الغد
بدت الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وكأنها دخلت مرحلة تصعيد جديدة، بعدما هدّد دونالد ترامب بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح الجمهورية الإسلامية مضيق هرمز خلال 48 ساعة.
وقال الرئيس الأميركي إن القوات الأميركية ستقوم بـ"ضرب وتدمير" محطات الطاقة الإيرانية، "بدءًا من الأكبر"، إذا لم تسمح طهران بمرور السفن عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي المغلق، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم، بسحسب موقع فايننشال تايمز.
إيران، التي تسببت بالفعل في اضطراب كبير بإمدادات النفط والغاز من خلال مهاجمة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، حذّرت من أنها سترد على أي ضربات من هذا النوع عبر استهداف بنى تحتية حيوية في المنطقة، بما في ذلك منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه.
وجاء تهديد ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال" مساء السبت، بعد أن اخترق صاروخ إيراني الدفاعات الجوية الإسرائيلية ليصيب مدينة ديمونا قرب مركز الأبحاث النووية الإسرائيلي ومفاعل المياه الثقيلة. وبعد ساعات قليلة، استهدفت دفعة ثانية بلدة عراد القريبة، ما ألحق أضرارًا كبيرة بعدة مبانٍ سكنية متعددة الطوابق.
وأصابت الضربات أكثر من 150 شخصًا، ثمانية منهم بجروح خطيرة، في واحدة من أعنف الهجمات التي شهدتها إسرائيل منذ بدء الحرب قبل أكثر من ثلاثة أسابيع. وقالت السلطات الإسرائيلية إن الضربة الثانية استخدمت رأسًا حربيًا أثقل.
وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إن الحرب، التي تدخل أسبوعها الرابع، وصلت إلى "منتصف الطريق"، وستستمر خلال عيد الفصح اليهودي الذي يبدأ مطلع الشهر المقبل. فيما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الولايات المتحدة وإسرائيل "ستكثفان" و"تزيدان بشكل كبير" ضرباتهما على إيران خلال الأسبوع المقبل.
وقال علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية إن الصراع دخل "المرحلة التالية من التصعيد"، مضيفًا: "لم يُظهر أي من الطرفين استعدادًا للتراجع، وقد يتدهور الوضع أكثر بكثير". وتابع: "استهداف البنية التحتية سيؤدي إلى تدمير واسع النطاق في المنطقة بعواقب كارثية".
وأطلقت إيران الهجوم على ديمونا بعد أن اتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب منشأة نطنز النووية، في مؤشر على أنها تنفذ تهديدها بالرد عبر استهداف مواقع مماثلة. وتُعد إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك سلاحًا نوويًا، رغم أنها لا تعترف بذلك رسميًا.
وبعد تهديد ترامب بقصف محطات الطاقة الإيرانية، حذر مسؤولون عسكريون وسياسيون إيرانيون من أن النظام سيستهدف البنية التحتية للطاقة في أنحاء المنطقة، إضافة إلى محطات تحلية المياه التي تعتمد عليها العديد من دول الخلي
وقال محمد باقر قاليباف، أحد أبرز قادة إيران في زمن الحرب، في منشور على منصة "إكس": "فور استهداف كهرباء بلادنا وبنيتنا التحتية، سنعتبر البنى التحتية الحيوية، إضافة إلى منشآت الطاقة والنفط في المنطقة، أهدافًا مشروعة وسندمرها بشكل لا رجعة فيه".
ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا آلاف الضربات على إيران، أظهر النظام أنه لا يزال يمتلك القدرة على تنفيذ هجمات مدمرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد جيرانه.
فبعد أن استهدفت إسرائيل منشآت الطاقة في مجمع "جنوب فارس" الحيوي للغاز الأسبوع الماضي، ردت إيران بسرعة بهجوم صاروخي تسبب بأضرار واسعة في منشآت الغاز الطبيعي المسال الرئيسية في قطر، والتي قد تستغرق إصلاحها ما يصل إلى خمس سنوات.
وشملت الهجمات على مجمع رأس لفان التابع لشركة "قطر للطاقة" صواريخ متطورة قادرة على المناورة وتفادي أنظمة الدفاع الجوي "باتريوت" الأميركية، بحسب مسؤول مطّلع على الهجوم.
كما استهدفت إيران محطة لتحلية المياه في البحرين هذا الشهر، بعد أن اتهمت إسرائيل بقصف منشأة مماثلة داخل إيران.
وقالت المملكة المتحدة إن إيران أطلقت يوم السبت صاروخين باتجاه قاعدة أميركية-بريطانية في دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، على بعد نحو 4000 كيلومتر من إيران، ما يشير إلى قدرتها على الضرب على مدى أبعد مما كان متوقعًا.
لكن الصاروخين لم يصلا إلى القاعدة، إذ فشل أحدهما أثناء الطيران وأسقطت سفينة حربية أميركية الآخر، وفق مسؤولين بريطانيين.
وقد أدت قدرة إيران على إبطاء حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب الهجمات على منشآت الطاقة في الخليج الغني بالنفط، إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، وإطلاق تحذيرات من أسوأ أزمة طاقة عالمية منذ عقود.
وقال علاء الدين بروجردي، عضو بارز في البرلمان الإيراني، للتلفزيون الرسمي يوم الأحد إن أي سفينة تعبر المضيق تدفع رسومًا قدرها مليونا دولار، مضيفًا: "يتم تطبيق نظام جديد في هذا الممر المائي".
وذكرت شركة "لويدز ليست إنتليجنس" الأسبوع الماضي أن إحدى شركات تشغيل الناقلات دفعت مليوني دولار مقابل المرور الآمن عبر المضيق.
وقال الأدميرال برادلي كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، إن البحرية الإيرانية "لم تعد تبحر"، وإن "قدرات إيران القتالية تتراجع بشكل مستمر مع تصاعد ضرباتنا الهجومية". وقد أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون مرارًا أن قدرات إيران الصاروخية تضررت بشدة.
لكن نيل روبرتس، رئيس قسم الملاحة والطيران في رابطة سوق لويدز، قال إن غالبية قادة السفن ومالكيها ما زالوا يرون أن المخاطر على سلامة الطواقم والسفن مرتفعة جدًا للعبور عبر المضيق.
وقال واعظ إن حتى لو قررت الولايات المتحدة السيطرة على جزر إيرانية لفتح المضيق أو دمرت البنية التحتية المدنية، فإن النظام الإيراني "سيحتفظ بقدرته على الرد بطريقة تنقل الصراع إلى الاقتصاد العالمي".
وأضاف: "هذا يعود إلى حرب إيران والعراق في الثمانينيات، حيث يقف آلاف الأشخاص على استعداد للقتال، ضمن خطط طوارئ تم تطويرها على مدى عقود... وعندما يتعلق الأمر بالمضيق، فهذه ليست ردود أفعال عشوائية، بل خطط جاهزة احتفظت بها طهران لنحو 40 عامًا".
وقال مجيد موسوي، رئيس قطاع الطيران في الحرس الثوري الإيراني، إن "التكتيكات وأنظمة الإطلاق الجديدة" في البلاد ستُحدث صدمة كبيرة للولايات المتحدة وإسرائيل.
من جهته، قال إسفنديار بطمَنغليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "بورصة وبازار"، إنه إذا قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب محطات الطاقة الإيرانية، التي يبلغ عددها المئات، وتسببت بأضرار كبيرة، فإن ذلك "سيقيد الإنتاج الاقتصادي الإيراني لسنوات".
لكنه أضاف: "لا أرى كيف سيؤثر ذلك على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية على المدى القصير... وعلى المدى المتوسط، قد يكون هناك تأثير على الإنتاج الدفاعي، لكن لا يزال لدى إيران وقت للاستفادة من مخزوناتها".