عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Mar-2026

حروب بالوكالة تشهدها منطقة الشرق الأوسط من المستفيد؟*د.كميل الريحاني

 الدستور

لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُخاض دائماً بجيوشٍ نظامية تتواجه مباشرةً عبر الحدود، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى صراعات غير مباشرة، تُدار عبر أطراف محلية تمثل مصالح قوى إقليمية أو دولية. هذا النمط من النزاعات يُعرف بـ»الحروب بالوكالة»، وهو أحد أبرز ملامح المشهد الجيوسياسي في المنطقة خلال العقود الأخيرة.
 
فمن سوريا إلى اليمن، مروراً بـ العراق ولبنان، تتشابك الأجندات وتتعقّد التحالفات، بينما يدفع المواطن العادي الكلفة الأكبر.
 
ما هي الحرب بالوكالة؟
 
الحرب بالوكالة هي صراع تستخدم فيه دولة أو أكثر أطرافاً محلية – سواء كانت جماعات مسلحة، أو فصائل سياسية، أو حتى حكومات – لتحقيق أهداف استراتيجية دون الانخراط المباشر في المواجهة العسكرية.
 
هذا الأسلوب يمنح القوى الكبرى عدة مزايا:
 
-    تقليل الخسائر البشرية المباشرة.
 
-    تجنب المساءلة الدولية أو التصعيد الواسع.
 
-    الحفاظ على هامش إنكار سياسي.
 
-    إدارة الصراع بكلفة أقل مقارنة بالحروب التقليدية.
 
جذور الظاهرة في المنطقة
 
تاريخ الشرق الأوسط الحديث مليء بالتنافس الإقليمي والدولي، لكن ما بعد الحرب الباردة شهد تحولات عميقة. تراجع الاستقطاب الثنائي لم يُنهِ الصراعات، بل فتح الباب أمام تعدد اللاعبين الإقليميين، وتزايد التدخلات غير المباشرة.
 
أصبحت المنطقة ساحة تنافس على:
 
-    النفوذ الجيوسياسي.
 
-    مصادر الطاقة.
 
-    الممرات البحرية الاستراتيجية.
 
-    إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
 
ومع هشاشة بعض الدول وضعف مؤسساتها، تحولت الأزمات الداخلية إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الخارجية.
 
من المستفيد؟
 
السؤال المحوري الذي يطرح نفسه: من يجني المكاسب من هذه الحروب؟
 
1. القوى الكبرى
 
تحقق بعض الدول الكبرى مكاسب استراتيجية عبر إضعاف خصومها دون الانخراط في مواجهة مباشرة. كما تستفيد من تعزيز وجودها العسكري أو توسيع نفوذها السياسي.
 
2. القوى الإقليمية
 
ترى بعض القوى الإقليمية في الحروب بالوكالة فرصة لمدّ نفوذها خارج حدودها، وترسيخ حضورها في دول الجوار، وبناء أوراق ضغط تفاوضية في الملفات الدولية.
 
3. الصناعات العسكرية
 
لا يمكن تجاهل أن النزاعات المستمرة تُبقي سوق السلاح نشطاً، إذ ترتفع مبيعات الأسلحة والتقنيات الدفاعية، وتتحول المنطقة إلى أحد أكبر مستوردي السلاح عالمياً.
 
4. الجماعات المسلحة
 
في بيئة الفوضى، تنمو بعض التنظيمات مستفيدة من التمويل والتسليح، وتتحول من أدوات صراع إلى قوى أمر واقع.
 
الخاسر الأكبر  الدولة والمجتمع
 
في المقابل، يبقى المواطن العربي هو الخاسر الأكبر.
 
الحروب بالوكالة تؤدي إلى:
 
-    تدمير البنية التحتية.
 
-    تهجير الملايين.
 
-    إنهاك الاقتصاد.
 
-    تعميق الانقسامات المجتمعية والطائفية.
 
-    إضعاف مؤسسات الدولة.
 
ومع طول أمد الصراعات، تتحول بعض الدول إلى ساحات نزاع مزمنة، يصعب إعادة بنائها بسهولة، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
 
هل من أفق للحل؟
 
إن إنهاء الحروب بالوكالة يتطلب معالجة جذورها، لا مظاهرها فقط. ويتحقق ذلك عبر:
 
-    تعزيز مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها.
 
-    تقوية آليات الحوار الإقليمي.
 
-    الحد من التدخلات الخارجية.
 
-    بناء اقتصادات مستقرة تقلل من قابلية الاستقطاب.
 
كما أن وعي الشعوب بأخطار الانزلاق إلى صراعات تخدم أجندات خارجية يشكل عاملاً حاسماً في تقليص مساحة هذه الحروب.
 
وعليه فإن الحروب بالوكالة في الشرق الأوسط ليست قدراً محتوماً، لكنها نتاج توازنات معقدة ومصالح متشابكة. ورغم أن بعض الأطراف قد تجني مكاسب مرحلية، فإن الثمن الإنساني والسياسي طويل الأمد يفوق أي ربح آني.
 
يبقى السؤال مفتوحاً:
 
هل يمكن للمنطقة أن تنتقل من منطق الصراع بالنيابة إلى منطق الشراكة الإقليمية؟
 
الإجابة تكمن في قدرة الدول على تحصين قرارها الوطني، وفي إرادة جماعية تضع استقرار الإنسان قبل حسابات النفوذ.