الغد-يديعوت أحرونوت
د. ميخائيل ميلشتاين 18/10/2026
لا توجد قضية أخرى تضاهي القضية الفلسطينية، التي تُظهر مدى تضرّر نظرة الإسرائيليين إلى الواقع منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وكيف يحلّ الإدمان على الأوهام والشعارات محلّ التفكير الرصين والعميق. إنها قضية وجودية بالنسبة إلى الإسرائيليين؛ فمن جهة، تتطلب نقاشا واتخاذ قرارات صعبة، ومن جهة أخرى، تسببت في أضرار جسيمة لكل من يتعامل معها، مما دفع كثيرين في الماضي، ويدفع كثيرين اليوم، إلى التهرّب من مواجهتها.
يجري النقاش حول هذه القضية حاليا داخل فقاعة، بيننا نحن. ففي ظل وطأة صدمة مجزرة 7 تشرين الأول (أكتوبر)، التي لم تُستوعب بعد، والاقتناع بصواب مسارنا، والإيمان بأن كل انتقاد لإسرائيل ينبع من معاداة السامية والنفاق، يعتقد الإسرائيليون أن الرأي العام العالمي لا قيمة له، وأن موقف الفلسطينيين لا يعنيهم على الإطلاق.
يُظهر تحليل مواقف معظم الأحزاب من القضية الفلسطينية كيف أصبح التفكير الإسرائيلي فئويا وخاليا من أي تساؤلات جوهرية، على غرار ما كان عليه الوضع عشية 7 تشرين الأول (أكتوبر). فالأغلبية تؤيد بلا شك وجود المستوطنات في الضفة الغربية، بل وتعزيزها، كما تؤيد عمليا، وإن بتحفظات رمزية، "الثورة" التي يقودها سموتريتش نحو إقامة دولة واحدة. ويعارض الجميع تقريبا قيام دولة فلسطينية، ويؤيدون "تدمير حماس"؛ وهو مصطلح يحظى بإجماع واسع، لكنه يفتقر إلى التفاصيل المتعلقة بمضمونه العملي وكيفية تنفيذه.
تتلاشى الأسئلة المعقدة من الخطاب العام. فعلى سبيل المثال: ماذا سيحدث لثلاثة ملايين فلسطيني إذا فُرضت سيادة جزئية أو كاملة على الضفة الغربية؟ وكيف ستكون الحياة في دولة واحدة بلا حواجز بين الشعبين؟ وما معنى وجود نوعين من المواطنة في دولة واحدة، وكيف يمكن تفسير ذلك على أنه ليس فصلا عنصريا؟ وما تداعيات "حسم" السلطة الفلسطينية، في ضوء تحذيرات نتنياهو وكاتس بشأن خطر "انقلاب النوايا"، الذي ما يزال من غير الواضح ما إذا كان يستند إلى معلومات استخباراتية حقيقية؟ وماذا سيحدث للعلاقات مع العالم العربي إذا جرى الترويج لـ"الترحيل الطوعي"، وكيف يمكن تنفيذه دون ارتكاب جرائم حرب؟ وماذا سيحدث إذا لم يتحقق الدعم الذي يقدمه ترامب، والذي يسمح لإسرائيل بمواصلة سياستها الحالية في غزة والضفة الغربية، وتفاقمت الضغوط، بل وصلت إلى حد العزلة والمقاطعة الشديدة؟ وماذا سيحلّ بالمزارع و"ثورة الاستيطان" في ظل ضغوط خارجية غير مسبوقة بدأت بوادرها تلوح في الأفق، أو عندما تسعى حكومة مستقبلية إلى تطبيق سياسة مختلفة في الضفة الغربية استنادا إلى إرادة الشعب؟
يتجنّب صنّاع القرار ومعظم قوى المعارضة مناقشة هذه المعضلات، لا سيما عشية الانتخابات، ويُظهرون افتراضا ضمنيا مفاده أن الكشف عن المواقف الحقيقية، إن وُجدت أصلا، سيكون أسهل بعد الانتخابات.
في ظل خطاب خالٍ من علامات الاستفهام، يجد الإسرائيليون أنفسهم، دون وعي، أمام مفارقة غريبة: فكل من يدعو إلى نقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية، فضلا عن التفاوض بشأنها أو الحوار مع الفلسطينيين، يُوصم بالتشاؤم أو بالسذاجة، وكأنه لم يتعلّم شيئا من أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وكل من يجرؤ على الحديث عن دولة فلسطينية يُوصم بسهولة بالخيانة. من جهة أخرى، باتت أفكار إقامة دولة موحدة تمتد من البحر إلى نهر الأردن، أو الترحيل "الطوعي"، مقبولة على نطاق واسع، ويجري نقاش جاد حول الاستيطان وضم أراضٍ في لبنان وسورية، أو بناء الهيكل. ويرى كثيرون في إسرائيل اليوم أن هذه الأفكار منطقية تماما، من الناحيتين العملية والأخلاقية.
إن "الأفكار الجديدة" ليست "سياسة خارجية وأمنية مختلفة"، ولا "تصحيحا للأخطاء الاستراتيجية الماضية"، بل هي تعبير عن تحوّل ثقافي وقيمي عميق، تصاحبه فتاوى، غالبا ما تأتي في شكل أحكام شرعية، تبيح القيام بأمور كانت تُعدّ سابقا محرّمة وغير لائقة: العنف ضد من يقفون في طريق تحقيق السيادة والخلاص، بمن فيهم اليهود؛ وتصنيف الفلسطينيين بوصفهم جماعة بلا حقوق، والسماح بسرقة ممتلكاتهم، مثل محاصيل الزيتون، كما يؤكد الحاخام دوف ليئور؛ وتقديس امتلاك الأرض على حساب الحياة، بدافع الشغف بالمغامرات التي تشمل "رحلات" وتوغلات عبر الحدود وإنشاء بؤر استيطانية. وكل هذه الممارسات جزء من مشروع فئوي نابع من رؤية دينية، يُفرض على عامة الناس، وقد حصد بالفعل ضحايا، ويبدو أنه سيتسبب في مزيد من الانقسام الداخلي.
إن النموذج الثقافي المتنامي في الضفة الغربية، الذي تحوّل إلى نمط سياسي مشبع بالدلالات المسيحانية، وإلى قومية متشددة من النوع الذي جلب الدمار لليهود، يتجاوز الخط الأخضر ويغيّر صورة إسرائيل تدريجيا. وتتجلى مظاهره الضارة في العنف الشديد ضد الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون، والذي بلغ ذروته خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع الهجوم على مصوّر صحيفة "واشنطن بوست" ووفود دبلوماسية أوروبية قرب رام الله. وكما هو متوقع، أثارت هذه الأحداث إدانات شديدة، وعزّزت الشعور العالمي بأن إسرائيل تفقد بصيرتها الاستراتيجية وطابعها المألوف، وتتحوّل إلى كيان متطرف وعنيف ومثير للقلق.
وتُبرز الصورة التي تتبلور الضرر البالغ الناجم عن التقاعس عن التحقيق في حادثة 7 تشرين الأول (أكتوبر)، لا في سياق تحديد الجناة وأوجه القصور فحسب، بل أيضا في سياق معالجة الصدمة الجماعية. وعن قصد، تُزرع مشاعر الخوف والانتقام والطاعة، ممزوجة بأوهام القوة المطلقة وحرية التصرّف، وبالاعتقاد بضعف الأعداء وقرب زوالهم، وبالقدرة على البقاء بالاعتماد على الذات، وفق روح إسبرطة الجديدة، وبالتفاؤل بقيادات تدّعي الصواب، إلى جانب التحذيرات من مؤامرات خبيثة وخيانات داخلية.
إن القطار الإسرائيلي يسير بأقصى سرعة، وبوعي تام، نحو الهاوية، ويشكّل الموقف من القضية الفلسطينية، الذي يتسم باللامبالاة من جهة وبالأوهام الضارة من جهة أخرى، الوقود الذي يغذّي هذا المسار. ويجب أن يكون هذا التسارع نحو الكارثة مفهوما للمواطنين. وهذا أيضا، وربما على وجه الخصوص، ما ينبغي أن تتمحور حوله الانتخابات.