جودة التعليم وعدالة الفرص، هل تكفيان تصنيف الجامعات؟*د. جهاد يونس القديمات
الغد
لا يختلف اثنان على أن الجامعات الأردنية تسعى اليوم إلى تحسين جودة مخرجاتها الأكاديمية، وتعزيز حضورها في التصنيفات العالمية، واستقطاب أعضاء هيئة تدريس يمتلكون الخبرة والقدرة على البحث العلمي والإبداع، وهي أهداف مشروعة تتوافق مع طموح الدولة في بناء منظومة تعليم عال تنافس إقليميا وعالميا. وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف، بدأت بعض الجامعات تتجه إلى تبني سياسات تفضل أو تشترط في بعض الأحيان أن يكون المتقدم لوظيفة عضو هيئة تدريس حاصلا على درجة الدكتوراة من جامعة تقع ضمن المراتب المتقدمة في التصنيفات العالمية، مثل تصنيف QS.
رغم أن هذه السياسة ليست تشريعا ملزما لجميع الجامعات الأردنية، فإنها تستحق الوقوف عندها بهدوء، لأنها تمس مستقبل آلاف الباحثين وتؤثر في سوق العمل الأكاديمي، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني والعدالة في فرص التوظيف، وحتى إلى توجهات الطلبة الراغبين في استكمال دراساتهم العليا.
من الناحية الإدارية، تبدو مبررات هذه السياسة مفهومة، فالجامعات تبحث عن أفضل الكفاءات وتدرك أن الجامعات العالمية المرموقة تمتلك عادة بيئات بحثية متقدمة ومختبرات حديثة وإشرافا علميا متميزا وشبكات تعاون دولية واسعة، وهو ما ينعكس في كثير من الأحيان على مستوى خريجيها، كما أن استقطاب أعضاء هيئة تدريس من جامعات ذات سمعة عالمية قد يسهم في رفع الإنتاج البحثي وزيادة النشر في المجلات المحكمة وتحسين ترتيب الجامعة في التصنيفات الدولية، وتعزيز قدرتها على جذب الطلبة والشراكات والتمويل البحثي.
لكن من وجهة نظر الكاتب، هل يكفي تصنيف الجامعة للحكم على كفاءة الباحث؟
الإجابة ليست بهذه البساطة، لأن الجامعات مهما بلغت مكانتها تضم طلبة متفاوتين في القدرات، كما أن الجامعات الأقل تصنيفا قد تخرج باحثين متميزين استطاعوا أن يثبتوا أنفسهم من خلال أبحاثهم وإنجازاتهم وخبراتهم العملية وإسهاماتهم العلمية، ولذلك فإن الاعتماد على تصنيف الجامعة وحده قد يؤدي إلى استبعاد كفاءات حقيقية لمجرد أن الجامعة التي تخرجوا فيها لا تقع ضمن قائمة محددة.
تزداد أهمية هذا النقاش عندما ننظر إلى الواقع الاقتصادي، فالأردن يستثمر مبالغ كبيرة سواء من خلال الدولة أو الأسر في تأهيل الطلبة للدراسات العليا داخل المملكة وخارجها، وعندما يجد خريج الدكتوراة نفسه غير قادر على المنافسة بسبب معيار لا يتعلق بأدائه العلمي المباشر، فإن جزءا من هذا الاستثمار يتحول إلى طاقة معطلة، وتزداد أعداد الباحثين عن العمل ويرتفع الإحباط بين الشباب، وقد يضطر كثير منهم إلى البحث عن فرص خارج الوطن لتبدأ رحلة جديدة من هجرة الكفاءات التي طالما شكلت تحديا للاقتصاد الأردني.
لا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي أيضا، لأن ربط فرص التوظيف باسم الجامعة قد يخلق شعورا بعدم تكافؤ الفرص خاصة لدى الطلبة الذين لم تسمح لهم ظروفهم المالية أو الأسرية بالالتحاق بجامعات مرتفعة الكلفة أو تقع في دول بعيدة، فليس كل طالب يملك الإمكانات نفسها، ولا ينبغي أن تصبح القدرة المالية عاملا غير مباشر في تحديد المستقبل الأكاديمي.
إن هذه السياسة قد تدفع الطلبة إلى اختيار الجامعة بناء على ترتيبها فقط، وليس على قوة البرنامج الأكاديمي في تخصصهم، مع أن كثيرا من الجامعات قد لا تكون ضمن أفضل خمسمائة جامعة عالميا لكنها تمتلك برامج متميزة في تخصصات محددة، وتخرج باحثين يحظون بتقدير دولي واسع، وهو ما يؤكد أن تقييم الباحث يجب أن يكون أكثر شمولا من مجرد النظر إلى ترتيب الجامعة التي تخرج فيها.
من زاوية أخرى، فإن الاقتصار على تصنيف الجامعة قد يحرم الجامعات الأردنية نفسها من الاستفادة من خبرات متنوعة، لأن التميز الأكاديمي لا يقاس فقط بمكان الدراسة وإنما بالإنتاج العلمي وجودة الأبحاث وعدد الاستشهادات العلمية والقدرة على التدريس والإشراف على طلبة الدراسات العليا، وبناء المشاريع البحثية وخدمة المجتمع والعمل بروح الفريق، وهي معايير قد تكون أكثر ارتباطا بجودة عضو هيئة التدريس من اسم الجامعة وحده.
لعل السياسة الأكثر توازنا هي التي تجعل تصنيف الجامعة أحد عناصر المفاضلة، لا المعيار الوحيد أو الشرط القاطع بحيث يحصل خريج الجامعة ذات التصنيف المتقدم على ميزة إضافية، دون أن يغلق الباب أمام باحث آخر يمتلك سجلا بحثيا أقوى أو خبرة تدريسية أو عملية أكبر أو إنجازات علمية أكثر تأثيرا، فبهذه الطريقة يتحقق هدفان في آن واحد، وهما تشجيع الدراسة في الجامعات المرموقة وعدم إهدار الكفاءات الوطنية التي أثبتت تميزها بالعمل والإنجاز.
إن الجامعات الناجحة في العالم لا تبني قراراتها على مؤشر واحد بل تنظر إلى الصورة الكاملة للباحث، فتدرس إنتاجه العلمي ومشاركاته البحثية وتأثير أبحاثه وخبرته وشخصيته الأكاديمية وقدرته على الإضافة، لأن الهدف النهائي ليس توظيف خريج جامعة مشهورة، وإنما توظيف أكاديمي قادر على تعليم الطلبة وإنتاج المعرفة وخدمة الجامعة والمجتمع.
بمعنى آخر، إن السعي إلى تحسين جودة التعليم العالي هدف لا يختلف عليه أحد لكن جودة التعليم لا تتحقق بإقصاء بعض الكفاءات وإنما بحسن اختيار أفضلها، وفق معايير عادلة ومتوازنة وشفافة تجمع بين سمعة الجامعة وجودة البرنامج والإنجاز العلمي والخبرة والقدرة على الإبداع، فاسم الجامعة قد يفتح الباب لكنه لا ينبغي أن يكون وحده من يقرر من يستحق الدخول، لأن الوطن يحتاج إلى كل عقل مبدع وكل باحث قادر على أن يضيف قيمة حقيقية، بغض النظر عن المكان الذي بدأ منه رحلته العلمية.