عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Aug-2026

"المعراج من الجذور" لعيسى حداد يوثق رحلة الانتماء العربي عبر التاريخ

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون كتاب "المعراج من الجذور" للدكتور عيسى حداد، وهو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق التاريخي والسرد الأدبي، متتبعاً رحلة أسرة عربية مسيحية عبر محطات تاريخية امتدت من جنوب الجزيرة العربية إلى الأردن، في قراءة تستحضر الذاكرة والهوية والانتماء.
 
 
يقدّم الكتاب سرداً يوثق مسيرة عائلة المؤلف عبر تحولات كبرى شهدتها المنطقة، بدءاً من اليمن مروراً بالحجاز وحوران ولبنان، وصولاً إلى الاستقرار في الأردن، مستنداً إلى المرويات الشفوية والوثائق التاريخية، ومبرزاً ما رافق تلك الرحلة من تحولات اجتماعية وثقافية وإنسانية، ضمن رؤية تؤكد عمق الجذور العربية للمسيحيين في المشرق ودورهم في بناء مجتمعاته والدفاع عنها.
يقول المؤلف الدكتور عيسى حداد في تمهيد كتابه: "جذوري حكاية تمتد عميقاً في التاريخ، وفروع تشابكت مع طرق القوافل ونسائم الريح، حتى وجدت موطني الأخير، حيث يستقر القلب بعد طول ترحال".
من جبال اليمن الشامخة وسهولها الخصيبة بدأت المسيرة، أحمل في دمي عبق اللبان وأصداء السدود العتيقة، عابراً الحجاز، حيث يحفظ الرمل خطى القوافل، حتى بلغت حوران، تلك الأرض التي تتكئ على التاريخ كما يتكئ الشيخ على عصاه. ثم مضيت إلى لبنان، ومنها إلى الأردن، إلى بلدة الطيبة شمال غرب إربد، حيث تمتزج الطيبة بكرم الضيافة، قبل أن تحتويني الزرقاء بتنوعها وحنينها، فأغدو جزءاً من حكايتها، وصولاً إلى عمّان.
لم تكن هذه الرحلة انتقالاً بين الأمكنة فحسب، بل كانت عبوراً في الزمن والهوية، ورحلة انتماء لا يخبو. وأردت من هذه الصفحات أن أؤكد أنني مسيحي أردني من صميم العروبة، تشهد لي الأرض قبل الحروف، وأن عروبتي ليست شعاراً يُرفع، بل وجداناً حياً وعهداً راسخاً.
لقد انتمى أجدادي إلى هذه الأرض، ودافعوا عنها بالمهج والأرواح، وقدموا الشهداء عبر العصور، ووقفوا إلى جانب إخوتهم المسلمين صفاً واحداً في مواجهة كل مستعمر وطئت قدماه هذه الأرض المباركة.
وهكذا يشهد التاريخ، وهكذا ستشهد الأجيال من بعدنا: كنا سنداً للعرب في كل زمان ومكان، وكان الدم الذي يجري في عروقنا، وما يزال، جسراً للوحدة لا للفرقة، يجمع ولا يفرق. فالأرض التي ارتوت بتضحيات أبنائها لا تنساهم، ونحن لا ننسى عهدها."
فيما كتب الدكتور محمد عبيد الله مقدمة الكتاب بعنوان "سردية الانتماء الأصيل"، يرى فيها أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية، ليقدم كتابة تمزج بين الخاص والعام، والذاتي والتاريخي، مقدّماً أنثروبولوجيا حيّة للهوية العربية المسيحية.
ويشير عبيد الله إلى أن الرحلة السردية تبدأ من لحظة تنويرية في قبو بارد، حيث ينبعث التاريخ من أوتار عود قديم تفوح منه رائحة زيت السدر والبخور. ويغدو القبو مفتاحاً رمزياً للاوعي الفردي والجمعي، بما يحمله من أعماق النفس وخفاياها. ومن هذا المنطلق، يحوّل المؤلف العود من مجرد آلة موسيقية إلى رمز للذاكرة والهوية، وآلة زمن تنقل القارئ من الحاضر إلى الأزل، ومن الجغرافيا المحدودة إلى فضاءات الانتماء الرحبة، ليكشف عبر أوتاره طبقات من التاريخ والذاكرة في صياغة أدبية واعية.
ويؤكد عبيد الله أن اختيار المؤلف لمصطلح "المعراج"، ينطوي على دلالة رمزية عميقة، تعكس صعوداً قيمياً ومعرفياً نحو الجذور والأصول، وتبرز المسيحي العربي بوصفه جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي والمعرفي، وابناً وفياً للسدود والوديان والقبائل التي أسهمت في بناء حضارات المشرق.
تنساب معالم هذه الرحلة في السرد كنهر متدفق من الذكريات، يبدأ من جذور "سبأ وحمير في جبال اليمن الشامخة وسهول المخادر"، حيث استقرت المسيحية بين القبائل العربية القديمة، قبل أن يشكل انهيار سد مأرب عام 570م نقطة التحول الكبرى نحو الشتات والترحال. ومن هناك تمتد القافلة عبر صحراء الحجاز وطريق البخور، في مشهد يجسد الاندماج العميق في نمط الحياة العربية، وصولاً إلى سهول حوران، حيث بلغت إمارة الغساسنة، المنحدرة من أصول يمانية، ذروة ازدهارها.
وفي هذه المحطة، يقدم المؤلف قراءة تاريخية لافتة للقاء الغساسنة بجيوش الفتح الإسلامي، مصوراً إياه بوصفه لقاءً بين "أبناء عمومة" جمعهم الانتماء العربي والمصير المشترك.
ثم ينتقل السرد إلى محطة المجاعة الكبرى عام 1760م، التي فرضت موجة نزوح جديدة نحو مرجعيون والحاصباني، وأحدثت تحولاً في أنماط الحياة؛ إذ تحول الفرسان إلى مزارعين صبورين، استصلحوا الأرض بجهدهم وتضحياتهم. وبعد عقود، تتواصل الرحلة نحو الاستقرار النهائي في الأردن، بدءاً من بلدة الطيبة شمال المملكة، ثم الزرقاء وعمان، حيث تعانق جرس الكنيسة مع نداء المئذنة في نسيج وطني واحد أسهم في بناء الدولة الأردنية الحديثة.
ويقول عبيد الله إن هذه الرحلة، على خصوصيتها، لا تختلف كثيراً عن رحلات أبناء هذه الديار وتاريخهم المشترك؛ فمهما تعددت المنابع وتنوعت المسارات، فإنها تلتقي في تشكيل نسيج وطني واحد، توحده قيم العيش المشترك، والجغرافيا، والمصير، وتحديات الماضي والحاضر، وآفاق المستقبل.
وفي هذا الترحال الذي تصوّره السيرة، يبرز اهتمام المؤلف بالبعد الثقافي، حتى يغدو الكتاب أشبه بأرشيف حيّ للهوية المشرقية. فهو يستحضر اللغة والأهازيج وأغاني الحصاد وطقوس الزواج، وصولاً إلى تفاصيل الأدوات الزراعية والمهن اليدوية التي مارسها الأجداد خلال تنقلهم بين اليمن والحجاز وحوران ولبنان، قبل استقرارهم في الأردن الحديث.
ويعكس هذا الثراء ما يمكن تسميته بـ"ديناميكية الهوية"، إذ لم تكن العائلة، في معراجها، مجرد جماعة بشرية تنتقل من مكان إلى آخر، بل كياناً ثقافياً يتفاعل مع الأرض، يزرعها، ويغني لها، ويصوغ من ترابها أمثاله الشعبية. وهكذا تتجلى أمام القارئ ثقافة قائمة على الصمود والمثابرة، يتحول فيها التعب والشتات إلى تجذر وإبداع ووعي، فيما تغدو الذاكرة الشفوية، المتمثلة في مرويات الأجداد، حصناً يحفظ الهوية من التلاشي في غياهب النسيان.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يقدّم الكتاب تفاصيل دقيقة ترسم ملامح الحياة اليومية، جامعاً بين السرديات الكبرى والتفاصيل الصغيرة؛ فيؤرخ للمضافة والديوان، وعادات الضيافة، وقيم الجيرة، بوصفها ركائز للعلاقات الاجتماعية. ويبرز الدكتور حداد كيف شكّلت هذه القيم عقداً اجتماعياً راسخاً حفظ تماسك المجتمعات العربية عبر العصور.
وعند حديثه عن بلدة الطيبة في شمال الأردن، لا يكتفي حداد بوصف المكان، بل يرسم فضاءً قيمياً تمازج فيه المسلمون والمسيحيون في نسيج اجتماعي متعاون. ويورد شواهد مؤثرة على تمسّك المسيحيين العرب بمنظومة القيم البدوية والقروية الأصيلة، من إغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، والوفاء بالعهد، وهي القيم نفسها التي تشاركوا فيها مع جيرانهم المسلمين، لتغدو العروبة الإطار الثقافي والقيمي الجامع الذي وحّدهم.
أما من الناحية الأدبية، فيقدّم هذا العمل نصاً يتجاوز القوالب التقليدية، جامعاً بين دقة التوثيق التاريخي وجمالية السرد الأدبي، فيما يمكن وصفه بـ"السيرة الوجدانية الجمعية". فلم يكتفِ المؤلف بسرد الوقائع، بل أعاد إحياءها بلغة آسرة تستثمر الخيال الفني دون أن تفقد صدقيتها التاريخية، فيشعر القارئ برائحة القمح في حوران، ويستحضر حرارة شمس الحجاز، فتغدو السيرة وثيقة اجتماعية وثقافية ترصد العادات، والذاكرة الشعبية، ومنظومة القيم التي شكّلت حياة الجماعة.
ويشير عبيد الله إلى أن القيمة "الأنثروبولوجية"، للكتاب تتجلى في توثيقه لثقافة التكيّف التي مكّنت العشيرة من الحفاظ على منظومة قيمها، وفي مقدمتها إكرام الضيف والوفاء بالعهد، رغم تقلب الأمكنة وتبدل البيئات. كما يقدّم أرشيفاً ثرياً للهجات والأهازيج والمرويات الشعبية التي أسهمت في تشكيل الهوية المركبة للإنسان الأردني المعاصر.
ويوضح عبيد الله أن الغاية العميقة لهذا "المعراج" تتمثل في استعادة الذاكرة الجماعية وتأصيل مفهوم المواطنة، من خلال تقديم نموذج للعروبة الحضارية التي تستوعب التنوع، وتجعل من وحدة الأصل والانتماء جسراً للتلاقي لا سبباً للفرقة. وقد نجحت السيرة في تحقيق هذه الغاية، إذ حوّلت التجربة الخاصة إلى حكاية إنسانية أوسع، تستنهض الذاكرة، وتعيد قراءة التاريخ، ليجد فيها كل أردني وعربي شيئاً من ملامح هويته ومسيرته.