عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Oct-2026

"أمراض الساعة في علم المناعة".. رحلة علمية بالتشخيص والعلاج

 الغد-عزيزة علي

 يشكل جهاز المناعة درع الحماية الأساسي لجسم الإنسان، غير أن الاختلالات التي تصيبه أصبحت من أبرز التحديات الصحية في عصرنا الحالي. وفي هذا السياق، صدر كتاب "أمراض الساعة في علم المناعة: أمراض مناعية مختارة، سبل تشخيصها وعلاجها"، لمؤلفه الدكتور عيسى أيوب أبو دية وبدعم من وزارة الثقافة، ليكون مرجعا علميا باللغة العربية يتناول أسباب هذه الاضطرابات المناعية، وخيارات علاجها والوقاية منها.
 
 
يأخذ الكتاب القارئ في رحلة علمية منظمة؛ تبدأ من فهم طبيعة المرض المناعي وتأثيره على الفرد والمجتمع والتعرف على أعراضه، ثم ينتقل إلى وسائل الاشتباه والتشخيص والتوسع في الفحوصات المخبرية، وصولاً إلى طرق العلاج المتبعة حالياً، مع التركيز على أهمية الوقاية والتشخيص المبكر للحد من المضاعفات.
الكتاب يجمع بين المحتوى العلمي المتخصص والعرض المبسط، حيث يخاطب القارئ العام المهتم بالأمراض المناعية، إلى جانب طلبة الكليات الطبية والصحية، والباحثين والعاملين في هذا المجال. ويركز بصورة خاصة على الفحوصات والتقنيات المخبرية المستخدمة في تشخيص هذه الأمراض، مستفيدًا من خبرة المؤلف الأكاديمية والمهنية في علم المناعة.
ويستعرض أبو دية تطور علم المناعة وتطبيقاته الطبية، بدءًا من الملاحظات والتجارب المبكرة المتعلقة بمقاومة الأمراض، وصولًا إلى التطورات الحديثة في اللقاحات والعلاجات المناعية، مع إضاءة على الآفاق المستقبلية التي قد تتيحها الفحوصات الجينية وتقنيات التحكم في الاستجابة المناعية لعلاج أمراض معقدة، من بينها السرطان وأمراض المناعة الذاتية، وفيروس نقص المناعة البشري.
وأشار المؤلف، في مقدمة الكتاب، إلى أن فكرته انطلقت من حاجة المكتبة العربية إلى مرجع طبي متخصص في علم المناعة، يتناول أبرز الأمراض المناعية الشائعة في الحياة اليومية والمستشفيات.
ويقدم الكتاب عرضا شاملا للأمراض التي تصيب مختلف أجهزة الجسم نتيجة اضطرابات جهاز المناعة، مستندًا إلى معلومات علمية محدثة، في ظل التطور المتسارع الذي شهده علم المناعة خلال السنوات العشر الأخيرة.
وقال أبو دية: "إن موضوعات الكتاب رتبت بصورة منهجية، بدءًا بالأمراض الناجمة عن نقص المناعة، سواء أكانت وراثية أو مكتسبة، ثم الانتقال إلى الأمراض المرتبطة بفرط نشاط جهاز المناعة، ومنها الحساسية وأمراض المناعة الذاتية". وأشار المؤلف إلى أن الكتاب يختتم ببحث دور جهاز المناعة في حماية الجسم من السرطان، وأهمية العلاج المناعي في علاج هذا المرض.
ويركز الكتاب على الأمراض المناعية ذات التطبيقات السريرية، نظرًا إلى أهمية الجانب العملي في الأردن والعالم العربي، مقارنة بالجوانب الأكاديمية والبحثية التي ما تزال تطبيقاتها المباشرة في المستشفيات والمستوصفات والعيادات محدودة.
ولفت أبو دية إلى أن البحث العلمي في هذا المجال، ما يزال يواجه تحديات تتعلق بمحدودية الموارد المادية والبشرية، وضعف التعاون بين الباحثين والمؤسسات محليًا ودوليًا.
وبشكل عام، جاءت المقالات في الكتاب وفق منهجية متقاربة، تبدأ بتعريف المرض وماهيته وتأثيره على الفرد والمجتمع، ثم تتناول أعراضه وسبل الاشتباه في وجوده، وصولًا إلى طرق تشخيصه، مع التركيز على التقنيات والفحوصات المخبرية اللازمة للكشف عنه.
وأشار المؤلف إلى أنه توسع في هذا الجانب، استنادًا إلى خبرته الأكاديمية والمهنية، من خلال دراسته وعمله في القطاع الطبي الأردني وخارجه، فضلًا عن تدريسه مادة علم المناعة في كلية الطب في الجامعة الأردنية.
وتستعرض المقالات بعد ذلك طرق العلاج المتبعة حاليًا، وتختتم بمجموعة من النصائح حول الوقاية وتجنب الإصابة، وأهمية التشخيص المبكر في الحد من المضاعفات والأضرار التي قد تترتب على هذه الأمراض.
ويأمل أبو دية أن يكون الكتاب مفيدًا لشرائح متعددة من المجتمع، إذ روعي أن تكون موضوعاته مناسبة للقارئ العام المهتم بمرض معين، إلى جانب تضمينها جوانب علمية وتقنية أكثر تخصصًا يستفيد منها طلبة الكليات الطبية والعلمية، ولا سيما طلبة الطب، والصيدلة، وطب الأسنان والتحاليل الطبية، والتمريض، فضلًا عن العاملين والباحثين في مجال علم المناعة.
كما يأمل أن يشكل الكتاب نواة لأعمال علمية مستقبلية أكثر تعمقًا، تتناول جوانب أخرى من علم المناعة لم يتسن له إدراجها في هذا الإصدار، مؤكدًا أن هذا العلم مجال واسع ومتجدد، تتسارع فيه المعرفة والاكتشافات العلمية مع التطور المتواصل في العصر الرقمي.
وفي تمهيده للكتاب، يوضح أبو دية أن مصطلح علم المناعة (Immunology) مشتق من الكلمة اللاتينية (Immunitas)، التي كانت تشير إلى الحصانة من الملاحقة القضائية التي كان يتمتع بها أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. وأصبح المصطلح يُستخدم للدلالة على الحصانة التي يتمتع بها الجسم في مواجهة مسببات الأمراض.
ورغم أن علم المناعة التجريبي والبحثي يُعد حديثًا نسبيًا، فإن مفهوم مناعة الجسم ضد الأمراض يعود إلى عصور قديمة. ويُعتقد أن أقدم إشارة معروفة إلى هذا المفهوم، وردت لدى المؤرخ اليوناني ثوسيديدس (Thucydides)، في القرن الخامس قبل الميلاد.
كما عرف الصينيون القدماء ممارسة تشبه التطعيم للوقاية من الجدري، إذ كانوا يعمدون إلى تعريض الأطفال لمساحيق مستخرجة من قشور جلد أشخاص مصابين بالجدري، بهدف تحفيز جهاز المناعة على مقاومة المرض في حال التعرض له مستقبلًا.
وتُعد تجربة الطبيب الإنجليزي "إدوارد جينر"، من أبرز المحطات التي نقلت دراسة المناعة إلى نطاق التجارب العلمية المنظمة. فقد لاحظ جينر أن النساء اللواتي يعملن في حلب الأبقار ويُصبن بجدري الأبقار، وهو مرض محدود الخطورة، لا يُصبن عادةً بالجدري البشري، رغم أن الفيروسين ينتميان إلى عائلة واحدة.
ودفعت هذه الملاحظة جينر، إلى افتراض أن الإصابة بجدري الأبقار قد تمنح الجسم مناعة ضد الجدري البشري الأكثر خطورة. ولاختبار هذه الفرضية، أجرى العام 1796 تجربة شهيرة على طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات، مستخدمًا مادة مأخوذة من آفات جدري الأبقار. وأصيب الطفل بأعراض خفيفة قبل أن يتعافى، ثم أظهر لاحقًا مقاومة للجدري عند تعريضه للمرض، في تجربة أسست لمفهوم التطعيم الحديث، وساهمت في إرساء علم المناعة التجريبي.
ويتابع أبو دية، أن جينر أجرى لاحقًا تجربة أخرى على الطفل نفسه، تمثلت في تعريضه لفيروس الجدري البشري، بهدف اختبار مدى الحماية التي اكتسبها من جدري الأبقار. ولم يُصب الطفل بالمرض، في دليل على أن الإصابة السابقة بجدري الأبقار أكسبته مناعة ضد الجدري البشري، وهي النتيجة التي شكلت محطة مفصلية في تاريخ التطعيم وعلم المناعة.
ومنذ تلك التجربة، شهد علم المناعة تطورًا كبيرًا، وأصبح علمًا مستقلًا واسعًا تتعدد فروعه وتطبيقاته في مختلف مجالات صحة الإنسان ومرضه. وأصبحت مبادئ علم المناعة وتطبيقاته جزءًا أساسيًا من كثير من عمليات الوقاية والعلاج، وفي مقدمتها التطعيمات والعلاجات الحديثة.
ويرى أبو دية أن المرحلة المقبلة ستشهد تطورات أكبر، في ضوء ما تكشفه الأبحاث الحديثة من تفاوت في كفاءة جهاز المناعة بين الأفراد، نتيجة الاختلافات الوراثية والبيئية. ويشير إلى إمكانية أن تؤدي الفحوصات الجينية مستقبلًا دورًا مهمًا في تحديد كفاءة الجهاز المناعي وقدرة الأفراد على مقاومة أمراض مختلفة.
كما يتوقع استمرار تطوير وسائل وقائية وعلاجية، تستهدف خلايا الجهاز المناعي وآليات عملها، من خلال تنشيط الاستجابة المناعية أو تثبيطها وفقًا لطبيعة المرض، بما قد يفتح آفاقًا جديدة لعلاج أمراض ما تزال تشكل تحديًا للطب، من بينها فيروس نقص المناعة البشري، والسرطان، وأمراض المناعة الذاتية.
ويهدف الكتاب إلى تقديم أحدث المعارف العلمية المتعلقة بمجموعة مختارة من الأمراض الناجمة عن اختلال وظائف جهاز المناعة، من خلال عرضها بصورة مترابطة، والاستناد إلى المفاهيم والمصطلحات العلمية الحديثة ونتائج الأبحاث والتجارب، لتوضيح آليات نشوء هذه الأمراض وطرق تشخيصها وعلاجها.
ويأمل أبو دية أن يساهم الكتاب في إثراء المكتبة العربية بمرجع علمي، يتناول المستجدات في المجالات الطبية سريعة التطور، ولا سيما علم المناعة، الذي يشهد توسعًا متواصلًا في المعرفة والتطبيقات.