الغد
في (فبراير) 2025، وقفت أورسولا فون دير لايين على منصة قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي في باريس لتُعلن عن طموح أوروبا في أن تصبح "قارة الذكاء الاصطناعي الأولى". بعد أكثر من عام، غرّدت بثقة مطلقة: "الذكاء الاصطناعي هو أهم تقنية في عصرنا. أوروبا تريد أن تكون القارة الأولى للذكاء الاصطناعي... مصانع الذكاء الاصطناعي العملاقة الأوروبية ستوفر القدرة الحاسوبية اللازمة لتحقيق ذلك. نموّل بناءها بالتعاون مع الدول الأعضاء بما يصل إلى عشرة مليارات يورو، وهو ما سيُطلق عشرين مليار يورو إضافية من الاستثمار الخاص. معاً، نبني سيادتنا التكنولوجية". تغريدة واثقة، محكمة الصياغة، تحمل كل مواصفات الخطاب السياسي التقليدي الذي أتقنته أجيال من الساسة عبر عقود: جملة حماسية، رقم كبير الشكل، ووعد بالريادة. المشكلة أن هذا النوع من الخطاب صيغ لعالم أبطأ وأبسط بكثير من العالم الذي يتحدث عنه فعلياً.
عشرة مليارات يورو رقم يبدو ضخماً على منصة تويتر وفي نشرات الأخبار المسائية، لكن أي شخص يملك إلماماً أساسياً بحجم الاستثمار الفعلي في هذا القطاع يعرف أن هذا الرقم أقرب إلى فكة الجيب منه إلى إستراتيجية قارية. شركات التقنية الكبرى وحدها ضخت أكثر من تريليون دولار في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية منذ عام 2023، أي ما يقارب مائة ضعف ما تتحدث عنه المفوضية الأوروبية. مشروع "ستارغيت" التابع لشركة OpenAI وحده يتجاوز نصف تريليون دولار. وشركات التشغيل السحابي الكبرى تخصص فرادى، كل واحدة منها على حدة، ما يقارب مائة وثمانين مليار دولار لعام 2026 وحده. عشرة مليارات يورو في مواجهة هذه الأرقام ليست إستراتيجية طموحة، بل نكتة اقتصادية لا تحتاج إلى خبير اقتصادي لإدراكها، بل حسبة بسيطة بمعدل الصف السادس الابتدائي.
ثم يأتي التناقض الأكثر إثارة للسخرية: الحديث عن "السيادة التكنولوجية" بينما توقّع بروكسل في الوقت ذاته اتفاقيات توريد رقائق مع Nvidia وAMD وQualcomm، وجميعها شركات أميركية بامتياز. كيف يمكن لمشروع يُبنى بالكامل على رقائق أميركية أن يُوصف بأنه "سيادة تكنولوجية"؟ هذا ليس تفصيلاً هامشياً يمكن تجاهله، بل يضرب جوهر الادعاء ذاته في الصميم. السيادة التي تُبنى فوق بنية تحتية يملكها ويتحكم بها طرف آخر ليست سيادة، بل استئجار طويل الأمد بواجهة قومية. وهذا بالتحديد نوع التناقض الذي يقع فيه من اعتاد صياغة الخطاب السياسي بمعزل عن الفهم التقني العميق لما يتحدث عنه.
اللافت أن هذا التناقض لم يمر دون ملاحظة. تغريدة فون دير لايين تحولت إلى مادة للسخرية على نطاق واسع على منصة "إكس"، حيث لم يتردد عدد كبير من المستخدمين في تفكيك الأرقام والتعليق عليها بلهجة لاذعة. حين تتحول تغريدة رسمية لرئيسة المفوضية الأوروبية إلى مادة تندر جماعي، فهذا مؤشر دال بحد ذاته على المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع الرقمي البسيط الذي يمكن لأي متابع مهتم أن يتحقق منه في دقائق.
هذه ليست حالة معزولة، بل عيّنة من ظاهرة أوسع وأكثر خطورة: صنّاع القرار حول العالم يتخذون قرارات مصيرية بشأن تقنية لا يفهمون أبعادها التقنية أو الاقتصادية الحقيقية، ويعوّضون هذا الفهم الناقص بخطاب حماسي يصلح للمؤتمرات الصحفية أكثر مما يصلح لصياغة سياسة صناعية جادة. فون دير لايين هنا ليست استثناءً بقدر ما هي نموذج نمطي لجيل كامل من القادة السياسيين الذين صعدوا عبر عقود من إتقان لعبة السياسة التقليدية: التحالفات، والخطاب المصقول، وإدارة الرأي العام بحذر محسوب. هذه المهارات خدمتهم جيداً في عالم تُقاس فيه القوة بالنفوذ الدبلوماسي وحجم الموازنات الحكومية التقليدية. لكنها تصطدم اليوم بعالم تُقاس فيه القوة الفعلية بالقدرة الحاسوبية وسلاسل توريد الرقائق وتريليونات الدولارات التي يضخها القطاع الخاص بسرعة تفوق قدرة أي حكومة تقليدية على المجاراة، ناهيك عن الفهم.
هذا النمط يتكرر بأشكال مختلفة في عواصم عديدة حول العالم: إعلانات ضخمة الصياغة، أرقام مبهرة إعلامياً لكنها هزيلة مقارنة بحجم المنافسة الفعلية، ووعود بـ"الريادة" أو "السيادة" مبنية على فهم سطحي لتعقيد سلاسل التوريد التقنية العالمية، من الرقائق إلى الطاقة إلى الكفاءات البشرية المتخصصة. المشترك بين هذه الحالات هو أن الخطاب السياسي يتحرك بسرعة أكبر بكثير من الفهم التقني الذي يفترض أن يستند إليه، والنتيجة سياسات تبدو طموحة على الورق وهزيلة حين تُقاس بمعايير من يعمل فعلياً في هذا القطاع.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذا النوع من الخطاب لا يخدع الخبراء وحدهم، بل لا يخدع حتى صاحب الإلمام البسيط بالقطاع، فحسبة الفارق بين عشرة مليارات وتريليون دولار لا تحتاج معرفة متخصصة، بل حاسبة هاتف وخمس دقائق من البحث. من يُخدع فعلياً هو الرأي العام الذي يستهلك عناوين الأخبار دون تفاصيلها.
وربما هذه هي المفارقة الأعمق في كل القصة: الذكاء الاصطناعي، هذه التقنية ذاتها التي يحاول هؤلاء الساسة ركوب موجتها بخطاب فضفاض، هي ما سيعيد تعريف قواعد اللعبة السياسية نفسها. جيل كامل من القادة الذين بنوا مسيرتهم عبر عقود على مهارات الخطابة والتحالفات التقليدية وإدارة الرأي العام، يجد نفسه اليوم أمام تقنية لا ترحم الفجوة بين الخطاب والفهم الحقيقي. من لا يملك إلماماً حقيقياً بأبعاد هذه الثورة، مهما علا شأنه السياسي وعراقة خبرته التقليدية، مرشح ليصبح شخصية عابرة تجاوزها العصر، لا لأنه فقد شعبيته، بل لأن العالم الذي يقوده لم يعد يعمل بالمنطق الذي أتقنه طوال حياته المهنية.