عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Nov-2026

غزة.. حتى الفلسفة تغيّرت*محمد أبو رمان

 الدستور

أعاد مقال «نيويوركر» المنشور في 22 تشرين الأول/ أكتوبر عن مايكل والزر، بعنوان «فيلسوف الحرب يغيّر رأيه»، فتح سؤال يتجاوز صاحبه: ماذا تفعل حرب غزة بالأفكار التي قامت عليها قواعد الحروب نفسها؟ بالرغم من أنّ المقال بورتريه فكري لا وثيقة سياسية، إلاّ أنّ لحظته، بعد نحو ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، تتيح التفكير بصوت عالٍ في دلالته الفلسفية.
 
يكتب المقال جوردي غراوبيرا، وهو فيلسوف من برشلونة، حاصل على الدكتوراه من «نيو سكول» في نيويورك، وسبق أن ترشّح لرئاسة بلدية مدينته عن التيار المؤيد للاستقلال، فهو ينتمي إلى أمة بلا دولة، ويقرأ سؤال القوة من موقع من يعرف كلفة غيابها. أما والزر، صاحب «حروب عادلة وغير عادلة»، فهو يهودي أميركي يساري يقدّم نفسه صهيونياً من خارج إسرائيل، وقد ظل عقوداً المرجع الذي تُستدعى أخلاقه كلما أرادت دولة أن تقاتل بضمير.
 
بتقديري، لا تكمن أهمية المراجعة في الاعتراف بحد ذاته، بل في المكان الذي جاءت منه.
 
وصف والزر هجوم السابع من أكتوبر بأنه «مذبحة على الطراز القديم»، ودافع عن مشروعية الرد، لكنه حذّر مبكراً من حصار كامل لغزة وربما احتلالها. رأى لاحقاً، بحسب حواره مع «هآرتس»، أنّ الحرب انقلبت إلى ظلم حين ظهر مسار سياسي لهزيمة حماس وتحرير الرهائن ورفضته الحكومة الإسرائيلية، وأنّ قواعد خوض الحرب انتُهكت بأفعال بالغة الخطورة. لا يتخلى مع ذلك عن الدفاع عن دولة لليهود، ولا عن القول إنّ استخدام حماس للمدنيين غير مسبوق.
 
تتجاوز دلالة هذا التحول موقف رجل بعينه. نظرية والزر تفصل بين عدالة اللجوء إلى الحرب وعدالة إدارتها، أما أن تنقلب حرب مشروعة إلى غير مشروعة لأنّ بديلاً سياسياً صار متاحاً، فمعناه، في قراءتي، أنّ عدالة البداية ليست صكّاً دائماً، وأنّ شرط الضرورة يظل يعمل داخل الحرب لا عند بابها فقط. إذا كانت الحرب تحتاج في كل مرحلة إلى تبرير جديد، فما الذي يتبقى من الفصل الأصلي؟ المفارقة أنّ هذه النتيجة هي ما طالما قاله خصوم مدرسته، فقد رأى جيف ماكماهان أنّ الحرب على غزة غير متناسبة وغير ضرورية أخلاقياً، فيما كان والزر قد وصف التناسب بأنه «لعبة حمقى». هنا يتبدّى أثر غزة على الفلسفة، إذ انتقل السؤال من «متى يجوز أن نقاتل» إلى «متى يجب أن نتوقف». لا أخفي أنّ ثمة ما يوجع في هذا التأخر، فهو لا يُقاس بالأشهر بل بالأرواح، وأن يعترف الكبار متأخرين خير من ألا يعترفوا، لكنه عزاء لا يكفي من فقدوا بيوتهم وأبناءهم.
 
تزداد دلالة المراجعة حين تُقارن بموقف الراحل يورغن هابرماس، الذي فاجأ توقيعه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، مع ثلاثة من زملائه، على بيان «مبادئ التضامن» كثيرين ممن عرفوه فيلسوفاً لأخلاق الخطاب والاعتراف بكل الأصوات المتأثرة. رأى البيان أنّ ما تفعله إسرائيل مبرَّر من حيث المبدأ، وربط ذلك بمسؤولية ألمانيا التاريخية، واعتبر أنّ الحكم يفقد معاييره حين تُنسب إلى أفعالها نوايا إبادية، وإن ذكر في الوقت نفسه التناسب وتجنب الخسائر المدنية. ردّ أكثر من مئة أكاديمي، بينهم نانسي فريزر وآدم توز وصموئيل موين، بأنّ تضامناً لا يمتد إلى المدنيين في غزة يناقض الكرامة التي يتحدث باسمها، وذهب آصف بيات في رسالة مفتوحة إلى أنّ هابرماس لم يطبّق أفكاره نفسها على هذه الحالة.
 
المقارنة هنا تكشف طريقين مختلفين لعلاقة الفيلسوف بنظريته. والزر بدأ من داخل إطار «الحرب العادلة» ثم ترك الوقائع تضغط على تطبيقه، فبقي المبدأ وتغيّر الحكم. أما هابرماس فجعل الذاكرة التاريخية الألمانية استثناءً يعلّق، في هذه الحالة، كونية خطابه، وهو ما وصفه بعض النقاد بـ«استثناء فلسطين»، ولم يُعرف، على حد علمي، أنه تراجع علناً قبل رحيله هذا العام. في تقديري أنّ الفارق ليس في الشجاعة وحدها، بل في الجهة التي يشعر الفيلسوف بالمسؤولية أمامها: الأول أمام ما يراه، والثاني أمام ما حدث قبل ثمانين عاماً، وكلاهما محق في بعض ما يقول، لكنّ الثاني يترك الضحية الحاضرة بلا مكان في الحجة.
 
اللغة الأخلاقية تفقد قدرتها على الإقناع كلما اتسعت الفجوة بين ما تقوله وما يُرى على الشاشات. لا يعني ذلك أنّ والزر تحوّل إلى خصم لإسرائيل، لكنّ مراجعته تذكّرنا بأنّ العدالة ليست شهادة تُمنح مرة واحدة، بل مساءلة متجددة، وأنّ من لا يراجع لغته حين تتصدع، تراجعه الوقائع بقسوة أكبر.