عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Feb-2026

"عمان القرى".. قراءة توثيقية يقدمها العدوان في نشأة المدينة وذاكرتها

 اغد-عزيزة علي

يقدم المسرحي والقاص مفلح العدوان قراءة توثيقية معمقة في الجذور الاجتماعية والتاريخية لمدينة عمان، مستعرضًا تحولاتها من "ديرة"، تحيط بها القرى والعشائر إلى عاصمة حديثة متعددة المكونات. وذلك في كتابه الجديد "عمان القرى: الكتاب الأول"، الصادر ضمن منشورات أمانة عمان الكبرى. 
 
 
ويتتبع المؤلف في كتابه، تشكل هوية المدينة عبر محطات مفصلية، بدءًا من العهد العثماني واستقرار الشركس، مرورًا بتأسيس إمارة شرق الأردن، وصولًا إلى موجات اللجوء والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، التي ساهمت في صياغة فسيفساء عمان الحضرية.
ويوثق العدوان في كتابه ذاكرة عمان وتاريخها، متتبعا سيرة مناطقها وقراها وجبالها، بما تنطوي عليه من أبعاد حضارية واجتماعية وثقافية، مقدما ذلك بأسلوب أدبي رشيق يرصد جوانب متعددة من ذاكرتي المكان والإنسان.
وجاءت المقدمة بعنوان "عمان الهوية: سردية المكان والإنسان"، يؤكد فيها أن تاريخ المدينة يتكشف بين حميمية النبض وثراء الذاكرة، الحافلة بالأحداث والحكايات التي شكلت هويتها عبر تفاعل الإنسان مع المكان منذ أقدم العصور، وصولًا إلى العهد الحديث، حين تجلى حضورها عاصمةً للأردن في الربع الأول من القرن العشرين.
ويشير إلى أن عمان شهدت توسعًا ملحوظًا بعد تأسيس الدولة الأردنية، بعدما كانت أقرب إلى قرية صغيرة. وقد استلهم الشاعر مصطفى وهبي التل المثل الشعبي "علمك بعمان قرية"، فقال: "علمي بعمان من بعض القرى/فإذا عمان عاصمةُ الأردن تحميه".
وعلى الرغم من وصفها آنذاك بالقرية، إلا أن عمان كانت عامرة بأهلها، يتخذها سكانها مركزًا لاستقرارهم ومنطلقًا لتنقلهم. وقد أقاموا في محيطها، فيما توزعت أراضيهم الزراعية ومراعيهم في قلب المدينة وأطرافها، ضمن مناطق البلقاء وما حولها، حيث استقرت عشائر بني عباد والعدوان وبني صخر وغيرها.
وعلى الرغم من أن تجمعاتهم الإدارية كانت تتبع منطقة البلقاء، فإن حضورهم في أرض عمان ظل راسخًا؛ حول السيل، وعلى الجبال، وفي أطراف المدينة، مع ارتباط دائم بمركزها. فقد تمركزت الحياة حول سيل عمان وينابيعه، حيث تشكل النبض اليومي للمدينة، فيما لم تُعمر جبالها السبعة إلا بعد تأسيس إمارة شرق الأردن واتخاذ عمان عاصمة لها.
وأضاف المؤلف أن العمانيين الأوائل امتلكوا أراضيهم في المدينة ومحيطها، وشكلوا مركزها وطوقها، إذ أحاطت تجمعاتهم وقراهم بها إحاطة السوار بالمعصم. وعند قدوم الأمير عبد الله الأول بن الحسين في مطلع القرن العشرين، استقبل في محطة قطار عمان الواقعة في منطقة ماركا، ضمن أراضي عشائر الدعجة، وأقام فيها مدة من الزمن، قبل تشييد قصر رغدان مقرًا للحكم ومستقرًا للإمارة.
وكان أهلها يطلقون على عمّان اسم "الديرة"، حتى غدت الكلمة مرادفًا دلاليًا ووجدانيًا لها. كانوا يتنقلون في مواسم العام غير بعيد عنها، لكنهم ظلوا، في حلهم وترحالهم، يحنون إلى "الديرة"؛ إلى ينابيعها وبيادرها ومواضع استقرارهم فيها، حتى قبل أن يعلو فيها البنيان وتتسع عمرانًا.
أما هوية عمان المركبة، المتكئة على جذور "الديرة"، فقد تشكلت عبر مسار طويل من التفاعل والتحول؛ إذ استطاعت المدينة أن تصهر مكوناتها وتعيد تشكيلها، لتتبلور في صورتها الراهنة بما تحمله من ألفة وتكافل ومصالح مشتركة، ضمن سياق مراحلها التاريخية المتعاقبة، ولا سيما ما قبل تأسيس الإمارة وما بعدها.
وأشار العدوان، إلى ما أورده الدكتور سعد أبو دية في كتابه "عمان في الوثائق العثمانية والبريطانية"، من أن المنطقة شهدت تطورًا متسارعًا في أواخر القرن التاسع عشر، ما دفع السلطان عبد الحميد الثاني إلى إصدار فرمان العام 1878 يقضي بإنشاء ولاية مستقلة باسم "ولاية عمان"، أو "المعمورة المحمدية".
ونص الفرمان على توطين الشركس في عمان واتخاذها عاصمة للولاية، مع وضع خطط لتشجيع البدو على الاستقرار والعمل في الزراعة وتربية الأبقار بدلًا من الإبل، وإجلاء من يرفض الاستقرار. كما تضمن توجيه النشاط الزراعي في الأغوار، بما في ذلك زراعة الأرز، في إطار مساعٍ للحد من الهيمنة الأوروبية. وأشار المؤلف، إلى أن استقرار الشركس في عمان بدأ العام 1878، مع وصول أول فوج ضم نحو 500 عائلة من قبيلة الشابسوغ بتفويض عثماني. وبعد محاولة إقامة أولى في ياجوز، انتقلوا إلى عمان لتوافر المياه وخصوبة الأرض وتشابه طبيعتها مع القفقاس. واستقروا في محيط المدرج الروماني، ثم تتابعت موجات أخرى من قبائل شركسية مختلفة، ما عزز وجودهم في المدينة وساهم في إعمارها.
قبل استقرار الشركس في عمان بسنوات طويلة، كان سكان القرى المحيطة بها على سفوح الجبال يعدونها ملتقاهم ومورد مياههم، ويقيمون فيها أشهرًا من كل عام وفق عُرفٍ مشاعي غير مكتوب؛ إذ لم تكن الأراضي مسجلة رسميًا في العهد العثماني، وكانت عمان تتبع إداريًا لمنطقة البلقاء.
وظلت عمان "الديرة"، التي يقصدونها للسكن المؤقت ونصب بيوت الشعر، وترعى فيها مواشيهم على ضفتي السيل دون منازع. غير أن هذا الواقع تبدل مع قدوم الشركس، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المكان وعلاقاته الاجتماعية. فقد وصلت العائلات الشركسية واستقرت في محيط المدرج الروماني، ثم امتد وجودها نحو سبيل الحوريات وصولًا إلى رأس العين، حيث يقع اليوم المسجد الحسيني.
وقال العدوان "إن الحال تغير، فانقلبت الأعراف التي كانت قائمة على التعايش والتوازن المستقر. ولم تنشأ الإشكالات عن بغض أو كراهية؛ فالبدو يراعون حق الجار ويكرمون الضيف، غير أن حسابات السلطان العثماني اختلفت عن حسابات أهل المنطقة، فـ "حسابات السرايا ليست كحسابات القرايا". وهكذا نشأ الخلاف في بداياته بين سكان المكان الذين اعتبروا عمان "ديرتهم"، والوافدين الذين جاؤوا بمرسوم سلطاني، ما أخل بالوضع السابق وفتح صفحة جديدة في تاريخ المدينة".
وأوضح المؤلف أن حكاية عمّان تفهم بمنطق علم الاجتماع، لا من خلال مفاهيم المراسيم السلطانية التي انتهجتها الدولة العثمانية، إذ كانت تهدف إلى إبعاد المعذبين والمهجرين عن مراكز العاصمة والمدن الكبرى إلى مناطق نائية، كما حدث مع الأرمن والشيشان والداغستانيين.
وأشار العدوان، إلى ما أورده المؤرخ الأردني الشركسي عمران خمش حول طبيعة الشراكة بين أهل عمان والقبائل المحيطة بها؛ إذ كانت العشائر الأردنية تقيم خارج المدينة، وتورد إبلها إلى سيل عمان في أوقات محددة، وكان من الطبيعي أن يسوق بعض الرعاة إبلهم إلى بساتين الشركس، ولا سيما في منطقة المهاجرين.
وأدى ذلك إلى احتكاكات بين البدو والشركس؛ فالبدو كانوا يعدون الشركس طارئين على المكان، في حين أكد الشركس أن السلطات العثمانية هي التي منحتهم الأرض. وفي نهاية المطاف، اجتمع شيوخ الطرفين واتفقوا على تنظيم عملية سقاية الإبل، وإقرار مبدأ القبول المتبادل، ووقعوا وثيقة للتعايش والتعاون بين القبائل الشركسية وقبائل بني صخر، ولا سيما عشيرة الخريشا.
وبين المؤلف أن هذه الوثيقة مثلت صك اعتراف متبادل بأن عمان لم تكن أرضا خالية من السكان، وأن التعايش بين القادمين من الشركس وأهل عمان الأصليين أخذ يتعزز مع مرور الوقت، وامتد إلى المصاهرة مع عائلات من المجالي وعشائر الحديد وبني عباد وعشائر السلط.
وتطرق العدوان إلى الباحث هاني الحوراني، الذي يذكر في كتابه "التركيب الاقتصادي والاجتماعي في شرق الأردن"، أن منطقة شرق الأردن كانت من أكبر الأقاليم المصدرة للقمح والعنب في العهد العثماني، وكانت تسد معظم احتياجات فلسطين. ولم يتراجع إنتاج القمح الأردني إلا بفعل سياسات الإنجليز، ومنها إغراق الأسواق بالقمح المستورد عند حدوث وفرة محلية.
ويكشف ذلك، عن أن الإنتاجية العالية لم تكن صادرة عن مجتمع بدوي خالص، رغم أن البدو شكلوا مكونًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي؛ إذ كان الفلاحون والحضر يمثلون نسبة كبيرة من سكان البلاد، كما أن كثيرًا من العشائر كانت نصف بدوية، تمارس الزراعة منذ زمن طويل قبل تأسيس الدولة، مع استمرار بعض النزاعات أحيانًا نتيجة غياب الأمن في أواخر العهد العثماني.
وأوضح العدوان أنه مع إنشاء سكة حديد الحجاز، أصبحت عمان محطة رئيسية، وتدفق إليها القادمون من دمشق ومدن  أخرى، ما أدى إلى نشوء أحياء مثل المعانية، وزيادة التعقيد الاجتماعي للمدينة مع اتساع أسواقها وازدهارها. وقد مهدت هذه التحولات لنقلة نوعية تجلت في تأسيس بلدية عمان العام 1909م.
ومع استقبال عمان لأمير البلاد العام 1921م وتأسيس إمارة شرق الأردن، ازدهرت المدينة بوصفها عاصمة للإمارة، واستقر فيها رجال الأمير، إضافة إلى من لجأ إليها عقب المؤامرة الفرنسية على المملكة الفيصلية في سورية، ما وسع فسيفساء المجتمع العماني وأغنى تنوعه.
وقبل هذا التاريخ وبعده، ضيقت أطماع المحتلين الإنجليز ومعهم الصهاينة الخناق على أهالي فلسطين، وصولًا إلى نكبة العام 1948 م، ثم نكسة العام 1967 م، فكانت عمان ملاذًا للأشقاء، الذين أضافوا إلى المدينة بُعدًا جديدًا ضمن نسيجها الحضري المتعدد.
وقال العدوان "إن كتاب "عمان القرى"، يهدف إلى توعية القارئ بالبنية الاجتماعية التي تشكلت منها هوية عمان، عبر دراسة المكونات المؤسسة للمجتمع العماني وهويته، منذ كانت المدينة "ديرة"، قريبة من القرية، حتى غدت مدينة حضرية متكاملة.
وخلص المؤلف، إلى أن الكتاب يركز على سكان عمان ومحيطها، بما في ذلك عشائر طوق عمان ومكونات القرى المجاورة، مثل حسبان والجيزة والقسطل وصويلح وياجوز واليادودة. وتقدم هذه الدراسات شهادات من ذاكرة المكان والإنسان، كاشفةً عن اقتصاديات مكتفية، وتحالفات ناضجة، واستقرار ضارب في القدم، مع وعد بإصدارات لاحقة تستكمل توثيق بقية قرى عمان تحت العنوان ذاته.