أيمن سماوي.. مغادرة مفاجئة*موفق ملكاوي
الغد
المنشور الذين أعلن فيه مدير مهرجان جرش للثقافة والفنون أيمن سماوي على صفحته في فيسبوك انتهاء مهمته رسميا في إدارة المهرجان، جاء مفاجئا لجميع الذين تابعوا جهود الرجل خلال السنوات الماضية، وكيف استطاع إعادة الألق والبريق إلى المهرجان الذي ساهمت كثير من القرارات المرتجلة في إضعافه.
قرار المغادرة، أيا كان مبعثه أو حقيقته، لا بد أن يكون صادما للمتابعين الذين عرفوا جهود الرجل، والذي شكل دائما كتلة نشاط، وشبكة علاقة عامة ممتدة ومتينة، أسهمت في استعادة المهرجان قبل أن يطويه النسيان.
كان يكفي اتصال أو زيارة منه إلى فنان عربي كبير، أو فنانة، لكي يقنعهما بالمشاركة في التظاهرة الأردنية الأكبر، فاستقطب من خلال علاقاته تلك فناني وفنانات الصف الأول في العالم العربي، واستطاع أن يوفر للجمهور الأردني، ولجمهور البلدان المجاورة فرصة اللقاء بهم.
على مستوى البرنامج الثقافي المصاحب للبرنامج، كان سماوي منفتحا على جميع الهيئات الثقافية والفنية في الأردن، وأبدى تعاونا لافتا في هذا السياق، لذلك كانت هناك مشاركات غير مسبوقة في برنامج الشعر، وفي الندوات الثقافية والفلسفية، والملتقيات الفنية التشكيلية، وغيرها من الأنشطة التي عززت حضور المهرجان في الوجدان.
جهود الرجل وعلاقاته الواسعة، جعلته ينجح في بناء عشرات الشراكات مع مؤسسات وجهات محلية، نقل من خلالها فعاليات المهرجان لتكون حاضرة في عشرات المواقع داخل الجغرافيا الأردنية، وعدم الاكتفاء بفعاليات المدينة الأثرية أو العاصمة عمان.
خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، كنت قريبا من سماوي خلال مراحل التحضير للدورات السابقة، ورأيت كيف كان منفتحا على الأفكار، ولا يمارس أي تمترس خلف رأيه، بل يحاول الاستفادة من أفكار الجميع، خصوصا من أعضاء اللجنة الثقافية الذين غالبا ما توسعوا في مقترحاتهم، وكانوا يجدون دائما القبول والترحيب من سماوي.
ما أورده هنا، ليس من باب معارضة قرار وزير الثقافة بتعيين يزن الخضير مديرا لمهرجان جرش خلفا لسماوي، بل هي كلمة حق يراد بها الحق، بينما لا شك أننا نتمنى للخضير كل التوفيق في مهمته الجديدة التي لن تكون سهلة، وتنتظر منه جهود كبيرة لإبقاء المهرجان على قمة فعالياتنا الوطنية.
لكن، وفي الوقت ذاته، فإن الحديث عن الأشخاص لا ينبغي أن يحجب الحديث عن المؤسسة نفسها، فنحن نعلم أن مهرجانا بحجم جرش لا يمكن أن يتم اختزاله في مدير، مهما بلغت قدرته، ولا في اسم، مهما اتسعت علاقاته، لأن المهرجانات الكبرى تقاس بقدرتها على صناعة الاستمرارية، وعلى الانتقال الهادئ بين القيادات، دون أن يشعر الجمهور أو الشركاء أو الفنانون بأن هناك ارتباكا في البوصلة، أو انقطاعا في المسار.
التحدي الحقيقي اليوم يكمن في كيفية المحافظة على التراكم الذي تم إنجازه، وحماية ما تحقق من ثقة عربية ودولية بالمهرجان، ومن حضور جماهيري وقدرة على استقطاب الأسماء الوازنة في الغناء والمسرح والشعر والفكر والفنون البصرية. المؤسسات الثقافية لا تبدأ من الصفر مع كل تغيير، ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك، لأن البدء من الصفر يعني هدر سنوات من العمل والعلاقات والخبرة.
لقد استطاع مهرجان جرش خلال الأعوام الماضية أن يستعيد جزءا مهما من صورته القديمة، باعتباره حدثا ثقافيا وطنيا يحمل صورة الأردن إلى الخارج، ويقدم في الوقت ذاته للأردنيين مساحة للقاء مع تجارب عربية وعالمية متنوعة. هذا المكسب تحديدا هو ما يجب ألا يمس، ويجب البناء عليه وتطويره وتوسيعه.
أما أيمن سماوي، فإن ما قدمه خلال المرحلة الماضية يبقى جزءا من ذاكرة المهرجان، ومن الإنصاف أن يذكر ذلك بهدوء وتجرد، بعيدا عن الاصطفافات، وبعيدا أيضا عن ثقافة الهدم التي تجعلنا نتعامل مع كل انتقال وكأنه إلغاء كامل لما سبقه.
في المقابل، فإن يزن الخضير يدخل اليوم إلى مسؤولية كبيرة، وإلى مؤسسة تحمل إرثا كبيرا وتوقعات أعلى من أي وقت مضى. الرهان الحقيقي سيكون في القدرة على الحفاظ على الزخم، وتطوير المحتوى، وقراءة التحولات الجديدة في ذائقة الجمهور، وفي طبيعة الصناعة الثقافية والفنية في المنطقة.