عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jul-2026

سرد تنقذه العاطفة ويربكه الوعظ.. قراءة في رواية "تنهيدة حرية"

 الغد-صالح حمدوني

 تتقاطع في رواية "تنهيدة حرّية" سيرتان عائليتان فلسطينيتان-أردنيتان عبر ثلاثة أجيال: جيل النكبة (سلمى، وآمنة)، وجيل الوسط الذي عاش التهجير الثاني وتبعاته الاجتماعية (ميرا ووالدتها، وسامي وزوجاته، وغادة وبتول)، وجيل الأحفاد الوارث للجرح دون معايشة حادثته المباشرة (إيناس، وولاء، ووطن، وخالد، ورنا). 
 
 
وتقوم الرواية، الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية 2025، على مفارقة يفصح عنها العنوان نفسه؛ إذ ترمز "تنهيدة" إلى الزفرة القصيرة العابرة، بينما ترمز "حرّية" إلى أفق بعيد منشود، فكأنما الحرية في هذا العالم الروائي لا تُعاش إلا لحظةً ثم تنقضي.
وتقدّم رواية "تنهيدة حرّية" للروائية الفلسطينية رولا خالد غانم نموذجا للرواية العربية المعاصرة التي تجمع بين الذاكرة الجمعية الفلسطينية والذاكرة الفردية النسوية، عبر بنية متوازية الخيوط، ولغة تتراوح بين الغنائية الشعرية والواقعية الحوارية، وتقنيات سردية تخدم فكرة مركزية: أن الحرية -الوطنية والاجتماعية والعاطفية معاً- تظل حُلماً يُتنفَّس لحظياً أكثر مما يُعاش كاملاً. ويُسجَّل للعمل طموحه البنيوي في الجمع بين السيرة العائلية والرواية التاريخية والنسوية، وكثافة رموزه وصوره، وتعدد أصواته النسائية غير النمطية. كما يكشف عن مشروع روائي واعٍ يمنح المأساة الفردية النسوية عمقها من خلال ربطها بالمأساة الوطنية الجماعية، وهي أطروحة تمنح الرواية بُعدها الأخلاقي والفني معاً.
تنبني الرواية على خيطين عائليين يلتقيان لاحقاً عبر القرابة والمصاهرة: خيط سلمى (اللاجئة من يافا إلى غزة فرفح) وحفيداتها ميرا وإيناس ووطن وولاء، وخيط آمنة (الجدة في حي شعبي بعمّان) وابنها سامي متعدد الزوجات، وأحفاده بتول وغادة وخالد. هذا التوازي البنيوي هو المعادل الشكلي لفكرة الرواية الأساسية: أن معاناة المرأة الفلسطينية تتكرر بصيغ مختلفة عبر بيوت مختلفة؛ فالنكبة السياسية (تهجير سلمى) تقابلها "نكبة" اجتماعية داخلية (تفكك أسرة آمنة بفعل تعدد الزوجات والقهر الذكوري).
يحمل كل فصل عنواناً مجازياً كثيفاً ذا طابع استفهامي أو تهكمي (لكنها لم تلد صبياً؟!، كأن أمّك لا تحبّك، متزوج يسعى للزواج، إنّ للحرية صوتاً لا يسمعه العبيد)، ويشتغل كوحدة قصصية شبه مكتملة تتصل بالكل عبر الشخصيات والاسترجاعات، فتتشكل بنية الحكايات المتوالدة؛ حيث الحاضر يستدعي الماضي (سلمى تروي النكبة لحفيداتها)، والماضي يفسّر الحاضر (قسوة آمنة تُفسَّر بيتمها المبكر).
وفي مسألة الزمن الروائي، يُوظَّف الحاضر السردي (جلسات العائلة، عودة بتول إلى بيت خليل) كمناسبة دائمة لاستدعاء الماضي عبر الحوار، فتصبح الذاكرة الشفوية ذاتها موضوعاً للسرد لا مجرد أداة له. ويتكرر مصير الحرمان من الأمومة، ونمط الرجل الظالم المدعوم من أمّه، واستخدام الرسائل (رسائل بتول لحمزة، ورسائل عائد لسلمى)، فتنشأ بنية حلزونية تعيد إنتاج المحنة نفسها، إلى أن ينكسر النمط في الخاتمة (خروج حمزة وزواجه من بتول) في تحوّل من الدائرية المأساوية إلى خط صاعد نحو الانفراج، يُتوَّج بخاتمة رقمية-تعدادية لافتة (رسالة رقم واحد... رسالة رقم مئة) تجسّد تراكم الزمن والانتظار بصرياً.
ويغلب على الأسلوب حشد الصور البلاغية والتشبيهات المتلاحقة في الجملة الواحدة أحياناً حتى تتزاحم (تشبيه المرأة بالعصفورة والغزالة والنسيم معاً)، في أسلوب يقترب من النزعة الرومانسية-الوجدانية العربية التقليدية (أسلوب المنفلوطي وجبران في الوصف العاطفي). وقد يُنظر إلى هذا التكديس إما بوصفه إسرافاً بلاغياً يُثقل تدفق السرد، أو انسجاماً مع الطابع الغنائي العام الذي تتخلله القصائد.
كما يتكرر أسلوب "جملة الحِكْمة" الخاتمة للفقرة أو المعلِّقة على الحدث (الحياة لا تمنح الإنسان كل ما يشتهي)، وهو ما يقرّب النص من تقاليد الحكاية الشعبية التي تستخلص العبرة إضافة إلى السرد، مما يعزز الطابع الشفهي-التعليمي في الرواية. ويتصل بهذا الأسلوب الوعظي-الخطابي ميلٌ إلى تحويل بعض الحوارات إلى خطاب تقريري مباشر (حوارات نادية وإسراء حول الطلاق وتعدد الزوجات)، بحيث تتحول الشخصية أحياناً إلى بوق لفكرة، فتقترب الرواية من نمط الرواية ذات النزعة الإصلاحية-الاجتماعية.
ورغم القيمة العاطفية والوطنية التي يحملها النص، فإن قراءة فاحصة تكشف عن ثغرات وهنات أثّرت في تماسك النص وفنيّته؛ مثل طغيان الخطابية والمباشرة (أدب الوعظ والتنمية البشرية)، حيث تخلّى السرد في مواضع عدة عن لغته الإيحائية وشعريته لصالح الخطاب التحفيزي المباشر. ويظهر هذا بوضوح عند استدعاء الكاتبة لمقولات التنمية البشرية لـ"جيم رون" بشكل حرفي داخل المتن الروائي، ولصق لافتات تحفيزية على جدران المعهد مثل: "أنا لست نتاج ظروفي، إنما أنا نتاج قراراتي" و"الرياح قدر من الله، وتوجيه الشراع من عمل يديك".
وفي الرواية الحديثة، تظهر التحولات النفسية للشخصية من خلال سلوكها الدرامي وضمن السياق الحكائي، لا عبر التلقين المباشر واقتباس الحِكم الجاهزة، الأمر الذي جعل النص يقترب من أدبيات التنمية البشرية على حساب الفن التخييلي.
كما يعاني النص بنيوياً استسهال حسم الصراعات الكبرى والمعقدة، واللجوء إلى حلول مفاجئة ومجهزة مسبقاً لخدمة رغبة الكاتبة في الوصول إلى نهاية سعيدة. فيُقدّم النص فكرة الرفض المجتمعي للمرأة المطلقة التي تعيل أربع بنات كجدار صلد يعوق ارتباطها بمناضل عزب كـ"حمزة"؛ إذ ثارت والدته وأقامت زوبعة لا نهاية لها، وهي أزمة اجتماعية عميقة في المجتمعات التقليدية. ومع ذلك، تُحسم هذه الأزمة سريعاً جداً وفي بضعة أسطر عبر حوار تبسيطي تقوده الشقيقة "حسناء" لإقناع الأم بقصص واقعية، لتتحول الأم فجأة من المتعنتة إلى الخاضعة الراضية التي تذهب لطلب يد بتول! هذا الحسم الجاهز والسريع يفرغ الصراع الدرامي من قيمته وتوتره الفني، ويجعل التحول يبدو مصطنعاً وغير مقنع بمقاييس التطور المنطقي للشخصيات.
إن الحبكة الروائية المتماسكة تُبنى على سببية منطقية (حدث يؤدي إلى حدث)، لكن النص هنا يتكئ على المصادفات البحتة لتحريك دفة الحكاية وتصفية حسابات الماضي. ويمثل ذروة الاتكاء على الصدفة ظهور الأم "سلمى" فجأة عبر رسالة "فيسبوك" من حساب مستعار باسم "قلب بلا وطن" بعد سنوات طويلة من الغياب والموت المفترض، ثم اكتشاف أنها تزوجت ثرياً وأنجبت ولداً (عائد) تنازل بطيب خاطر وبمقايضة عاطفية عن ثروته وأملاكه في "حي عبدون" لصالح بتول وبناتها وغادة وخالد.
إن تدخّل الكاتبة بأسلوب القدر الروائي الصانع للمعجزات المادية لحل مشاكل البطلة دفعة واحدة يعكس ضعفاً في البناء الهندسي للحبكة؛ حيث جُلب الغفران العاطفي والرفاه المادي عبر مصادفات خارجية خارقة للعادة بدلاً من الصيرورة الدرامية الطبيعية.
تفتقر بعض الشخصيات كذلك إلى العمق والرمادية، إذ قُسِّمت وفق ثنائية أخلاقية حادة وصارمة (الأطهار مقابل الأشرار)؛ فشخصيات مثل: حمزة، وبتول، ووفاء، وإسراء يمثّلون النقاء والوعي والصلابة المطلقة، بينما يمثل آخرون (هشام، ويوسف، ومريم في الأجزاء السابقة) كتلاً من الشر والظلم والجشع.
إن الشخصيات النمطية تُضعف واقعية الرواية؛ فالإنسان بطبيعته يحمل مزيجاً من الهشاشة والقوة، والخير والشر. وإن غياب الأبعاد الرمادية يحوّل الشخصيات إلى مجرد أدوات لتمرير أفكار الكاتبة بدلاً من كونها نماذج إنسانية حية.
ختاماً، نجحت رواية "تنهيدة حرية" في توظيف شحنة عاطفية ووطنية عالية، واستطاعت عبر مشهدية استقبال الأسير وحضور طقوس الفرح الفلسطينية أن تخلق حالة من التلاحم الوجداني مع القارئ، وإن كانت الكاتبة قد انحازت لرغبتها الشخصية في إسعاد أبطالها وتعويضهم على حساب القوانين الفنية الحاكمة لمنطق الحبكة السردية وعمق الصراع الإنساني.