الغد
هآرتس
عاموس هرئيل 9/6/2026
بعد تصعيد جديد استمر لبضع ساعات، يبدو أن هدوءا مؤقتا قد تحقق من جديد في تبادل الضربات بين إسرائيل وإيران. ولكن إطلاق إيران الصواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية رغم الرد الجوي، كشف عن تزايد اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، والارتفاع الحاد في ثقة النظام في طهران بنفسه. كما أن عدم التوصل إلى أي اتفاق حقيقي على الجبهة اللبنانية ينذر بعودة المنطقة إلى التصعيد.
بدأت الأحداث الحالية أول من أمس. بعد بضعة أيام على إطلاق حزب الله صواريخ على الجليل وقتل جنود بسبب هجمات طائرات مسيرة مفخخة في جنوب لبنان، قرر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الرد. وما يزال من غير الواضح ما دار بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولكن يبدو أن ترامب قد أعطى موافقة ضمنية على الأقل لشن إسرائيل هجوما على الضاحية في بيروت، بعد أن كان قد منعه منعا باتا في الأسبوع الماضي، إزاء تهديد إيران بالرد.
وقد شن سلاح الجو الإسرائيلي هجوما محدودا في الضاحية أول من أمس، لكن إيران بسرعة نفذت تهديدها وأطلقت الصواريخ على شمال البلاد، وردت إسرائيل بمهاجمة أهداف عسكرية في إيران، بما في ذلك مصنع بتروكيماويات، في إشارة على قدرتها على ضرب مواقع البنى التحتية الوطنية هناك. إيران ردت بدورها بإطلاق النار على مركز البلاد، وانضم إليها هذه المرة الحوثيون في اليمن الذين أطلقوا صاروخا بالستيا على إسرائيل بعد أن اختاروا عدم التدخل في الحملة الحالية في نهاية شباط الماضي. إسرائيل شنت غارة جوية على إيران أمس بعد فترة قصيرة من دعوة ترامب الأطراف إلى وقف إطلاق النار، بل وتصريحه بأنه سيتحدث مع نتنياهو بشأن هذه المسألة. هل تجاهل رئيس الحكومة طلب- توجيه الرئيس الأميركي علنا، الذي نفى بعد ذلك بلطف نسبي أي معرفة مسبقة له بالهجمات الإسرائيلية في لبنان وإيران؟
يصعب تصديق أن هذا ما حدث. فقد أظهر نتنياهو بالفعل القدرة على التأثير في قرارات ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل سنة ونصف. من المرجح أن ترامب أدرك بشكل متأخر خطر المأزق السياسي الذي وجد نتنياهو نفسه فيه. لو تفاخر رئيس الحكومة علنا بالصواريخ البالستية الإيرانية، خلافا لتصريحاته العدائية المتكررة، لكان سيواجه مشكلة مع بعض مصوتي اليمين.
من جهة أخرى، تفريغ الغضب عبر هجوم محدود على إيران تتبعه العودة إلى وقف إطلاق النار، يمكن نتنياهو من التظاهر بأنه رد بحزم على عدوان إيران، ويتيح لترامب العودة بسرعة إلى ما يهمه حقا، وهو التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في إيران شريطة أن يوافق النظام في إيران على التوقيع عليه. هذا كان بالفعل جوهر الرسالة التي أرسلها نتنياهو اليوم: إسرائيل قوية، إيران ضعيفة، نحن "نحطم هيمنة حزب الله"، ولن نسمح لإيران بفرض معادلة عمل جديدة علينا.
أعلنت إيران أمس في الساعة الثانية ظهرا بأن تبادل الضربات مع إسرائيل انتهى بالنسبة لها. ولكن الإيرانيين شملوا في بيانهم تهديدا بالهجوم من جديد إذا تحرك الجيش الإسرائيلي في لبنان. وبعد ساعة تقريبا استأنف حزب الله إطلاق الصواريخ على القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. يبدو أنه حتى مع هدوء الخليج، ما زال لبنان يغلي، وقد يشتعل الوضع في الشمال بطريقة تعيد إشعال المواجهة بين أميركا وإيران. إضافة إلى ذلك ما زال من غير الواضح ما هي القيود التي فرضها ترامب على تحركات الجيش الإسرائيلي المستقبلية، وبالتالي، لم تحسم إسرائيل أي شيء في لبنان، بينما ما زالت الولايات المتحدة تسعى بجهد للتوصل إلى اتفاق مع إيران قد لا يرقى إلى مستوى طلبات نتنياهو.
أيضا محنة حزب الله حاضرة في الخلفية، رغم الخسائر التي يلحقها بالجيش الإسرائيلي. حيث يفقد هذا التنظيم الشيعي عشرات المقاتلين كل أسبوع، ويسعى إلى فرض اتفاق يمنع إسرائيل من مهاجمته، الأمر الذي يتعارض مع وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في لبنان في تشرين الثاني 2024، والذي سمح لإسرائيل بالفعل بمواصلة هجماتها في جنوب لبنان كما تريد.
من الجدير بالذكر أيضا دور نتنياهو في هذه الأزمة. فبقراره مهاجمة الضاحية لأسباب داخلية خشية من الانتقادات الداخلية صعب الأمور على ترامب، الذي يتوق إلى التوصل إلى اتفاق في الخليج، قد لا يكون في متناول اليد. الإيرانيون الذين زادت ثقتهم في ظل تصاعد جهود الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب، مستعدون للمخاطرة بمزيد من التصعيد، لأنهم يلمسون ترددا، بل ضعفا، من ناحية الولايات المتحدة.
لكن بالنسبة لنتنياهو، لا تقتصر الاعتبارات السياسية على إحراج عابر فقط. فهو يختبر مرارا وتكرارا مدى قدرته على السيطرة على الأجندة الإقليمية عبر التحركات العسكرية. وقد يخدمه هذا من جديد قبل الانتخابات، مع هيمنة أجندة الأمن والشعور بحالة الطوارئ الوطنية. ولكن هذه إنجازات قابلة للتطوير، لأنه يمكن اعتبار حالة الطوارئ الأمنية ذريعة لتأجيل الانتخابات في اللحظة الأخيرة إذا لم تظهر الاستطلاعات نتائج مرضية لأحزاب الائتلاف.