عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jun-2026

العنف الذي يعيد إنتاج نفسه*يد.نهلا عبدالقادر المومني

 الغد

تتعدد أشكال العنف وصوره ليتخذ الطابع الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي، وعلى خطورة هذه الأنماط جميعا يبقى العنف الثقافي بحق بعض الفئات أشد أنواع العنف خطورة وتعقيدا في غالبية دول العالم.
 
 
خطورة هذا النوع من العنف أن الأجيال تتوارثه جيلا بعد جيل، فتعيد إنتاج الصورة النمطية لفئة ما وتكرس أدوارا لها وتضعها في قوالب جاهزة عصية على التغيير، معززا ذلك كله بأدلة وتصورات يتم نسبها في مجملها أما إلى العادات أو التقاليد أو العرف العام أو الأديان.
ما يزيد من خطورة العنف الثقافي أن الضحية ذاتها تلعب دورا مهما في تجذير الصورة النمطية أو الاتجاهات المتعلقة بها، بل تدعمها وتصدرها للأجيال القادمة؛ ذلك أنها ورثت تاريخا كاملا يضعها في أطر معينة تجعل منها شريكا في تصدير هذا العنف وتمكينه في المجتمعات، بل الدفاع عنه أيضا.
عالم الاجتماع الفرنسي(بيير بورديو) اطلق على هذا النوع من العنف، العنف الرمزي أيضا وهو يقوم على فرض تمييز أو فكر معين بطريقة لا تعتمد على القوة البدنية أو الإكراه المباشر، بل بطريقة غير مرئية من خلال تمريره عبر الثقافة واللغة والمؤسسات أحيانا؛ لذا فهو يعمل باتجاهين كما يشير بورديو؛ التواطؤ الضمني فالضحية لا تشعر أنها تتعرض للعنف بل تتبنى نظرة الفئة المهيمنة وتعتبرها المعيار الصحيح. أما الاتجاه الثاني فهو إعادة الإنتاج؛ إذ يتم ترسيخ المفاهيم ونقلها للأجيال القادمة بطرق شتى.
وهذا النمط من أنماط العنف، هو ما يفسر أنه بالرغم من تطور التشريعات والسياسات ومحاولة تغيير الاتجاهات المتعلقة ببعض القضايا الخاصة بفئات معينة في المجتمع،  إلا أن تحديات جوهرية تواجه التطبيق الفعلي والشعور بفعالية هذه التشريعات والسياسات؛ فالأمر أصبح يتجاوز تطبيق تشريع أو سياسة عامة؛ فكل ذلك لن يكون قادر على تغيير توجه أو نظرة نمطية ما، توارثتها الأجيال عبر عقود من الزمن.
على سبيل المثال، في الأردن لدينا منظومة تشريعية متقدمة في مجال حقوق المرأة، النصوص التي تتطلب تعديلا لتحقيق مزيد من الحماية والتعزيز محدودة جدا؛ فالإشكالية ليست تشريعية بالعمق، وكذلك الحال لدينا مصفوفة من السياسات العامة التي تضع المرأة شريكا في صياغتها وتعمل على إدماج ما يشجع النساء على الانخراط في برامج العمل وتجعل من المرأة محورا في العديد من الخطط التنفيذية .
ولكن بالرغم من كل ذلك ما تزال النساء في بعض الأحيان – ولا نعمم هنا- تواجه تصورات ذهنية على سبيل المثال حول آلية محاسبتها في حال ارتكابها لخطأ ما خارج إطار المنظومة التشريعية وخارج إطار سيادة القانون، وذلك إعلاء لمعتقدات ثقافية تم تكريسها عبر الأجيال تقع خارج إطار الدين والقانون والإنسانية ابتداء.
هذه التصورات تشترك الفئة المعنية في تكريسها أيضا وتجذيرها والمناداة بها، ما يجعل عملية التغيير والخروج من دائرة العنف هذه أصعب وأكثر تعقيدا.
كذلك الحال فيما يتعلق بمشاركة المرأة في الحياة السياسية التي تتميز بالمحدودية، ليس بسبب التشريعات وإنما لمعتقدات متجذرة أيضا بعدم قدرة المرأة على إحداث التغيير بهذا السياق. وكذلك الأمر منحها أجورا أقل على العمل ذاته مثلا.
إذ، يواجه الأفراد عموما انتهاكات وتجاوزات تتعدد وتختلف في أي دولة أو مجتمع ما؛ ولكن تبقى التحديات والانتهاكات التي تواجه فئات بعينها تحديات وانتهاكات مركبة؛ ذلك أنها لا تقتصر على عدم توفير الضمانات الكافية لممارسة هؤلاء حقوقهم على المستوى التشريعي وعلى مستوى السياسة العامة فقط، بل يمتد ضاربا جذوره في الأرض ليطال تاريخا كاملا من معتقدات وأفكار تتوارثها الأجيال لتشكل العقبة الأكبر أمام تغيير الاتجاهات العامة نحو قضية أو مسألة ما خاصة بهم.