجالات السلام والتنمية والأمن والحوكمة. وعلى "بريكس" أن يكون في طليعة الدفع نحو نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً من خلال الدفاع بحزم عن مكانة الأمم المتحدة وسلطتها، والحفاظ على نظام تجاري متعدد الأطراف يتمحور حول "منظمة التجارة العالمية".
بدلاً من أن يتصرف كمنافس يعمل على أساس المحصلة الصفرية، يستطيع "بريكس" أن يكمل الهياكل القائمة، بالتوازي مع اضطلاعه بدور ريادي استباقي في إصلاح الحوكمة في المجالات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، والاقتصادات الرقمية، والفضاء الخارجي، وإدارة أعماق البحار.
رابعاً وأخيراً، يجب أن يظل المحور النهائي لتعاون "بريكس" متركزاً حول الإنسان بحيث تتحول الإعلانات الخطابية الكبرى إلى نتائج ملموسة تُحسن عملياً سبل العيش. وفي عقده الثالث، ينبغي لـ"بريكس" أن يتحول بحسم نحو براغماتية تركز على الإنجاز بحيث يُقاس النجاح بالنتائج التنموية الملموسة وليس بمجرد أحجام القروض، مثل توفير مياه نظيفة يمكن الاعتماد عليها، وإيصال الكهرباء إلى مزيد من الأسر، وتقليص أوقات التنقل.
سوف يقتضي ذلك مواءمة عملات القروض وشروط سدادها مع إيرادات المشروعات للحد من مخاطر الديون بالعملات الأجنبية، وتعزيز القدرة التشغيلية لـ"بنك التنمية الجديد"، وخفض عوائق التمويل أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع نطاق التبادلات الشعبية في مجالات التعليم والرعاية الصحية ومشاركة الشباب. وعندما تؤدي ثمار التعاون إلى تحسين سبل العيش بصورة ملموسة، ستتحول روح "بريكس" من مفهوم دبلوماسي إلى واقع معيش لمليارات البشر.
أثبت عقدان من الصمود أن الأسواق الناشئة والبلدان النامية تمتلك، عندما تتحد، قدرة جماعية على دفع مسار التاريخ نحو مزيد من العدالة والتقدم. ومن خلال تعزيز آلياته المؤسسية، والدفاع عن التعددية الحقيقية، وإعطاء الأولوية للتنمية البشرية الملموسة، يمتلك "بريكس" مقومات كاملة لتجاوز الاضطرابات العالمية الراهنة. ومع استعداده لدخول الفصل المقبل من قصته، يبدو التكتل مؤهلاً للحفاظ على مساره اللافت، وإطلاق عقد ذهبي ثالث حيوي ومزدهر يعيد تشكيل بنية الرخاء العالمي لأجيال قادمة.
*Jianlu Bi جيانلو بي: صحفي وكاتب ومعلّق في الشؤون الدولية مقيم في بكين، وحاصل على دكتوراة في دراسات الاتصال وماجستير في الدراسات الدولية. يعمل باحثاً أول في "السياسة الخارجية تحت المجهر" Foreign Policy in Focus وباحثاً في معهد تشارهار في بكين. تركز اهتماماته البحثية على السياسة الدولية والاتصالات. وينشر كتاباته في عدد من المنابر الدولية المهمة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Can Brics Usher in its Third “Golden Decade”?