"أغان لها حكايات".. حين تتحول الأغنية إلى ذاكرة وطنية وعاطفية
الغد
عزيزة علي
في أمسية ثقافية امتزجت فيها الموسيقى بالذاكرة والحنين، أعاد الكاتب والباحث في التراث الأردني نبيل عماري، الجمهور إلى زمن الأغنية العربية الأصيلة، من خلال محاضرة بعنوان "أغانٍ لها حكايات"، التي نظّمتها اللجنة الثقافية في منتدى الرواد الكبار، بحضور نخبة من المهتمين بالشأن الثقافي والفني.
وتناولت المحاضرة التي أدارتها مديرة دائرة المنوعات والفن في جريدة الدستور الزميلة الصحفية رنا حداد، القصص والظروف الإنسانية والفنية التي رافقت ولادة عدد من الأغاني العربية الخالدة، والتي ما تزال حاضرة في وجدان الناس رغم مرور عقود على إنتاجها، لما تحمله من كلمات عميقة وألحان راسخة في الذاكرة.
كما استعرض عماري حكايات ارتبطت بأغانٍ لكبار الفنانين العرب، مبيناً كيف أسهمت الصدفة أحياناً، أو المواقف الشخصية والوطنية أحياناً أخرى، في خروج هذه الأعمال إلى النور وتحولها إلى جزء من ذاكرة الأجيال.
وأكد عماري خلال المحاضرة أن الأغنية العربية القديمة لم تكن مجرد لحن أو كلمات، بل كانت حالة وجدانية متكاملة تعبّر عن الإنسان العربي وهمومه وأحلامه وحنينه، وهو ما منحها القدرة على البقاء والاستمرار حتى يومنا هذا، وجعل الجمهور يعود إليها باستمرار ليستحضر من خلالها تفاصيل زمن جميل لا يزال يسكن الذاكرة.
قال نبيل عماري: لنرحل إلى ذلك الزمن الجميل؛ زمن الكلمة الرصينة واللحن الذي يتسلل إلى حنايا القلب، والأصوات العذبة التي ما تزال راسخة في الذاكرة العاطفية والوطنية. تلك هي أغاني الزمن الذهبي التي رددناها آناء الليل وأطراف النهار، وطربنا لها، فرسمت الابتسامة على شفاهنا، أو جعلت الدموع تنهمر من مآقينا، أو ألهبت أكفّنا بالتصفيق الحادّ، ولا سيما أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية وفيروز ووديع الصافي ونجاة الصغيرة وتوفيق النمري وعبده موسى وإسماعيل خضر وغيرهم.
وأضاف المحاضر أن تلك الأغاني كانت ترافق الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، وتجعلهم يغرقون في نوم هادئ وهم يحتضنون أجهزة الراديو "الترانزستور أبو جلدة"، خاصة عند الخلود إلى النوم أو عند افتراش أسطح المنازل في ليالي الصيف الحارة، مؤكداً أن ذلك الزمن يحمل خصوصية لا نجدها اليوم.
وأشار عماري إلى أن كتابه "نغم وحكاية"، جاء بعد رحلة بحث في الكتب ومحركات البحث واللقاءات التلفزيونية، ليوثق القصص والحكايات والأحداث التي رافقت ولادة العديد من الأغاني الخالدة، ومنها أغنية فيروز "شوارع القدس العتيقة" التي تقول كلماتها: "مريت بالشوارع، شوارع القدس العتيقة، قدام الدكاكين، البقيت من فلسطين، حكينا سوا الخبرية/ وعطوني مزهرية/ قالوا لي: هيدي هدية/من الناس الناطرين/ أوقف عباب بواب/ صارت وصرنا صحاب/ وعينيهن الحزينة/ من طاقة المدينة/ تاخدني وتوديني/بغربة العذاب".
كما تناول المحاضر عدداً من الأغاني الخالدة التي ارتبطت بحكايات وقصص مميزة، ومنها أغنية "مرحى لمدرعاتنا"، للفنان الأردني توفيق النمري، التي يقول مطلعها: "مرحى لمدرعاتنا/ رمز القوة لبلادنا/ إن نزلت للميدان/ تحمينا من العدوان/ وتخلي النصر بجالنا/ مرحى .. مرحى .. مرحى/مرحى لمدرعاتنا/ دبابات الجنزير/ مدفعها عيارو كبير/ عالعدو لما تغير/ يتشندل تحت قدامنا/ مرحى .. مرحى .. مرحى/ مرحى لمدرعاتنا".
وأشار عماري إلى أن هناك العديد من الأغاني التي تحمل خلفها قصصاً وحكايات لا تزال حاضرة في الذاكرة العربية، من بينها: "الحب اللي كان، ولأكتب اسمك يا بلادي، والطير المسافر، والبوسطجية اشتكوا، وسواح، وع الحلوة والمرة، وع الضيعة، ويا واحشني رد عليّ، وزوزوني، ولوحي بطرف المنديلي، وأغداً ألقاك، وسهار بعد سهار، وعدوية، وسمرا يا أم عيون وساع، وميحانة، وأرخت عمان جدائلها، والبنت الشلبية، ووشايف البحر شو كبير، وغيرها من الأغنيات التي شكّلت وجدان أجيال متعاقبة".
ومن الأغاني التي توقف عندها المحاضر، أغنية "أرخت عمان جدائلها" بصوت نجاة الصغيرة، والتي تُعد من الأغنيات التي تغنّت بجمال العاصمة عمّان وعراقتها وروحها العربية الأصيلة، إذ تقول كلماتها: "أرخَتْ عمّانُ جدائلَها فوق الكتفين/ فاهتزَّ المجدُ وقبَّلها بين العينين/ باركْ يا مجدُ منازلَها والأحبابا/وازرعْ بالوردِ مداخلَها باباً بابا/ عمّانُ اختالي بجمالِكْ../ وازدادي تيهاً بدلالِكْ../ يا فرساً لا تثنيه الريحُ/سَلِمْتِ لعَيْنَيْ خيّالِكْ../ يا رمحاً عربيَّ القامةْ/ قُرَشِيَّ الحدّْ../ زَهِّرْ إيماناً وشهامةْ/ واكبرْ واشتدّْ../ وانشرْ يا مجدُ براءَتَها فوقَ الأطفالْ/ لبستْ عمَّانُ عباءَتَها وزَهَتْ بالشالْ../ عمان اختالي بجبالِكْ..".
وتابع عماري أن الأغنية جسّدت صورة عمّان بكل ما تحمله من جمال وصمود وكبرياء، حيث مزجت الكلمات بين البعد الوطني والوجداني، وقدّمت العاصمة بصورة شعرية مفعمة بالفخر والانتماء، ما جعلها من الأغاني الراسخة في الذاكرة العربية، والتي ما تزال تُستعاد في المناسبات الوطنية والثقافية حتى اليوم.
وأكد أن حكايات الأغاني القديمة تأخذنا في رحلة جميلة عبر زورق من الذكريات، نستعيد خلالها عبق الماضي، والأصوات الساحرة، والألحان العذبة، والكلمات التي ما تزال تسكن القلب والوجدان. وأضاف أن هذه الرحلة الفنية، التي حملتها الأمسية، تُدخل المستمع والقارئ إلى تفاصيل الأغاني التي أحببناها وعشنا معها أجمل اللحظات.
وأشار المحاضر إلى أن هناك العديد من الأغاني التي ما يزال الجمهور يرددها حتى اليوم، ويستمع إليها بين الحين والآخر، فعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على ولادتها، فإنها بقيت راسخة في وجدان الناس، تتحدى الزمن وتحافظ على حضورها في الذاكرة الجمعية.
وتساءل عماري: هل فكرنا يوماً كيف وُلدت هذه الأغاني التي نطرب لها دائماً؟ وهل تقف وراءها حكايات ومواقف صنعت خلودها، أم أنها جاءت بمحض الصدفة؟
وخلص العماري إلى أن كثيراً من الأغاني الخالدة ارتبطت بالفعل بظروف وقصص إنسانية وفنية خاصة، وأسهمت المصادفات أحياناً في خروجها إلى النور، لتصبح لاحقاً جزءاً من ذاكرة الناس ومشاعرهم، وترافقهم عبر الأجيال.