الهاتف أولا والأبناء لاحقا.. خبراء يحذرون من "فبينغ" الوالدين
الغد-تغريد السعايدة
كثيرة هي الدراسات والمقالات التي تحدثت عن خطورة إدمان الأطفال على الهواتف الذكية، ومدى تأثير ذلك في نموهم وسلوكهم، بينما قلّما نرى من يتحدث عن شكوى الأطفال من "إدمان والديهم، أو أحدهما، على الهاتف" على حساب الوقت المخصص لهم خلال اليوم.
"ماما، اطلعي بوجهي وأنا أحكي معك"، عبارة قد يكررها الكثير من الأطفال خلال الحوار مع الأم، أو حتى الأب؛ إذ قد يجد الطفل حاجة إلى الحديث عن مشكلة ما، أو أمر مهم بالنسبة له، لكنه لا يجد من والدته أو والده سوى إيماءة بالرأس، مفادها: "أنا بسمعك... كمّل".
ولكن هذا الأسلوب في الحديث مع الطفل، مقابل انشغال الوالدين بالهاتف، سواء لمتابعة مباراة أو مسلسل أو فيلم، وربما مقاطع قصيرة، بات من الأمور التي يظهر تأثيرها بوضوح في الأبناء، مهما كانت أعمارهم واهتماماتهم؛ فلكل طفل حاجة إلى وجود مستمع متمكن، حتى وإن بدا الموضوع "بسيطا لطفل قد يكون في مرحلة الروضة".
سلوكيات تحد من التواصل البصري واللفظي
ومع تزايد الاعتماد على الهواتف الذكية في الحياة اليومية، لفتت دراسات تربوية ونفسية الانتباه إلى ظاهرة تُعرف بـ"فبينغ الوالدين" (Parental Phubbing)، وهي انشغال الأب أو الأم باستخدام الهاتف المحمول أثناء وجودهما مع الأبناء، بما يقلل من التفاعل المباشر معهم، ويحد من التواصل البصري واللفظي.
وتشير هذه الدراسات، المنشورة في العديد من المواقع المتخصصة، إلى أن تكرار هذا السلوك قد ينعكس على العلاقة بين الوالدين والطفل؛ إذ يرتبط بتراجع شعور الطفل بالاهتمام والاستجابة إلى احتياجاته العاطفية، كما قد يؤثر في جودة التواصل داخل الأسرة.
وقد تجد بعض الأمهات، على سبيل المثال، مبررا أحيانا لمثل هذه الشكاوى من الأطفال، كما تقول سناء عمر، وهي أم لثلاثة أطفال، مؤكدة أن أبناءها جميعهم في مرحلة ما قبل المدرسة. وتضيف أن ما إن تجلس للراحة أو التسلية على الهاتف، حتى تنهال طلباتهم عليها، دون إدراك منهم لحاجتها إلى بعض الوقت الخاص بها، سواء أكان ذلك على الهاتف أم أمام التلفاز.
الطفل بحاجة لحضور عاطفي حقيقي
وتعتقد سناء أن لكل فرد في الأسرة وقته الخاص الذي يقضيه بأي شكل من أشكال الترفيه، ولكن بسبب كثرة مهام الأم أو الأب، قد يرى الطفل أن والديه ينشغلان عنه، ولو لفترة قصيرة.
في حين أن هناك أطفالا ويافعين يتحدثون عن انشغال والديهم عنهم أحيانا، ومشاركتهم الحديث على مضض، على حد تعبير سلمى (13 عاما)، التي علقت بأن والدتها باتت تتابع غالبية المسلسلات على الهاتف، ما يدفعها إلى الجلوس لساعات أحيانا، دون أن يقطع متعتها أحد من الأبناء.
وبين هذا وذاك، تتراوح الآراء التي باتت تؤكد أن جميع أفراد الأسرة يعتمدون على الهواتف الذكية في حياتهم اليومية، سواء للتواصل أو العمل أو حتى الترفيه، لكن يبقى الدور الذي يجب على البالغين الانتباه إليه هو تجنب الوصول إلى مرحلة الإدمان الشخصي، والعمل في الوقت ذاته على حماية الأبناء من إدمان الهواتف، حماية لهم من العواقب النفسية والسلوكية على المدى البعيد.
الهاتف يحظى بالأولوية
تقول الاختصاصية في الإرشاد النفسي والتربوي والأسري، الدكتورة هنادي الجبالي، إن المشكلة لا تكمن في استخدام الهواتف الذكية بحد ذاته، وإنما في اللحظة التي يبدأ فيها الهاتف بأخذ مساحة من الانتباه والاهتمام اللذين يحتاجهما الطفل من والديه، مشيرة إلى أن الطفل لا يحتاج فقط إلى وجود والديه بجانبه، بل إلى حضور عاطفي حقيقي يشعره بأن هناك من يسمعه، ويراه، ويتفاعل مع مشاعره واحتياجاته.
وتعتقد الجبالي أن الوالد قد يكون حاضرا جسديا، لكنه غائب نفسيا بسبب انشغاله المستمر بالهاتف، وهو ما قد يترك أثرا عميقا في علاقة الطفل بوالديه؛ إذ إن السنوات الأولى من عمر الطفل تُعد الأساس في بناء التعلق الآمن، والطفل الذي يجد استجابة دافئة ومتوقعة من والديه يتعلم أن العالم مكان آمن، وأنه شخص يستحق الحب والاهتمام.
بينما قد يؤدي التجاهل المتكرر، أو شعور الطفل بأن الهاتف يحظى بالأولوية، إلى التأثير في شعوره بالأمان والثقة بعلاقته مع والديه، مؤكدة أن التعلق الآمن لا يعني أن يكون الوالدان مثاليين، وإنما أن يكونا متاحين عاطفيا، قادرين على الإصغاء والاستجابة، وأن يشعر الطفل بأن مشاعره مهمة ومقبولة.
كما تبين الجبالي أن الطفل يبني جزءا كبيرا من صورته عن نفسه من خلال تفاعل والديه معه؛ فعندما يشعر بأن حديثه مسموع، وأن أفكاره ومشاعره تحظى بالتقدير، تتكون لديه صورة إيجابية عن ذاته، ويكبر وهو يحمل قناعة بأنه شخص مهم ويستحق الاهتمام.
يشعر الطفل بأن مشاعره ليست موضع اهتمام
أما إذا شعر باستمرار بأن هناك ما هو أهم منه، فقد يبدأ بتكوين أفكار سلبية عن نفسه، أو يلجأ إلى البحث عن الاهتمام بطرق أخرى، مثل السلوكيات المزعجة أو الانسحاب الاجتماعي.
ويرى الاستشاري الأسري أحمد عبد الله أنه لا يمكن النظر إلى ظاهرة انشغال الوالدين بالهاتف أثناء التفاعل مع الأبناء من زاوية إيجابية، موضحا أن التواصل مع الأبناء ليس مجرد حديث أو توجيه تعليمات، بل هو عملية متكاملة تشمل الحوار والتقييم ونبرة الصوت والتعاطف والعاطفة والاتجاهات والسلوك.
كما يؤكد عبد الله أنه لا يمكن ملاحظة هذه الجوانب أو تقييمها أو بناؤها بالشكل الصحيح، في الوقت الذي يكون فيه انتباه الوالدين منصرفا إلى شاشة الهاتف على حساب الأبناء.
ووفق عبد الله، فإن أبرز آثار هذه الظاهرة، على حد تعبيره، أنها توصل إلى الأبناء رسالة مفادها أن مشاعرهم ومشكلاتهم ليست محل اهتمام الوالدين، وهو ما يشكل أرضية قد تفتح الباب أمام العديد من المشكلات، مثل الآثار النفسية السلبية لدى الأطفال، واضطرابات الشخصية، وضعف اكتساب مهارات الحياة.
وبحسب الجبالي كذلك، فإن العلاقة اليومية بين الطفل ووالديه تمثل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها فهم مشاعره وتنظيمها، وأن استجابة الوالدين لحزن الطفل أو غضبه بتفهم تساعده على التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، في حين قد يرتبط ضعف التواصل العاطفي بصعوبة التعبير عن المشاعر، أو زيادة الحساسية تجاه الرفض، أو صعوبة بناء علاقات اجتماعية مستقرة في المستقبل.
تراجع في المهارات الاجتماعية للصغار
وتؤكد الجبالي أن الطفل يتعلم من الملاحظة والتقليد أكثر مما يتعلم من الكلمات والنصائح؛ فعندما يرى أن الهاتف يحتل الأولوية أثناء الحديث أو اللعب أو الجلسات العائلية، فإنه قد يكتسب بصورة غير مباشرة قناعة بأن الأجهزة أهم من التواصل الإنساني. والمطلوب ليس منع استخدام التكنولوجيا، وإنما تحقيق توازن يجعلها وسيلة تخدم الأسرة، لا بديلا عن العلاقة الإنسانية.
وهذا ما يشدد عليه كذلك عبد الله، من ناحية تحقيق التوازن بين استخدام الهاتف والتفاعل مع الأبناء، مؤكدا أن التوازن في الأساس هو قرار، ولا يحتاج إلى أن يُبنى كمهارة بقدر ما يحتاج إلى وعي ومسؤولية من الوالدين؛ فمتى اتخذ الأبوان هذا القرار بوعي، انعكس ذلك على ممارساتهما اليومية، وحقق التوازن المطلوب في التعامل مع الأبناء.
وتربط بعض الدراسات هذه الظاهرة بزيادة احتمالية ظهور مشكلات سلوكية وانفعالية لدى الأطفال، مثل القلق أو الانطواء أو السلوك العدواني، إلى جانب تراجع بعض المهارات الاجتماعية نتيجة انخفاض فرص التفاعل المباشر مع الوالدين. كما أن سلوك الوالدين في استخدام الهواتف يمثل نموذجا يراقبه الأبناء ويقلدونه، الأمر الذي قد يسهم في زيادة ميل الأطفال إلى الإفراط في استخدام الشاشات في المستقبل.
ولتعزيز التواصل مع الأبناء، دعت الجبالي إلى تخصيص وقت يومي للحوار واللعب بعيدا عن الهواتف، والنظر إلى الطفل أثناء حديثه، وإظهار الاهتمام بما يقوله، ومساعدته على تسمية مشاعره وفهمها بدلا من تجاهلها، إلى جانب وضع قواعد أسرية واضحة لاستخدام الأجهزة، والتركيز على جودة الوقت الذي يقضيه الوالدان مع الطفل وليس على عدد الساعات فقط.
وفي المحصلة، وفق الجبالي، فإنه من المؤكد أن الطفل لا ينافس الهاتف على الوقت فحسب، بل ينافسه على الاهتمام والانتباه، وقد تكون دقائق قليلة من الإصغاء الكامل للطفل أكثر أثرا في بناء شخصيته وشعوره بالأمان من ساعات طويلة من الوجود الجسدي دون تواصل حقيقي.
كما أن الاستثمار في العلاقة مع الأبناء هو استثمار في صحتهم النفسية، وفي قدرتهم على بناء علاقات متوازنة وتكوين شخصية واثقة قادرة على التعبير عن ذاتها والتواصل الفعال مع الآخرين.