"المعجم اللغوي في شعر حميد سعيد".. تحولات اللغة وحضور التراث
الغد-عزيزة علي
يفتح كتاب "المعجم اللغوي في شعر حميد سعيد"، للكاتب والباحث هاني علي الهندي، الصادر عن "دار دجلة ناشرون وموزعون"، نافذة نقدية على التجربة الشعرية للشاعر حميد سعيد، من خلال دراسة لغته الخاصة ورصد المفردات والتراكيب والحقول الدلالية التي شكلت ملامح معجمه الشعري، وأسهمت في بناء تجربته الفنية والفكرية.
وتنطلق الدراسة من خصوصية اللغة الشعرية لدى حميد سعيد، التي تجمع بين البساطة والعذوبة من جهة، والكثافة والإيحاء وتعدد الدلالات من جهة أخرى. ويتتبع الهندي قدرة الشاعر على تجاوز المعنى المعجمي المباشر للمفردة، ومنحها دلالات جديدة يفرضها السياق الشعري، إلى جانب توظيفه لغة الحياة اليومية والموروث الشعبي والديني، بما يجعل القصيدة على تماس مباشر مع الواقع والذاكرة والبيئة الثقافية.
ولا تقتصر الدراسة على الجانب اللغوي المجرد، بل تربط المعجم الشعري بتجربة حميد سعيد الإنسانية والفكرية، وما تركته التحولات السياسية والحروب والغربة والحنين إلى الوطن من أثر في مفرداته وصوره الشعرية. كما تتوقف عند حضور التراث والشخصيات والأمكنة وألفاظ الحرب والموت والغربة، بوصفها عناصر أساسية في تشكيل عالمه الشعري.
وينظر الكتاب، كذلك، في التقنيات الفنية التي اعتمدها حميد سعيد في بناء قصيدته، وفي مقدمتها التكرار بأشكاله المتعددة، وما يؤديه من وظائف دلالية وموسيقية ونفسية. كما يوضح كيف استطاع الشاعر أن يوظف الموروث العربي والديني والشعبي، لا بوصفه مادة جاهزة، وإنما بإعادة تشكيله داخل النص الحديث بما يخدم رؤيته وقضاياه.
ويقول الهندي، في مقدمة الكتاب: "عرفتُ الشاعر حميد سعيد من خلال كتاب "سنين عمّان"، للكاتب والناقد سليم النجار، إذ نلتُ شرف مراجعته، وهو ما أتاح لي التعرف على الشاعر عن قرب، فاكتشفتُ فيه موسوعة ثقافية متنقلة؛ قارئٌ نهم للتراث العربي القديم وللأدب العالمي، كتب في الأدب والفكر والسياسة. وقد حظيت أعماله الشعرية باهتمام النقاد والدارسين، الذين تناولوها بالدراسة والتحليل، متتبعين بنيتها الفنية وفضاءات رؤاها المتعددة".
ويعد حميد سعيد من أبرز شعراء الحداثة، وينتمي إلى الجيل الثاني الذي عاصر جيل الرواد وجاء بعده. وقد شكّل هذا الجيل امتداداً حقيقياً لتجربة الريادة، إذ كان مسكوناً بهاجس تحقيق الفرادة، فاتجه أولاً نحو التجريب، ثم عاد إلى التراث العربي بوصفه ملمحاً دالّاً في مسيرته الشعرية.
ويضيف: "أثناء قراءتي لشعر حميد سعيد، لفتت انتباهي رقّةُ لغته وعذوبتها وقربها من نبض الحياة اليومية، فضلاً عن تعامله مع المفردة بوصفها رمزاً تتشكل دلالاته بحسب السياق الشعري والفكرة، وهو ما دفعني إلى الغوص في معجمه الشعري".
الكتاب جاء في خمسة أبواب رئيسة؛ يتناول الأول الحقول الدلالية التي تتكرر في شعر حميد سعيد، فيما يخصص الثاني لألفاظ الحرب والشخصيات والأعداد. ويتناول الباب الثالث لغة الحياة اليومية، بما فيها الألفاظ العامية وألفاظ الحضارة ولغة الصحافة، بينما يبحث الباب الرابع في التراث العربي والشعبي والديني، ويميز فيه المؤلف بين المفردات ذات الصلة بالتراث الديني والتناص الديني. أما الباب الخامس فيتناول التكرار وأنماطه.
وفي حديثه عن اللغة الشعرية، يوضح الهندي أن الشعر الحديث يتجاوز الدلالة المعجمية المباشرة للمفردة، إذ يمكن للكلمة أن تكتسب دلالة جديدة أو متعددة داخل السياق الشعري. ويشير إلى أن حميد سعيد ينطلق في لغته من بيئته المحلية المتصلة بالموروث الشعبي، وقد اتسمت قصائده الأولى بالبساطة والمباشرة والتفاعل مع لغة المجتمع، قبل أن تتطور تجربته تدريجياً باتجاه مزيد من التكثيف والانزياح الدلالي، بما ينسجم مع رؤيته الفكرية والفلسفية.
ويرى المؤلف أن المعجم الشعري يمثل أحد أبرز العناصر التي تكشف خصوصية الشاعر الأسلوبية، فهو مجموعة المفردات والتراكيب التي تتكرر في تجربته وتنبع من بيئته وثقافته وتجاربه ورؤيته للحياة. ومن هذا المنطلق، يكشف معجم حميد سعيد عن حضور واضح للغة الشارع والحياة اليومية، وأسماء المدن والقرى والأنهار والبحار، وألفاظ الحضارة، إلى جانب العادات والتقاليد والمفردات التراثية والدينية.
كما أسهمت الأحداث السياسية والحروب التي عاشها العراق في إثراء هذا المعجم بمفردات الحرب والغربة والتشرد والمنافي والموت والشهادة والحنين والجوع، وهو ما جعل شعره قريباً من لغة الحديث اليومي، من دون أن يكون مجرد نقل لها، بل إعادة تشكيلها وتطويرها في سياق شعري.
ويشير الهندي إلى أن معجم حميد سعيد يخلو في الغالب من خشونة الألفاظ أو المفردات شديدة الغرابة، الأمر الذي يعكس حرص الشاعر على لغة بسيطة وأنيقة وقادرة في الوقت نفسه على إنتاج دلالات عميقة.
ويولي الكتاب ظاهرة التكرار أهمية خاصة، إذ يرى المؤلف أن حميد سعيد وظفها بكثافة وحرفية، مستخدماً تكرار الحرف والكلمة والجملة والعنوان، وتكرار الأسماء والأفعال والصيغ والأساليب والاشتقاق والأعداد. وقد أسهم ذلك في ترسيخ الأفكار وتعميق الدلالة ومنح القصيدة موسيقا داخلية، فضلاً عن الكشف عن الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر لحظة الكتابة.
ويرى الهندي أن الاطلاع الواسع لحميد سعيد أتاح له استيعاب ملامح الحداثة الشعرية والانفتاح على التجريب، مع المحافظة على حضور التراث العربي في بناء القصيدة. وقد تميزت تجربته بتناول قضايا الوحدة والاغتراب والحنين والفجيعة والخراب، إلى جانب توظيف الإيقاع والبنية الدرامية.
كما استطاع الشاعر، بحسب الدراسة، تحويل مفردات الحياة اليومية إلى لغة شعرية قادرة على تسجيل نبض الشارع ببساطة، من دون التخلي عن عمقها الإيحائي، فضلاً عن توظيف الشخصيات التاريخية والأدبية والروائية بوصفها رموزاً تساعده على قراءة الواقع المعاصر وإقامة صلات بين الماضي والحاضر.
ويرى المؤلف أن حميد سعيد نجح في إقامة جسر بين أصالة الموروث وحداثة الرؤية الشعرية؛ فالتراث في تجربته ليس هروباً من الواقع، بل وسيلة لقراءته وكشف أبعاده واستشراف المستقبل. كما أن التناص في شعره لا يأتي بوصفه اقتباساً شكلياً أو زينة لفظية، وإنما يخضع لإعادة صياغة وتوظيف ينسجمان مع تجربته الشعورية والفكرية، في تفاعل بين الوجدان الوطني والإنساني والموروث الثقافي والديني.