عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-May-2026

ارتباك واشنطن*فراس النعسان

 الدستور

قبل سنوات، صدّق كثيرون أن دونالد ترامب قد يكون الرجل الذي سيفعل ما لم يفعله غيره مع إيران. لم يكن يتحدث بلغة دبلوماسية ناعمة، بل بلغة التهديد المباشر. لهذا راهنت عليه عواصم كثيرة، أو على الأقل اعتقدت أنه مختلف عن الرؤساء الأمريكيين الذين يرفعون الصوت ثم يعودون إلى طاولة التفاوض.
 
لكن المشكلة في ترامب أنه يحب صورة (الرجل القوي) أكثر من كلفة القوة نفسها.
 
 في كل مرة اقترب فيها من لحظة القرار الحقيقي، تراجع. بعد استهداف منشآت أرامكو عام 2019، كانت المنطقة تنتظر موقفاً أمريكياً مختلفاً. ليس حرباً شاملة، بل شيئاً يفهم الإيرانيون من خلاله أن هناك خطوطاً حمراء حقيقية. لكن ما حدث كان العكس تماماً. تصريحات غاضبة، ثم صمت، ثم حسابات انتخابية داخلية، وكأن أمن الخليج تفصيل صغير في حملة انتخابية أمريكية.
 
 منذ تلك اللحظة تغيّر شيء مهم في المنطقة. لم تعد المشكلة فقط في إيران، بل في السؤال الأصعب: هل ما تزال أمريكا نفسها تعرف ماذا تريد؟
 
 ترامب انسحب من الاتفاق النووي، وهذا بحد ذاته كان قراراً يمكن فهمه إذا كان جزءاً من خطة أكبر. لكن أين كانت الخطة؟ العقوبات وحدها لا تصنع استراتيجية. الضغط الاقتصادي لا يكفي إذا كان الطرف الآخر مقتنعاً أن واشنطن لا تريد الذهاب حتى النهاية.
 
وهذا بالضبط ما فهمته إيران. فطهران لا تخاف من الخطابات. هي تختبر الإرادة السياسية. وحين رأت التردد الأمريكي، بدأت تتحرك بثقة أكبر، سواء عبر أذرعها في المنطقة أو عبر برنامجها النووي. اليوم نحن أمام شرق أوسط أكثر توتراً من أي وقت مضى، وليس لأن إيران أصبحت أقوى فقط، بل لأن الردع الأمريكي نفسه أصبح موضع شك.
 
 المشكلة أن ترامب لا يزال يتحدث بالعقلية نفسها. تهديدات كبيرة، ووعود أكبر، لكن التجربة تقول إن الرجل يتراجع حين تصبح الكلفة حقيقية. يريد أن يبدو حاسماً أمام جمهوره، لكنه لا يريد حرباً، ولا يريد ضغط أسعار النفط، ولا يريد صور الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط. وفي النهاية، تصبح المنطقة كلها معلقة بين تغريدة غاضبة وخطاب انتخابي.
 
 لهذا لا يبدو السؤال اليوم متعلقاً بإيران وحدها، بل بصدقية الحليف الأمريكي نفسه.
 
 كيف يمكن لدول المنطقة أن تبني أمنها على رئيس يبدّل مواقفه بهذه السرعة؟ وكيف يمكن الوثوق برجل لا يزال جزء كبير من الأمريكيين أنفسهم يعتبرونه غير مستقر سياسياً؟ هذه ليست دعاية ضده، بل واقع تعكسه الانقسامات الأمريكية الحادة نفسها.
 
الخليج لا يريد مواجهة كبرى، لكنه أيضاً لا يستطيع التعايش مع سياسة أمريكية مرتبكة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط ليس الحرب فقط، بل الغموض. الغموض هو الذي يشجع الخصوم على اختبار الحدود، وهو الذي يجعل المنطقة دائماً على حافة الانفجار.
 
وربما هذا هو الإرث الأخطر لترامب في ملف إيران تحديداً. ليس أنه كان متشدداً، بل إنه رفع سقف المواجهة ثم ترك المنطقة وحدها تحت هذا السقف.