الرأي -
في الثلث الأخير من العام الماضي وقّعت المملكة العربية السعودية وباكستان اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، حينها بدا الأمر وكأنه لحظة تاريخية في معادلات الأمن الإقليمي، فقد نصت الاتفاقية على مبدأ واضح: أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداء على الأخرى، بما يشبه مبدأ الدفاع الجماعي في التحالفات العسكرية الكبرى، و لم يكن هذا النص مجرد صيغة قانونية، بل حمل في طياته احتمال تشكيل محور عسكري أمني جديد يقوم على التزاوج بين أكبر ثقل مالي عربي وصاحبة القنبلة النووية الإسلامية.
وفي قراءة هذا الحدث المفصلي، قرأ كثير من المختصين أن الاتفاقية تتجاوز إطار التعاون العسكري التقليدي بين الرياض وإسلام آباد، فالسعودية تمتلك الموارد المالية الهائلة والنفوذ السياسي في العالمين العربي والإسلامي، وهي قوة نفوذ دولية أيضاً، بينما تمتلك باكستان القوة العسكرية الكبيرة والقنبلة النووية الإسلامية الوحيدة حتى الآن، وهذه المعادلة كانت كفيلة، على المستوى النظري، بإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وربما بخلق مظلة ردع جديدة في مواجهة إيران وإسرائيل معاً، خصوصاً وأن بعض التصريحات لمسؤولين باكستانيين تحدثت عن إمكانية وضع القدرات النووية الباكستانية في خدمة أمن السعودية إذا اقتضت الضرورة.
نجاح تفعيل هذه الاتفاقية كان سيضع المنطقة أمام مشهد استراتيجي مختلف تماماً، وكان سيؤدي إلى إعادة ترتيب علاقات القوى الكبرى في المنطقة، حيث ستشكل الاتفاقية نواة لتحالف أوسع يضم دولاً سنية رئيسة مثل تركيا ومصر، وهو ما كان سيخلق لأول مرة إطاراً عسكرياً أمنياً إقليمياً قادراً على موازنة النفوذ الإيراني والإسرائيلي في الوقت نفسه.
لكن الواقع فرض معادلات لم تكن متوقعة وجعلته أكثر تعقيداً، فمع اندلاع الحرب ضد إيران، وقيام إيران باستهداف الدول الخليجية بما فيها السعودية، ظلت باكستان صامتة ولم تتدخل عسكرياً للدفاع عن المملكة العربية السعودية، ورغم تصريحات التضامن التي أطلقها المسؤولون الباكستانيون، لكن ذلك بقي في إطار التصريحات والتحذيرات الدبلوماسية.
يبدو أن تعقيدات الواقع الجيوسياسي الذي تواجهه باكستان كانت سبباً في التحرك العسكري الباكستاني، فباكستان ليست قوة حرة الحركة في الشرق الأوسط، بل هي دولة مثقلة بحسابات داخلية وخارجية معقدة، فداخل باكستان يوجد مجتمع شيعي كبير، ويبدو أن باكستان لا ترغب في فتح جبهة جديدة مع إيران وهي تواجه تحديات أمنية على حدودها مع أفغانستان، كما أن باكستان تعتمد اقتصادياً على علاقات متوازنة مع الخليج وإيران معاً، وهي لا تريد أن تبدو وكأنها تدخل حرباً بالوكالة في صراع إقليمي واسع.
غياب الدور العسكري لباكستان في هذه اللحظة المفصلية يحول الاتفاقية مع السعودية إلى اتفاقية ردع سياسي وليست اتفاقية تحالف عسكري قابل للتفعيل الفوري، وهو ما يعني أن الاتفاقية وجدت لتكون أداة لرفع مستوى التنسيق العسكري وتعزيز الردع المشترك أكثر من كونه التزاماً قتالياً مباشراً.
الحرب الحالية كانت اختباراً لمصداقية الاتفاقية وقدرة باكستان على تفعيلها في ظل هجمات مباشرة على السعودية، لأن عدم تفعيل الاتفاقية في هذه اللحظات هو ما يحولها فعلياً إلى حبر على ورق، أو على الأقل إلى تحالف رمزي أكثر منه عملياً.
ورغم أنه يمكن قراءة المشهد على أنه عملية دفن للاتفاقية تحت أنقاض الصواريخ والمسيرات التي تهز المنطقة، لكن ذلك قد لا يكون المشهد النهائي، حيث يمكن تطوير الاتفاقية لتمتلك إطاراً مؤسسياً أوسع للتعاون العسكري، ورغم أن فكرة إقامة حلف سني عسكري واسع يضم السعودية وباكستان وتركيا ومصر تبدو اليوم أكثر صعوبة، ولكن يمكن لإسلام آباد إعادة تعريف دورها العسكري في الشرق الأوسط بطريقة متوازنة، لتعود من جديد شريكاً أمنياً مهماً للمنطقة.