الدستور- عمر المحارمة
يستدعي تقرير «مراسلون بلا حدود» حول أوضاع الحريات الصحفية قراءة متأنية تتجاوز الأرقام والتصنيفات إلى تفكيك المنهجية التي بُنيت عليها نتائجه، خاصة في ظل ما يبدو من تباين واضح في تطبيق المعايير بين دولة وأخرى، فالتقرير، الذي يُفترض أن يكون مرجعاً مهنياً لقياس مستوى حرية الإعلام في العالم، لا يخلو من إشكاليات تتعلق بالانتقائية، وغياب التوازن في تقدير السياقات الوطنية، ما ينعكس في بعض الأحيان على مصداقية مخرجاته ويضعها موضع تساؤل.
إن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو أن التقرير يتعامل مع الدول وكأنها وحدات متشابهة، متجاهلاً الفوارق الجوهرية في البنية السياسية والقانونية والاجتماعية لكل دولة، فالمعايير التي يُفترض أن تكون مرنة وقابلة للتكيّف مع خصوصية كل حالة، تبدو أحياناً جامدة، أو تُستخدم بشكل غير متكافئ، بحيث يتم تضخيم بعض المؤشرات في دول معينة، مقابل التقليل من شأنها أو تجاهلها في دول أخرى، وهذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى حيادية هذه التقييمات، وما إذا كانت تعكس الواقع فعلاً أم أنها تنحاز إلى قراءات مسبقة.
وعند إسقاط هذه الملاحظات على الحالة الأردنية، تتضح فجوة ملحوظة بين ما يورده التقرير وبين الواقع العملي. فالأردن، رغم التحديات التي تحيط بالمنطقة، نجح في الحفاظ على بيئة إعلامية تتسم بالاستقرار والانفتاح النسبي، دون أن تُسجل فيه حالات موثقة لاعتداءات جسدية على الصحفيين بسبب عملهم، أو ملاحقات أمنية ممنهجة، أو حالات اختفاء قسري، وهي مؤشرات جوهرية تُعد في أدبيات الحريات الصحفية من أخطر أشكال الانتهاك. وإن غياب هذه الممارسات لا يمكن اعتباره تفصيلاً ثانوياً، بل هو عامل أساسي يجب أن ينعكس بوضوح في أي تقييم موضوعي.
إلى جانب ذلك، يشهد المشهد الإعلامي الأردني تنوعاً ملحوظاً في الوسائل والمنصات، من صحف يومية ومواقع إلكترونية وقنوات فضائية وإذاعات، جميعها تمارس دورها ضمن مساحة من الحرية المسؤولة، التي توازن بين حق التعبير وواجب الالتزام بالقوانين الوطنية، ورغم وجود أطر تنظيمية وتشريعات تحكم العمل الإعلامي، إلا أن هذه الأطر لا تلغي التعددية، بل تسعى إلى تنظيمها وضبطها بما يحفظ المصلحة العامة، كما أن النقاش حول تطوير هذه التشريعات لا يزال حاضراً، وهو بحد ذاته مؤشر على حيوية المشهد الإعلامي ورغبته في التحديث والتقدم.
غير أن التقرير، في تناوله لمثل هذه الحالات، لا يمنح هذا النوع من الاستقرار المؤسسي والبيئة الآمنة للصحفيين ما يستحقه من وزن، بل يركز في أحيان كثيرة على جوانب جزئية أو خلافية، دون وضعها في سياقها الكامل، وهنا تكمن الإشكالية؛ إذ إن التقييم العادل لا يقوم على تجزئة الصورة، بل على قراءتها بشكل شامل يأخذ بعين الاعتبار جميع العناصر المؤثرة.
ورغم وجود نقاشات مشروعة حول تطوير البيئة التشريعية وتعزيزها، إلا أن تجاهل هذه المعطيات الإيجابية أو التقليل من أهميتها يعكس خللاً في ميزان التقييم. فالمعيار لا يمكن أن يكون موحداً في الشكل فقط، بل يجب أن يكون منصفاً في المضمون، آخذاً بعين الاعتبار الفروقات بين الدول، وظروفها السياسية، والتحديات التي تواجهها.
وفي مقابل هذا التغاضي النسبي عن بعض الجوانب الإيجابية، يظهر تناقض أكثر حدة عند النظر إلى كيفية تعامل التقرير مع الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الصحفيون في مناطق النزاع، ففي غزة ولبنان، خلال العامين الماضيين، قُتل أكثر من 220 صحفياً نتيجة عمليات عسكرية إسرائيلية، بعضهم تم استهدافه بشكل مباشر أثناء أداء عمله، فيما طالت الاعتداءات عائلات آخرين في سياق يهدف إلى ترهيبهم ومنعهم من نقل الحقيقة، هذه الوقائع، التي تمثل واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه العمل الصحفي في العصر الحديث، تطرح تساؤلاً ملحاً حول مدى انعكاسها الحقيقي في تقارير الحريات الصحفية، وحول ما إذا كانت تحظى بالاهتمام والتأثير ذاته الذي تُمنح لقضايا أقل خطورة في دول أخرى.
إن استهداف الصحفيين في مناطق النزاع لا يُعد مجرد انتهاك عابر، بل هو اعتداء مباشر على حق العالم في المعرفة، ومحاولة لطمس الوقائع وحجب الرواية من الميدان، ومن هنا، فإن أي تقرير يدّعي قياس حرية الصحافة عالمياً، لا بد أن يضع هذه الانتهاكات في صلب تقييمه، لا على هامشه، وأن يعكس خطورتها في نتائجه وتصنيفاته بشكل واضح وصريح.
في المحصلة، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة النظر في منهجيات تقييم الحريات الصحفية على المستوى الدولي، بحيث تقوم على أسس أكثر توازناً وشفافية، تأخذ في الحسبان الفوارق بين الدول، وتُعطي وزناً حقيقياً للانتهاكات الجسيمة، دون إغفال الجوانب الإيجابية في البيئات المستقرة. فحرية الصحافة لا تُقاس فقط بمدى اتساع هامش التعبير، بل أيضاً بمدى أمان الصحفي وقدرته على العمل دون خوف من الاستهداف أو التصفية.
وفي هذا الإطار، فإن التجربة الأردنية، بما تحمله من استقرار نسبي وتعددية إعلامية وغياب للانتهاكات الجسدية الجسيمة، تستحق قراءة أكثر إنصافاً وعمقاً، بعيداً عن القوالب الجاهزة أو التقييمات المسبقة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار التقارير بحد ذاته، بل في ضمان أن تكون هذه التقارير مرآة دقيقة للواقع، لا انعكاساً انتقائياً له.