الغد-عزيزة علي
تبرز أهمية كتاب "أصول الهوية المعمارية لعمان القديمة: جبل اللويبدة 1933-1959" للمهندس محمد رفيع، في كونه لا يقتصر على التوثيق المعماري فحسب، بل يفتح المجال أمام دراسات أوسع لفهم تطور الحياة في عمان خلال تلك الحقبة، من خلال الربط بين البنية المبنية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها المدينة. كما يعد الكتاب امتدادا لجهود بحثية سابقة بدأت منذ العام 2001 لجمع وتصنيف أرشيف عمان المعماري وإتاحته للباحثين.
صدر الكتاب بجزئه الأول، ليشكل إضافة بحثية ووثائقية جديدة في مجال توثيق تطور عمان المعماري والعمراني خلال مرحلة مفصلية من تاريخها الحديث. ويأتي هذا الإصدار ضمن مشروع أوسع يهدف إلى بناء مرجعية وثائقية شاملة لهوية المدينة المعمارية.
يعتمد الكتاب على توثيق نحو 330 رخصة بناء لأبنية في منطقة جبل اللويبدة، تعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. وتضم هذه الرخص رسومات معمارية وبيانات تفصيلية حول المباني وأصحابها ومصمميها، إضافة إلى معلومات تتعلق بالمحيط العمراني والمعالم المجاورة، ما يجعلها مادة غنية للبحث في تاريخ المدينة الاجتماعي والعمراني والثقافي.
كتب مقدمة هذا الكتاب الدكتور المهندس والمؤرخ المعماري محمد شجاع الأسد، مؤكدا أن هذا الكتاب يعد إضافة نوعية للمصادر التي توثق تطور عمان المعماري والعمراني منذ إعادة سكنها في أواخر القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين، ولا سيما خلال الفترة بين 1930 و1960.
ويرى الأسد أن كتابات رفيع التي بدأ نشرها العام 2001، تمثل تحولا مهما من الاعتماد على التاريخ الشفوي وذكرياته في دراسة عمارة عمان وعمرانها، إلى توظيف منهجي للوثائق المكتوبة. فقد كان من أوائل من عملوا على مسح وتصنيف ونشر الوثائق المحفوظة في أرشيفات أمانة عمان، المرتبطة ببيئتها المبنية، بأسلوب يتسم بالشمول والدقة.
ومن خلال أبحاثه ومنشوراته، أسهم في إتاحة هذه الوثائق للباحثين والطلبة والمؤلفين، فضلا عن الجمهور العام، بعد أن كانت بعيدة المنال. ويأتي هذا الكتاب امتدادا لهذه الجهود وتوسيعا لها، إذ انطلقت بداياتها من توثيق عقود الإيجارات في عمان منذ العام 1928، ثم تبعها توثيق أعمال المعمار فواز آل مهنا، أول مهندس مدينة لعمان ومؤسس أول مكتب هندسي فيها.
وبفضل هذه الجهود، كما يرى الأسد، بات من الممكن دراسة تطور عمان العمراني والمعماري استنادا إلى وثائق أصلية ترتبط مباشرة ببيئتها المبنية، بدلا من الاكتفاء بالتحليل البصري أو الاعتماد على التاريخ الشفوي وما يحمله من ذاكرة قد يعتريها النقص أو التباين.
يقدم هذا الكتاب نحو 330 رخصة بناء لأبنية في منطقة جبل اللويبدة في عمان، تعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. وتضم هذه الرخص بيانات بالغة الأهمية، تشمل رسومات الأبنية، ومعلومات عن تواريخها، ومالكيها، ومصمميها، فضلا عن تحديد بعض المعالم المحيطة والسكان المجاورين.
ويشكل هذا التوثيق منجما معرفيا غنيا؛ إذ يمكن لكل رخصة أن تكون منطلقا لدراسة بحثية متعمقة في مجالات العمارة والعمران والبيئة المبنية، إلى جانب ما تتيحه من فهم أوسع للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية في عمان.
وعلى الرغم من تركيز الكتاب على فترة محددة (1930-1960) ومنطقة بعينها (جبل اللويبدة)، فإنه -بوصفه المجلد الأول ضمن سلسلة يعمل عليها الأستاذ محمد رفيع لتشمل مناطق متعددة من المدينة- يتجاوز كونه دراسة موضعية. فهو يقدم أيضا صورة أوسع عن تطور عمان العمراني منذ إعادة سكنها في أواخر القرن التاسع عشر، بعد انقطاع دام قرونا، وحتى نهاية الخمسينيات.
وتكتسب هذه المرحلة أهميتها من كونها شهدت تحولات مفصلية، من أواخر العهد العثماني، مرورا بتأسيس إمارة شرق الأردن، وصولا إلى الاستقلال وقيام المملكة الأردنية الهاشمية، فضلا عن تأثرها بأحداث كبرى، مثل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والنكبة الفلسطينية، وما تركته من آثار عميقة على مسار المدينة وتطورها.
يقدم الكتاب محطات أساسية في تاريخ عمان الحديث، تبدأ بهجرة العائلات الشركسية إليها على موجات عدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تلاها وصول سكة حديد الحجاز العام 1904، ثم اختيار عمان عاصمة لإمارة شرق الأردن العام 1921، وصولا إلى تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إليها العام 1948 إثر النكبة الفلسطينية.
كما يوثق الكتاب التاريخ المؤسسي لبلدية عمان منذ تأسيس مجلسها البلدي العام 1909، حين لم يتجاوز عدد سكان المدينة أربعة آلاف نسمة، مع التركيز على تحولات مفصلية أثرت في مسيرتها، مثل استحداث منصب مهندس المدينة العام 1933، الذي شغله المعمار فواز آل مهنا. ويعد هذا العام أيضا تاريخ أقدم رخصة بناء معروفة في عمان.
ويتناول الكتاب كذلك تطور النسيج العمراني للمدينة، بما يشمل الأبنية الخاصة والعامة والبنية التحتية من طرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه، إلى جانب التعريف بعدد من المهندسين والرسامين والمساحين ومعلمي البناء الذين أسهموا في تشكيلها.
ويمثل هذا العمل مرجعا أساسيا لكل مهتم بعمان، التي تحولت خلال نحو قرن ونصف من موقع مهجور إلى مدينة نابضة بالحياة، بدأت كقرية صغيرة ثم غدت بلدة فعاصمة ذات حضور سكاني وسياسي واقتصادي وثقافي بارز إقليميا ودوليا. ورغم التطلع الدائم إلى مستقبل أفضل، فإن تاريخ عمان حافل بإنجازات لا يمكن إغفالها، وهو ما يضيئه الأستاذ محمد رفيع في هذا الكتاب عبر طرح غني بالمعلومات والرؤى.
من جانبه، كتب أمين عمان الدكتور يوسف الشواربة مقدمة يؤكد فيها أنه لم يكن متوقعا أن تتحول الآثار المهجورة في وادي عمان والتلال المحيطة به إلى عاصمة عربية نابضة بالحياة، تنمو خلال ما يزيد على قرن لتصبح مدينة مليونية، وفضاء جامعا لثقافات متعددة، تروي قصة نجاح عربية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين.
ويقول الشواربة إن رفيع في كتابه يقدم صورة عمان بأسلوب مختلف ونكهة خاصة، إذ يوثق جوانب قلما تناولها الباحثون والكتاب. ويتنقل العمل بين سرد سيرة المدينة وسكانها، وبين عرض الرسومات والمخطوطات والوثائق التي ترصد الهوية المعمارية لأبنيتها وتطور أساليب البناء فيها على مدى ما يقارب قرنا من الزمن، ليشكل في مجموعه مرجعا ثريا للباحثين والمهتمين.
كما ينقل الكتاب إلى القارئ حكاية عمران عمان عبر صور ووثائق تجسد مسيرة تطورها، من أودية المدينة الهادئة إلى تلالها الشامخة، في سرد بصري وتوثيقي متكامل.
وخلص الشواربة إلى أن "عمان، درة التاج الهاشمي، ونموذج لمسيرة البناء والنماء والحضور الدولي، التي قادها الهاشميون بمساندة الأردنيين، وتتواصل اليوم بقيادة عبد الله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الحسين بن عبد الله الثاني، في مسيرة تستشرف المستقبل وتستند إلى إرث راسخ من الإنجاز".
في تمهيده، يوضح محمد رفيع أن هذا الكتاب يعد عملا رائدا في مجاله، إذ يسعى إلى إرساء أساس وثائقي للهوية المعمارية لعمان القديمة. وقد بدأ العمل الفعلي عليه العام 2015، بتكليف من أمين عمان الأسبق عقل بلتاجي، واستمر بدعم أمينها الحالي يوسف الشواربة، اللذين كان لإيمانهما بالفكرة دور حاسم في إنجاز هذا المشروع.
ويأتي هذا الكتاب، كما يقول المؤلف، امتدادا لجهود سابقة انطلقت منذ العام 2001، هدفت إلى جمع وحصر المخططات والوثائق المرتبطة بعمران أبنية عمان القديمة في مختلف مناطقها، في مسعى لتأسيس مرجعية وثائقية متكاملة لهويتها المعمارية.
وفي صورته الحالية، يضم الكتاب الأصول الوثائقية لمعظم أبنية جبل اللويبدة، التي ما يزال الكثير منها قائما، ليشكل بذلك نواة علمية تحفظ الهوية المعمارية والاجتماعية لهذا الحي. كما يوفر أساسا معرفيا مهما للباحثين وطلبة الدراسات العليا في العمارة وعلوم الاجتماع والتاريخ، لإنتاج دراسات حضرية متقدمة حول هذا الموقع المحوري في التكوين العمراني لعمان.
ويعبر المؤلف عن أمله في استكمال هذا المشروع عبر مجلدات لاحقة تشمل مناطق أخرى من المدينة، مثل جبل عمان، ووسط البلد، والمحطة، وجبل القلعة، والحسين، والنظيف، ورأس العين، بما يفضي في النهاية إلى بناء أرشيف وثائقي شامل لأبنية عمان القديمة.