الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جو لوريا* - (كونسورتيوم نيوز) 27/5/2026
كانت الكولنيالية الجديدة مختفية إلى وقت قريب. واليوم، بقيادة دونالد ترامب، أصبح الغرب يتباهى علنًا بإرثه الاستعماري، بل ويشجع صراحة على عودته. وقد مجّد ترامب في خطاب تنصيبه في كانون الثاني (يناير) 2025 الإمبريالية الأميركية، مُخبرًا العالَم بأن عهد وليام ماكينلي للتوسع الإقليمي الأميركي قد عاد.
لا يمكن سوى لشخص يعيش في كهف أن يجهل اليوم تاريخ المذابح والاستعباد الذي خلّفته أكثر من خمسة قرون من الهيمنة الغربية على العالم. لكن المؤسف هو أن الغرب يقوده اليوم إلى حد كبير رجال ونساء في عالم الأعمال والسياسة والإعلام، ممن ينكرون هذه الحقيقة.
منذ نهاية القرن الخامس عشر، كان عصر الاستعمار الغربي حقبة من الإبادة الجماعية في الأميركتين وأفريقيا وآسيا وأستراليا، مع استمرار واحدة من هذه الإبادات اليوم في فلسطين. وكان أيضًا تاريخًا من العبودية ونهب الموارد الطبيعية التي أغنت الدول الاستعمارية الأم، بينما أفقرت الأصحاب الحقيقيين لتلك الثروات.
يتظاهر الحكام الغربيون بأن الحقبة الاستعمارية انتهت، وأن إنزال الأعلام الاستعمارية ورفع الأعلام الوطنية الجديدة في النصف الثاني من القرن العشرين كان خاتمة المطاف. لكن ذلك كان في معظمه خدعة، حيث واصلت القوى الاستعمارية القديمة ممارسة نفوذ غير مشروع على مستعمراتها السابقة. وهي تشتعل غضبًا حين تُجبر على حزم حقائبها والرحيل من هناك، كما حدث مع الفرنسيين في غرب أفريقيا خلال السنوات القليلة الماضية.
كانت هذه الكولنيالية الجديدة مختفية إلى وقت قريب. واليوم، بقيادة دونالد ترامب، أصبح الغرب يتباهى علنًا بإرثه الاستعماري، بل ويشجع صراحة على عودته. وقد مجّد ترامب في خطاب تنصيبه في كانون الثاني (يناير) 2025 الإمبريالية الأميركية، مُخبرًا العالَم بأن عهد وليام ماكينلي للتوسع الإقليمي الأميركي قد عاد. وليس الأمر أن الإمبريالية الأميركية كانت قد ذهبت في عهد الرؤساء السابقين؛ لكن ترامب لم يعد يرى حاجة إلى إخفائها.
قال ترامب: "سوف تعتبر الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى أمةً نامية، أمةً تزيد ثروتها، وتوسّع أراضيها، وتبني مدنها، وترفع سقف تطلعاتها، وتحمل علمها إلى آفاق جديدة وجميلة". ولم يتوقف عند كوكب الأرض، حيث أضاف: "سوف نمضي نحو قدرنا المتجلي بين النجوم، مطلقين رواد فضاء أميركيين لغرس العلم الأميركي على كوكب المريخ". ومنذ ذلك الحين، هاجم فنزويلا وإيران، وهدد غرينلاند وكوبا.
وفي ميونيخ الخريف الماضي، استحضر وزير خارجيته، ماركو روبيو، شبح سيسيل رودس، معلنًا بصوت عالٍ عودة التفوق الغربي.
قال روبيو: "على مدى خمسة قرون، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الغرب في حالة توسع دائم -مبشّروه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفوه كانوا يندفعون من سواحله لعبور المحيطات، والاستيطان في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية الأطراف امتدت عبر العالم".
وأضاف: "ولكن في العام 1945، ولأول مرة منذ عصر كولومبوس، بدأ هذا التوسع (الإقليمي) يتقلص. كانت أوروبا خرابًا. نصفها يعيش خلف الستار الحديدي بينما بدا النصف الآخر ذاهبًا إلى اللحاق به قريبًا. وكانت الإمبراطوريات الغربية الكبرى قد دخلت مرحلة الانحدار النهائي، وقد تسارع ذلك بفعل الثورات الشيوعية والانتفاضات المناهضة للاستعمار التي ستغيّر العالم وتكسو مساحات شاسعة من الخريطة بالمطرقة والمنجل الأحمرين في السنوات التالية.
على هذه الخلفية، في ذلك الحين كما اليوم، بدأ كثيرون يعتقدون أن عصر الهيمنة الغربية قد انتهى، وأن مستقبلنا أصبح محكومًا بأن يكون مجرد صدى باهت وضعيف لماضينا.
لكن أسلافنا أدركوا معًا أن الانحدار خيار، وهو خيار رفضوا اتخاذه. كان هذا هو ما فعلناه معًا من قبل، وهو ما يريد الرئيس ترامب والولايات المتحدة أن يفعلوه مجددًا الآن، معكم".
وقد استقبل المسؤولون الأوروبيون خطاب روبيو بالتصفيق وقوفًا. إنهم منغمسون بقوة في حربهم ضد روسيا عن طريق وكيلهم الأوكراني، وما يزالون متمسكين ببقايا نفوذهم الاستعماري في أفريقيا والشرق الأوسط. ومع ذلك، يواصل الغربيون تصوير أنفسهم باعتبارهم طليعة التقدم الإنساني، كما فعلوا زورًا طوال الحقبة الاستعمارية.
ومن جهتهم، عبّر أسياد التكنولوجيا من أمثال أليكس كارب، المدير التنفيذي لشركة "بالانتير"، مرارًا، عن دعم قوي للتفوق الثقافي والتقني والعسكري الغربي -وخصوصًا الأميركي. ويقدّم كارب النفوذ العالمي للغرب بوصفه قائمًا على القوة الصلبة -أي العنف المنظم والتفوق التكنولوجي- وليس على الأفكار أو القيم وحدها، مع تأكيده أيضًا على ما يراه تفوقًا لأساليب الحياة الغربية.
في رسالته إلى المساهمين للربع الرابع من العام 2024 لشركة "بالانتير"، كتب كارب -مقتبسًا من صمويل هنتنغتون: "لم يكن صعود الغرب ممكنًا بسبب ’تفوق أفكاره أو قيمه أو دينه... بل بسبب تفوقه في تطبيق العنف المنظم‘. وكثيرًا ما ينسى الغربيون هذه الحقيقة؛ لكنّ غير الغربيين لا ينسونها أبدًا".
لعل أكثر الأدلة تطرفًا على وجود صلة متواصلة بين الاستعمار الغربي الوحشي في الماضي والحاضر هو المشروع الاستعماري الإسرائيلي المستمر المليء بالعنصرية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية نفسها التي شهدها كونغو ليوبولد، والأدغال الأسترالية، والغرب الأميركي.
بعد قمتهما الأخيرة في بكين مؤخرًا، حذّر القائدان الصيني والروسي من أن: "النزعات الاستعمارية الجديدة السلبية، مثل مقاربات القوة الأحادية، والهيمنة، والمواجهة بين الكتل، تشهد تصاعدًا. كما يتم بصورة متكررة انتهاك المبادئ الأساسية المعترف بها عالميًا في القانون الدولي والعلاقات الدولية، ويزداد صعوبة على الدول تنسيق أفعالها وحل النزاعات داخل مؤسسات الحوكمة العالمية التي يفقد الكثير منها فعاليته. وتواجه أجندة السلام والتنمية العالمية مخاطر وتحديات جديدة، مع وجود خطر يتمثل في تفكك المجتمع الدولي والعودة إلى ’شريعة الغاب‘".
لكن البيان المشترك رأى أن هذه العودة للتفوقية الغربية ستُمنى بالفشل. وجاء فيه:
"لقد فشلت محاولات عدد من الدول إدارة الشؤون العالمية بصورة أحادية، وفرض مصالحها على العالم بأسره، وتقييد التنمية السيادية للدول الأخرى بروح الحقبة الاستعمارية. إن نظام العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين يشهد تحولًا عميقًا، ويتجه نحو حالة طويلة الأمد من التعددية القطبية وظهور نمط جديد من العلاقات الدولية".
في الآونة الأخيرة، اشتكى أحد قراء "كونسورتيوم نيوز" بشدة، قائلًا لنا: "أنتم منغمسون بشدة في زاوية سقوط الغرب/ الولايات المتحدة عند تناول الشؤون الجارية".
إن هيمنة الغرب قائمة على النهب الاستعماري، ولا يمكن أن تستمر إلا من خلاله. وحين يستفيد المرء من نظام جائر خال من العدالة، ربما يكون من الصعب عليه أن يدرك أنه تعيش داخله. ومهمتنا هي أن نواصل الإشارة إلى هذا الواقع بلا توقف. ولذلك، يعني تقديم تغطية من منظور الحياد الدولي، بهدف تحقيق الاستقرار العالمي عبر توازن القوى والانفراج، بالضرورة تحدّي استمرار وبقاء التفوق الغربي -أو استعادته وانبعاثه.
*جو لوريا Joe Lauria: صحفي ومحرر أميركي مخضرم يشغل منصب رئيس تحرير موقع "كونسورتيوم نيوز" Consortium News منذ العام 2018. عمل مراسلًا للشؤون الدولية في عدد من المؤسسات الإعلامية البارزة، منها "ذا وول ستريت جورنال"؛ و"ذا بوستون غلوب"؛ و"وكالة رويترز". كما غطّى أعمال الأمم المتحدة من مقرها في نيويورك لسنوات عديدة. يُعرف بكتاباته في قضايا السياسة الخارجية الأميركية والعلاقات الدولية والنزاعات العالمية، ويميل في مقالاته إلى انتقاد التدخلات العسكرية الغربية والدفاع عن نظام دولي أكثر تعددية. وهو مؤلف كتاب "كيف خسرت بقلم هيلاري كلينتون" How I Lost By Hillary Clinton الصادر في العام 2017، الذي تناول فيه الانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2016 من منظور نقدي وساخر.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Challenging Western Supremacy