الغد
المتتبع لتاريخ الحركة الصهيونية يفاجئه الحجم المذهل من التزييفات التاريخية والادعاءات الباطلة التي أطلقها مؤسسو الحركة في أوروبا سواء كانوا يهودا أو مسيحيين متهودين وذلك فور الاعداد لمشروعهم الاستيطاني في الأرض العربية. وقد لجأوا منذ بداية مشروعهم لنشر العديد من الأساطير اليهودية التي تسربت وتغلغلت بالعديد من الثقافات العالمية، خصوصا الثقافة الغربية منها، بحيث أصبحت جزءا من قناعات شعوبها ومعتقداتها المسلم بها. ومن أهم تلك الأساطير أسطورة الشعب المختار التي استغلها صهاينة العصر الحديث من يهود أوروبا يدعون من خلالها بأن لهم مكانة خاصة في الكتب المقدسة تميزهم عن غيرهم وتضعهم فوق جميع أمم وشعوب الأرض الأخرى. مثل هذا الادعاء لا يمكن لأي عقل بشري أن يتقبله، فالعناية الالهية أسمى من أن تميز جماعات بشرية كصهاينة اليوم الذين يتعاملون مع الآخرين بعقلية عنصرية استعلائية تفوقت بممارساتها على ممارسات مثيلتها النازية الألمانية.
هناك أيضا أسطورة الميثاق التي تشير للصلة الأبدية الدائمة بين اليهود و"أرض الميعاد" التي لم يحددوا حتى الان امتدادها والذي سيقتطع من أراضي المشرق العربي. واسترسل الصهاينة بادعاءاتهم الدينية المضللة بأن أرض الميعاد مهما اتسع مداها تعتبر منحة ربانية لهم دون غيرهم ودون أن يشاركهم فيها أي شعب آخر، مستندين بذلك لمقولة في غاية الغرابة بأنهم "الشعب الأنقى والأقرب الى الذات الالهية". أما أسطورة عودة المسيح التي لقيت رواجا واسعا بين اليهود بأعقاب حركة الاصلاح الديني في أوروبا وظهور الحركة البروتستانتية، وولدت لديهم الاعتقاد، أسوة بالمعتقد البروتستانتي، بأن تشتتهم لا بد أن ينتهي بمرحلة معينة يتجمعون بعدها في "الأرض الموعودة"، و"يعيدون" بناء هيكلهم المزعوم فوق المكان الذي تقوم عليه الصخرة المشرفة بعد هدمها بالكامل، وعندها تكتمل النبوءة الالهية التي يروجون لها فيظهر مسيحهم المنتظر ويتسيدون البشر متحملين المسؤولية التي يدعون أن إلههم يهوه ائتمنهم عليها لقيادة العالم نحو ما أسموه "النهاية السعيدة".
منذ أن ابتدأ الصهاينة بمشروعهم الاستيطاني أخدوا بمراجعة التاريخ اليهودي وإدخال تعديلات جوهرية عليه، بحيث جعلوا تاريخ العبرانيين القدماء والحركة الصهيونية تاريخا متواصلا يكمل الواحد منهما الآخر، وروجوا لادعاءات ومزاعم تاريخية تدور حول انتصارات باهرة عزيت للعبرانيين القدماء، والتي قيل انهم حققوها ضد أعدائهم من ابناء القبائل الكنعانية، لأجل شحذ الهمم وبعث الحافز والحماس لدى عامة اليهود ليتقمصوا مزايا أولئك "الأجداد" التي كان الصهاينة يتباهون بها كالشجاعة والقوة والثقة بالنفس، وذلك لتحفيز أكبر عدد من اليهود للتوجه الى فلسطين ليستوطنوا فيها تمهيدا للبدء بتنفيذ مشروع الدولة اليهودية. ومن الضروري التأكيد على أن أطماع ومطامح الصهاينة لا تكتفي بالاستيلاء على فلسطين، وحدها وانما تتعدى لتشمل المزيد من الأراضي العربية في مصر وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، ليهيمنوا عليها بدعوى أنها تشكل أرضا موعودة وموهوبة لهم كمنحة الهية مقدسة (يوميات هرتزل، المجلد الثاني ).
كما روج الصهاينة ونشروا بين عامة اليهود بأن اقامة دولة لهم في أرض الميعاد سيحررهم من عقدة البؤس والمعاناة التي لازمتهم طيلة العصور التاريخية التي تسببت بلجوئهم للعزلة في أماكن تواجدهم والاقامة ضمن تجمعات خاصة تؤمن لهم الابتعاد عن الحياة العامة وعدم الاختلاط بشعوب البلاد التي كانوا يقيمون بين ظهرانيها، لأجل تأمين مصالحهم وتطلعاتهم بشكل أكثر أمانا واستقرارا، ولذلك فلا عجب أن نرى الصهاينة يبادرون للاحتفاء برموز تاريخية استرجعوا بعضها واختطفوا بعضها من الماضي العبري القديم، وادعوا أنها صاحبة انجازات بطولية كبرى استطاعت تحقيق انتصارات مذهلة جعلت أصحابها يتبوأون شأنا عاليا بين القبائل والشعوب التي كانت معاصرة لهم، فأخذوا الرموز وتغنوا بها وهللوا لإنجازاتها بحماسة كبيرة تستحوذ على الوجدان اليهودي، ما كان لها أكبر الأثر بتفعيل الطموحات العنصرية والسلوك العدواني لدى المستوطنين اليهود تجاه السكان العرب، وهذا ما نشهده اليوم باعتداءاتهم ومجازرهم الوحشية التي يشنونها على أهل غزة التي بلغت حدا يمكن وصفه بأنه أبشع ما عرفته البشرية من اعتداءات ومجازر بعصرها الحديث، وما يعبر عن الوحشية بجلاء ما تتناقله التصريحات المتلاحقة التي يتسابق بإطلاقها مسؤولو الصهاينة مطالبة بالمزيد من قتل وسفك دماء المدنيين بغزة والضفة الغربية، وتشريد من يتبقى منهم، بل ويتمادى أحدهم فيدعو لإلقاء قنبلة نووية عليهم، ويدعو آخر وبكل صلافة لاإنسانية للتعامل معهم كحيوانات بشرية، والأنكى أن هناك من يدعو لطرد وتهجير أكبر عدد منهم خارج وطنهم.
ما يقشعر له البدن، هو سماع أحد قادة اليمين الصهيوني يردد مقولة للدبلوماسي البريطاني المتصهين لورانس أوليفانت مطالبا بما هو أبشع من التطبيقات النازية وذلك بتهجير غالبية الفلسطينيين والابقاء على قلة منهم ووضعهم بحظائر محصورة ومنعزلة كتلك التي أقامها المستوطنون الأوروبيون للهنود الحمر بالقارة الأميركية، لاستخدامهم واستعبادهم كعمالة رخيصة لدى المستوطنين اليهود، تماما كما كان عليه حال الأفارقة السود في أميركا. ولم يتورع هذا المتصهين من التعبير بمنتهى الوضوح عن المزيد من هذه الأفكار المتهودة بكتابه الصادر عام 1880 بعنوان "أرض جلعاد" الذي ضمنه تهجما على العرب بشكل عام وعرب فلسطين بشكل خاص، ووصفهم بـ"الهمجية والوحشية"، معتبرهم "غير جديرين بأي معاملة انسانية، فهم يتحملون مسؤولية الخراب والدمار الذي لحق بفلسطين وهم السبب بتدني مستواها وانحطاطها لهذا الحد" (اوليفانت،أرض جلعاد).
الصهاينة استرسلوا بنشر المزيد من ادعاءاتهم التاريخية ولا سيما تلك المتعلقة بالميثولوحيا التي لا يقرها أي منطق أو مفهوم علمي كادعائهم، على سبيل المثال، بوجود "أمة يهودية" قائمة على مر العصور. غير أن التأمل البسيط لمثل هذه المقولة التي تدعي أنها أمة بقيت متماسكة طيلة ألفي عام يظهر لنا أنها مقولة لا يمكن ادراجها الا ضمن التزييفات الفاضحة التي وجدت بشكل أو بآخر مسارب لها بسجل تاريخ البشرية. واذا ألقينا نظرة سريعة على طبيعة الحياة التي كان يعيشها قدماء اليهود يتبين أن مجمل ما كان عليه الوضع بتلك الفترة لا يعدو أن يكون قيام كيان يماثل في معالمه الأساسية الكيانات التي كانت تقوم وتنشأ بعهد العبودية، فقد كان ذلك العهد عهد الحروب القبلية المتواصلة التي تشتعل لأجل النهب والسلب وامتلاك العبيد والاستيلاء على أفضل الأراضي والمواقع، وكانت أشباه الدول تتعاقب والأقوام تتخالط فيما بينها وتنتقل للعيش من بقعة لأخرى بالبلدان المجاورة، ولذلك فإن الادعاء بوجود أمة أو شعب يهودي حافظ على نقاء أعراقه طيلة آلاف السنين وتمتد أصوله لتصل للعبرانيين القدماء أمر لا يستسيغه العقل ولا يتقبله أي منطق سليم! اذ كيف لمجموعات بشرية أن تحافظ على نقائها العرقي بعالم شهد العديد من المتغيرات والانصهارات الديموغرافية والتداخلات بالبنى الاجتماعية منذ أقدم العصور حتى الآن؟! مثل هذه الادعاءات ما هي الا خدعة مضللة ابتكرتها الدعاية الصهيونية وهي مغالطة كبرى لا تستند لأي أساس تاريخي. فالغالبية من يهود اسرائيل الذين يطلق عليهم الاشكناز وفدوا من أوروبا وتعود أصولهم لقبائل الخزر الآرية عاشت بمنطقة بحر قزوين بأواسط آسيا. وكانوا اعتنقوا الديانة اليهودية بالقرن العاشر الميلادي، وبالتالي فهم لا ينتمون للساميين ولا علاقة لهم ببني اسرائيل القدماء. ومما ساعد الصهيونية بسهولة تقبل الدول الغربية لمساعيها ومراميها الهادفة لإنشاء الدولة اليهودية تلك الاجواء الدينية التي سادت بأوروبا في أعقاب ظهور حركة الاصلاح الديني وتزايد الأنشطة والأفكار المتهودة التي أصبحت جزءا أساسيا من النسيج الثقافي الغربي، بحيث تحولت فلسطين فجأة بنظر العديد من المذاهب البروتستانتية والكالفينية منها يشكل خاص لأرض وصفها المبشر البريطاني اللورد شافتسبوري بالمقولة الخبيثة بأنها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وادعى أن اليهود هم الشعب الذي وهبه الرب حق استيطان تلك الأرض وأنهم يشكلون حجر الزاوية في الخطة الالهية لتحقيق الحلم المسيحي بالخلاص الأبدي. وتبنى هذا المعتقد الديني الانجيليون البيوريتانيون الذين عرفوا باسم "المسيحيين المتهودين" أو "الصهاينة المسيحيين"، وسبقوا بظهورهم الصهيونية اليهودية التي يعود تاريخها فقط لمؤتمر بازل 1897. وهكذا فإننا نجد أن انحياز الدول الغربية كبريطانيا وأميركا للصهيونية واسرائيل انحياز أساسه لاهوتي وثقافي قبل أن يكون انحيازا استراتيجيا أو سياسيا بتأثير اللوبيات الصهيونية المنتشرة في الغرب (رضا هلال، المسيح ونهاية العالم)، ويعتبر اليهود بنظر هذه المجموعات المتهودة هم "الفلسطينيون الحقيقيون" الذين ينتشرون بالعالم "غرباء عن وطنهم" بانتظار "عودتهم" اليه آجلا أو عاجلا.
هكذا أصبحت حكايات العهد القديم زادا يوميا للعقل البروتستانتي، ووصفت باربرة توخمان هذه الحكايات بأنها "غزو عبراني" أو "لوثة العهد القديم (Barbbara Tuchman. Bible and Sword )، ويبدو هذا واضحا بالمواقف الفكرية الصادمة التي تبناها العديد من المفكرين الأوروبيين أمثال المبشر البريطاني اللورد شافتسبوري، كجون لوك صاحب مقولة "الرب قادر على جمع اليهود في كيان واحد وجعلهم في وضع مزدهر في وطنهم"، أو اسحق نيوتن صاحب قانون الجاذبية الذي توقع أن الرب سيأمر بتدخل قوة أرضية لإعادة اليهود المشتتين، أو جون جاك روسو صاحب "العقد الاجتماعي" الذي قال: "لن نعرف الدوافع الداخلية لليهود أبدا حتى تصبح لهم دولتهم الحرة وتكون لهم معاهدهم التعليمية الخاصة من مدارس وجامعات"، أو جون ملتون الذي تحدث عن "عودة" اليهود لفلسطين في قصيدته المشهورة "الفردوس المستعاد"، أو اللورد بايرون الذي تصدرت مجموعته الشعرية "الألحان العبرية" قصيدته المشهورة "ابك من أجل هؤلاء" (اليهود)، أو جورج اليوت صاحبة الرواية المشهورة "دانيال ديروندا" التي جسدت معالم المسيحية الصهيونية بالأدب الأوروبي انذاك (هلال، المصدر نفسه). وقد استغل الصهاينة هذه الأجواء السائدة بالغرب وخاصة الذرائع الغيبية الدينية المتداولة حول الصلة التاريخية بين يهود العالم و"أرض الميعاد" واستخدموا جميع الوسائل المتاحة لنشر الذرائع من أجل كسب أكبر قطاع ممكن من عامة اليهود لدعم الأهداف التي كانوا يسعون لتحقيقها، وعملوا على تحويلها من مجرد ذرائع وأساطير لاهوتية لممارسة سياسية يستعينون بها لتنفيذ مشروعهم الاستيطاني وحلمهم الصهيوني الاستعماري.
بالنسبة لظاهرة العداء للسامية، فقد وجد الصهاينة فيها تربة خصبة ووسيلة لاستغلالها وتوظيفها للجم واسكات أي صوت انتقادي لطموحاتهم التوسعية التي يسعون لتنفيذها بكل الطرق الممكنة وبأي شكل من الأشكال ومهما كان الثمن، حتى لو كان ذلك سببا بتشريد ومعاناة شعب اخر، كما أن تهمة معاداة السامية أصبحت في عالم الغرب لا تقتصر فقط على ملاحقة أولئك الذين يوجهون النقد لليهود بل تجاوزتها لتشمل أي فرد يوجه أي انتقاد للحركة الصهيونية أو لإسرائيل، فتتم ملاحقته قضائيا تحت طائلة الأحكام الجائرة والمطبقة بغالبية الدول الغربية. واللافت أن العديد من مفكري اليهود لجأوا للترويج بأن ظاهرة اللاسامية ظاهرة متأصلة في الطبيعة البشرية للجوييم (أو الأغيار وهي شعوب العالم غير اليهودية) ولا يمكنها أن تتغير بتغير الزمان أو المكان طالما أن هناك يهودا في المجتمعات البشرية.
ولعله من الغرابة بمكان أن نجد هؤلاء المفكرين الصهاينة لم يحاولوا أبدا مقاومة هذه الظاهرة أو التعاون والتنسيق مع الفئات المستنيرة من الشعوب التي كانوا يتشاركون العيش معها على استئصال هذه الظاهرة والتخلص من تداعياتها، بل بالعكس وجدوا فيها مادة حيوية لاستغلالها كقوة دافعة للجماهير اليهودية كي تغير مسار هجراتها بعيدا عن أوروبا الغربية وأميركا وتتحول بالنهاية لفلسطين (Herzberg، The Zionist Idea)، فهرتزل نفسه الذي يعتبر أبو الصهيونية لم يتوقف بطروحاته عند طروحات المعادين للسامية التي توجه الاتهام لليهود بـأنهم يتحملون مسؤولية ظهور اللاسامية، وهذا يتضح من قوله: "حيث لا توجد اللاسامية فان اليهود بحملونها في سياق هجراتهم. إن اليهود البائسين هم الذين يحملون للدول الغربية وبالذات بريطانيا بذور العداء للسامية"، والأكثر من هذا فإنه كان يتفق مع المعادين للسامية بأن نهاية هذا العداء لا تكون إلا بإخراج اليهود من كافة المجتمعات غير اليهودية وإيجاد وطن لهم خارج القارة الأوروبية (يوميات هرتزل، المجلد الثاني) وسبق أن لقي هذا التوجه كل الدعم والتشجيع من البرجوازية اليهودية والرأسمالية الغربية التي كانت تسعى للتخلص من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن سوء أوضاع الفئات اليهودية الفقيرة التي كانت تفد الى الدول الغربية من روسيا وباقي أجزاء أوروبا الشرقية. كما أن نجاح تطبيق هذا التوجه أو الحل الرامي لإنشاء كيان يهودي سياسي بفلسطين تحت حماية احدى الدول الأوروبية يهيئ المجال لوجود مستوطنين عملاء لتلك الدول الكبرى يتفانون بخدمة مصالحها الاستعمارية ويدرأون عنها الأخطار التي تحيق بها، كما ان هذا الحل كان يتفق مع مصالح الامبريالية الغربية والبرجوازية اليهودية وتتوفر فيه امكانية القضاء على مبررات وجود النزعة اللاسامية التي كان من الممكن أن تؤثر على مصالح تلك الفئات البرجوازية اليهودية المقيمة بالغرب والتي تملكها الخوف من انضمام عامة اليهود الفقراء وخاصة يهود روسيا وأوروبا الشرقية للحركات الثورية والأحزاب اليسارية المناهضة للأنظمة الرأسمالية، ما يلقي ظلال الشك والريبة على وطنية واخلاص اليهود ويهدد الاستثمارات الواسعة التي كانت تمتلكها البرجوازية اليهودية بمختلف الدول الفربية. وأدى هذا لدفع البرجوازية اليهودية وبالتنسيق مع الرأسمالية الغربية للبحث عن مكان خارج القارة الأوروبية لتتجه اليه الهجرات اليهودية، وكان مما أورده المفكر اليهودي الألماني موسى هس حول هذا الموضوع قوله: "ان الأمم المسيحية الغربية لن تعارض إطلاقا إنشاء وطن لليهود في فلسطين طالما أن ذلك يضمن لها التخلص من شعب شاذ غريب الأطوار يسبب لها مشاكل كثيرة (Hess، Rome and Jerusalem). ومن ناحية أخرى استغل الصهاينة المحرقة (الهولوكوست) وقاموا بتضخيمها وتكريس صورة الشعب الضحية يغية استغلالها لأجل الترويج للسياسة الهادفة لاستقطاب وبلورة حشد عالمي يتضامن ويساند مساعيهم الهادفة لمساندة الكيان الصهيوني وأطماعه التوسعية بالمنطقة. كما أصر الصهاينة على أن أي إقرار بالمحرقة يعتبر إقرارا بخق الدولة الهودية في الوجود، وبالتالي فان الربط بين المحرقة واقامة هذه الدولة أصبح لدى الصهاينة أمرا مقدسا، وأصبحت هذه "المأساة اليهودية" التي اقترفها الأوروبيون العامل الرئيسي الذي يستندون اليه بتبرير احتلالهم لأرض الغير وتهجير شعبه تماما كما حدث لفلسطين وشعبها. غير أن هذه الادعاءات والمزاعم التي يطرحها الصهاينة حول كون المحرقة هي العامل الرئيسي لقيام الدولة اليهودية هي محاولات مضللة لما تم اقترافه بحق الشعب الفلسطيني من ظلم واضطهاد يتناقض تماما مع السياق التاريخي للأحداث، فالحركة الصهيونية كانت تسعى جاهدة وبتنسيق مع القوى الامبريالية لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإقامة الدولة اليهودية على أنقاضها وذلك قبل حدوث المحرقة بأمد بعيد، وجاء استخدام المحرقة ضمن استراتيجية الدولة اليهودية لحشد التأييد الغربي لإقامة هذه الدولة، إضافة لترسيخ "عقدة الذنب" لدى الضمير العالمي ولا سيما ضمير العالم الغربي بحجة تقاعسه عن مد يد العون لليهود لإنقاذهم من اضطهاد النازيين، وسعى واضعو هذه الاستراتيجية لإقناع العديد من دول العالم ومن ضمنها الاتحاد السوفييتي بأن الطريقة العملية الوحيدة لتحرير ضمير العالم من "عقدة الذنب" تجاه اليهود هي الاعتراف بأنهم يستحقون كيانا مستقلا يلبي طموحاتهم ويوفر لهم الحماية من التعرض لمزيد من "المعانا " كتلك التي تعرضوا لها على يد النازيين الألمان، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنهم استمروا بادعاءاتهم بأن تحرير الضمير العالمي لن يكتمل ما لم تستمر دوله والغربية منه بالذات بتقديم كل أشكال الدعم للدولة اليهودية سواء كان ذلك دعما ماليا أو دعما عسكريا، ما يدل على أن الدولة اليهودية أصبحت تستخدم المحرقة كوسيلة ابتزاز للعديد من دول العالم وخاصة الغربية منها.
ومن الغريب أن موضوع المحرقة بقي في طي النسيان ولم يصبح متداولا إلا في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ولم يفطن اليه الصهاينة الا بعد أن قامت المنظمات ووسائل الاعلام الأميركية المتصهينة بإحيائه، فبادروا لتحويله الى خطاب شعبي صادم تبناه العديد من المفكرين الغربيين، وباشر الاحتلال الاسرائيلي بعدها باستغلاله ذريعة اضافية لتبرير جرائمه واعتداءاته
الوحشية المتكررة على الفلسطينيين. ولم تتوقف الأجهزة الأعلامية الصهيونية المنتشرة بمختلف دول العالم الغربي من كيل أبشع أنواع التهم للفلسطينيين مصنفة مقاومتهم الشرعية للاحتلال بأنها أعمال إرهابية، لدرجة أن بن غوريون أعرب خلال لقاء جمعه بمجموعة من الناجين من المحرقة عن عدائه الشديد للفلسطينيين بقوله: "لا نريد أن تتكرر مأساتكم ونقع تحت رحمة النازيين العرب فيبطشون بنا ويقضون علينا". غير أن التوظيف الصهيوني للمحرقة لم تقتصر تبعاته العدوانية على الفلسطينيين دون غيرهم بل امتد ليشمل كل من تنكر للمحرقة أو انتقد السياسة الاسرائيلية الاجرامية وشكك بشرعية وجود الكيان الصهيوني نفسه أو لجأ لمقارنة سياساته الاجرامية بتلك الممارسات العنصرية الوحشية التي ارتكبها النازيون الألمان ضد الأجناس الأخرى، وعندها تتم ملاحقة ذلك الفرد ويتعرض لأبشع أشكال الابتزاز والارهاب الفكري، لدرجة أن الملاحقات امتدت لتشمل حتى اليهود أنفسهم ممن يعارضون مثل هذه الممارسات الصهيونية اللاانسانية أو يتعاطفون مع معاناة الشعب الفلسطيني. والأنكى أن اللوبي الصهيوني في أميركا والعديد من الدول الأوروبية نجح باستصدار تشريعات يتم بموجبها تجريم كل من توجه له تهمة معاداة السامية ويتعرض للمساءلة القضائية.
ومن المفارقات المثيرة للانتباه أن الاسرائيليين ابتكروا سياسة أطلقوا عليها "سياسة تسامح" لتبرير تعاملهم مع القوى اليمينية الأوروبية التي سبق وتبنت مواقف عنصرية ومعادية لليهود، مانحة إياها صك الغفران طالما أن هذه القوى اتخذت مواقف مغايرة لمواقفها السابقة المعادية لليهود بأعقاب قيام الدولة اليهودية، وأحذت تدعم اسرائيل بالمحافل الدولية، وتوفر لها سوقا رائجة لمنتجاتها ولا سيما ما يتعلق منها بالسلاح المتطور. في المقابل اتبعت اسرائيل سياسة تقوم على وصم القوى اليسارية التي تتعاطف وتؤيد حقوق الشعب الفلسطيني بأنها قوى معادية للسامية وتتبنى سياسات تنمي الكراهية العنصرية ضد الشعب اليهودي. وشاءت الصدف أن يتورط نتنياهو نفسه في المس بـ"قدسية" المحرقة بمحاولة منه للتقليل من تبعاتها الملقاة على الألمان عندما زعم في خطابه أمام الكونجرس الصهيوني العالمي بالقدس عام 2015 أن مفتي فلسطين الأسبق الحاج أمين الحسيني هو الذي أقنع هتلر بحرق اليهود لأن الأخير لم تكن لديه نية لحرقهم، وكان يريد اخراجهم فقط من بلاده. هذا التخريف ليس له أي علاقة بالتاريخ الفعلي، وانما له كل العلاقة بهلوسته السياسية، مستغلا ضحايا المحرقة اليهود لتبرير الجرائم الوحشية التي ترتكبها العصابات الصهيونية بغزة وباقي الأراضي الفلسطينية. والغريب أن ما قام به نتنياهو من تشويه لذكرى المحرقة ووجه بردود باهتة سواء بأوروبا أو أميركا، باستثناء بعض التعليقات في عدد محدود من الصحف ووسائل الاعلام الغربية، لدرجة أن المستشارة الألمانية انجيلا ميركل آنذاك جاء تعليقها بصورة تنم عن استحياء شديد مكتفية بالإشارة فقط الى أن "ألمانيا لا يوجد لها سبب يدعوها لتغيير رأيها التاريخي بأنها هي وحدها تتحمل المسؤولية عن تلك المحرقة المعروفة بالهولوكوست". ترى لو تجرأ مسؤول عربي وأبدى تعليقا يحمل مساسا بذكرى المحرقة، ماذا سيكون عليه رد الفعل الغربي المتصهين؟ لا بد أن تثور دنياه ولا تهدأ، وهذا ما نعنيه بمقولة سياسة الكيل بمكيالين.
وفي الوقت الذي كانت فيه الصهيونية توثق علاقاتها مع قوى الاستعمار الغربي كانت هنالك مجموعات من بينها تطرح المشروع الصهيوني كمشروع تحرر وطني ذي توجهات اشتراكية وملتزم بمحاربة الامبريالية الغربية ونظامها الرأسمالي الاستعماري، ولقي هذا الطرح ذو المسحة الاشتراكية صدى ايجابيا لدى الاتحاد السوفييتي آنذاك والذي كان قد لعب دورا حيويا في تمكين الصهاينة
من تحقيق طموحاتهم بإقامة دولتهم اليهودية. وكان ستالين نفسه مقتنعا بالمراهنة على المكاسب التي كان من المتوقع أن يجنيها السوفييت من وراء إنشاء هذه الدولة اليهودية حيث كان يأمل أن تتبنى هذه الدولة النهج الاشتراكي وتتحول بالفعل لدولة اشتراكية وتصبح مثالا تحتذي به باقي دول المنطقة. ولذا فإنه لم يتردد في الإيعاز لدول الكتلة الشرقية خلال حرب 1948 بالسماح لأي من اليهود القادرين على القتال والراغبين بالهجرة لفلسطين أن يقوموا بذلك شريطة أن يتلقوا تدريبات عسكرية في معسكرات أقيمت لهذا الغرض في تشيكوسلوفاكيا. وكان الصهاينة يدركون أن بقاء واستمرار الدولة اليهودية يعتمد لحد كبير على تدفق هجرات يهود العالم. ونظرا لوجود نسبة كبيرة من اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك ضمن الكتلة السوفييتية، فقد قام هؤلاء الصهاينة بإقناع السوفييت أن بمقدورهم استثمار هذا العدد الكبير من اليهود في أراضيها كقوة ضغط سياسية لضمان استقطاب الدولة اليهودية لجانبهم، كما بدا للسوفييت أن بمقدورهم استخدام اليهود كحصان طرواة لتهريب عناصر شيوعية موالية لموسكو للشرق الأوسط، وما شجع السوفييت أيضا على اتخاد موقف مؤيد وداعم لقيام الدولة اليهودية هو كون معظم قادتها انذاك (حوالى 77 %) تعود أصولهم الى أصول روسية أو بولندية ما زاد من احتمالات تبنيها سياسة متعاطفة ومؤيدة للاتحاد السوفييتي (Krammer، The Forgetten Frienship). وما لبثت السياسة السوفييتية تجاه اسرائيل أن بدأت بالتغير أواخر 1948 حين بدأ السوفييت يتشككون بالسياسة الاسرائيلية نتيجة تحالفها المتزايد مع الولايات المتحدة ما جعلهم يتعاملون معها بتحفظ شديد، ولم ينتظر السوفييت طويلا فبدأوا منذ 1949 باتباع نهج جديد بتعاملهم مع الحركة الصهيونية التي كانت قد قويت امتداداتها بين اليهود الروس بأعقاب قيام الدولة اليهودية. ولم يتردد السوفييت طويلا قبل اتخاذهم موقفا حاسما تجاه التداعيات الصهيونية بين اليهود الروس، فبادروا مطلع 1949 لإقفال العديد من المؤسسات اليهودية الروسية وشنوا حملة عنيفة ضد الناشطين الصهاينة بجميع المدن الروسية، وكان هذا بمثابة مؤشر حقيقي وعملي على تدهور العلاقات السوفييتية الاسرائيلية.
وبالرغم من كل ما تقدم فإنه لا بد من الاشارة الى أنه مهما بالغ الصهاينة بالترويج لمزاعمهم بشأن الدور المحوري الذي قامت به قواهم دون غيرها لتنفيذ المشروع الصهيوني بإقامة الدولة اليهودية، إلا أن هذا بحد ذاته لا يمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال الأساس المحوري الذي قامت عليه هذه الدولة، فقد كان لصراع القوى الكبرى حول مناطق النفوذ في الشرق الأوسط تداعيات متلاحقة على بلورة الفكرة الصهيونية وتسابق القوى على تجسيد الفكرة والترويج لها، بحيث أخذت هذه القوى تتنافس على التقرب من الكيان الصهيوني وتعمل على توظيفه واستخدامه ككيان عميل يساعدها من أجل تحقيق أطماعها وطموحاتها الاستعمارية في الشرق الأوسط.