حين تتكلم اللغة بتحيز.. قراءة في العنصرية غير المرئية
الغد
د. سامر مياس
في 25 أيار 2020، أعادت حادثة وفاة جورج فلويد في مدينة مينيابوليس بالولايات المتحدة فتح نقاش عالمي واسع حول العنف العنصري ضد ذوي البشرة السوداء. لم تكن الواقعة مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى لحظة رمزية أعادت طرح أسئلة العدالة والكرامة الإنسانية تحت شعار أصبح متداولاً عالمياً: "لا أستطيع التنفس".
في العالم العربي، تفاعل كثيرون مع الحدث تضامناً مع حركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter). غير أن هذا التفاعل رغم أهميته كشف أيضاً عن فجوة أعمق تكشف أن الوعي بالعنصرية غالباً ما يُختزل في صورها الصريحة المرتبطة بالسياق الغربي، بينما يتم تجاهل أشكالها الأكثر هدوءاً وتعقيداً داخل السياقات المحلية نفسها.
في الواقع، لا تظهر التحيزات المرتبطة بلون البشرة دائماً في شكل خطاب عدائي مباشر أو سياسات إقصائية واضحة، بل تتسلل إلى الحياة اليومية عبر تفاصيل صغيرة مثل اللغة، والمزاح الاجتماعي، والصور النمطية التي تُستدعى دون تفكير عند توصيف الآخر. هنا تحديداً يمكن الحديث عن "عنصرية غير مرئية" لا تُعلن نفسها، لكنها تُنتج أثراً رمزياً متراكماً.
في السياق الأردني، كما في غيره من السياقات العربية، تتجلى هذه الظواهر في مستويات متعددة من الحياة اليومية. فبعض الأوصاف الجسدية أو اللونية قد تُستخدم في المزاح أو التوصيف الاجتماعي بطريقة تبدو عادية، لكنها تُعيد إنتاج تصورات غير متكافئة حول القيمة الاجتماعية المرتبطة بالمظهر. كما أن بعض التعبيرات الموروثة في الخطاب الشعبي يمكن أن تحمل دلالات تاريخية لم تعد تُناقش أو تُراجع، رغم استمرار أثرها الرمزي في الوعي الجمعي.
ولا يقتصر الأمر على اللغة الشفوية، بل يمتد إلى المجال التجاري والثقافي أيضًا، حيث ما تزال بعض التسميات القديمة متداولة دون مساءلة نقدية. فعلى سبيل المثال، تُستخدم أسماء منتجات محلية مثل شوكولاتة "رأس العبد"، أو ما يُتداول في بعض الأسواق الشعبية من تسمية "فستق عبيد". ولا تقف المسألة عند حدود التسمية التجارية، بل تظهر أيضًا في الخطاب اليومي، حين يُنادى بعض ذوي البشرة السوداء بألفاظ مثل "عبد" أو "زنجي"، في ربط ضمني بين لون البشرة وتاريخ العبودية. قد لا تُستخدم هذه التعبيرات دائمًا بقصد الإهانة، لكنها تعكس استمرار تصورات قديمة تربط السواد بالرق، وهو ما يتناقض مع القيم التي كرّسها الإسلام في نفي أي تفاضل بين الناس على أساس اللون أو الأصل. إن مثل هذه الاستخدامات اللغوية تكشف كيف يمكن للغة أن تحتفظ بترسبات تاريخية مرتبطة بالتمييز، وتعيد إنتاجها بشكل طبيعي داخل الحياة اليومية دون وعي كافٍ بدلالاتها.
المشكلة الأساسية في هذا النوع من العنصرية أنه لا يُقدَّم بوصفه إشكالاً واضحاً يمكن رفضه بسهولة، بل يظهر داخل العادة اليومية، وفيما يُعتبر "بديهياً" أو غير قابل للنقاش. ومع التكرار، تتحول هذه العناصر إلى جزء من الوعي الاجتماعي الذي يؤثر في إدراك الآخر وفي تشكيل الصور الذهنية حوله.
من منظور الدراسات الثقافية، لا تُختزل العنصرية في الأفعال المباشرة أو القوانين، بل تشمل أيضاً البنى الرمزية واللغوية التي تتشكل عبر الزمن. حتى حين لا يكون القصد واعياً أو مباشراً، فإن الأثر قد يظل قائمًا في إعادة إنتاج التفاوتات الرمزية داخل المجتمع.
بوصفي باحثاً في الأدب المقارن والدراسات الثقافية، أرى أن هذا النقاش يكتسب بعدًا أخلاقياً لا يمكن تجاهله خصوصاً في المجتمع الأردني الذي يعتز بخطاب العدالة والتكافل الاجتماعي، إذ إن قيم العدل والإنصاف التي يؤكد عليها الإسلام صراحة في رفض التمييز بين البشر لا تنسجم مع أي شكل من أشكال التفاضل القائم على اللون أو الأصل. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في مستوى المبدأ، بل في تحويله إلى ممارسة يومية داخل اللغة والعلاقات الاجتماعية.
وهنا تظهر أهمية مراجعة التفاصيل التي قد تبدو مألوفة. فاستمرار بعض التسميات أو العبارات المتداولة دون نقد، وإن كانت تاريخية أو شعبية، يدفعنا إلى التساؤل عن كيفية تشكل المعنى الاجتماعي عبر اللغة، وكيف يمكن لهذه اللغة أن تعكس أو تعيد إنتاج تصورات غير متكافئة عن الآخر.
إن هذه القراءة لا تهدف إلى الاتهام أو التعميم، فالمجتمع الأردني والعربي عموماً يتميز بتنوعه وتداخل خبراته الإنسانية، كما يحمل أشكالًا عديدة من التعايش والانفتاح. لكنها دعوة إلى وعي أعمق بالمسكوت عنه في التفاصيل اليومية، وإلى إدراك أن قوة المجتمعات لا تقاس فقط بشعاراتها، بل بقدرتها على مراجعة ذاتها فيما يبدو بديهياً وغير مرئي.
وفي النهاية، فإن إعادة التفكير في هذه العنصرية غير المرئية لا تعني تفكيك القيم الاجتماعية، بل تعميقها، بحيث تصبح الكرامة الإنسانية والمساواة ممارسة يومية حقيقية، لا مجرد خطاب عام.