الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
فيجاي براشاد - (كونسورتيوم نيوز) 1/7/2026
تداعيات تحقيق الأمم المتحدة في استهداف الجيش الإسرائيلي المتعمد للأطفال الفلسطينيين تتجاوز غزة بكثير. إنها تثير أسئلة جوهرية بشأن مستقبل القانون الدولي نفسه.
أصدرت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة:، بما فيها القدس الشرقية وإسرائيل، واحدًا من أكثر التقارير بعثًا على الصدمة التي أنتجتها هيئة تحقيق تابعة للأمم المتحدة حول الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.
تكاد قراءة عنوان التقرير وحدة تسبب ألمًا لا يُحتمل: "لقد دُمِّر جوهر الطفولة". وخلف هذا العنوان تكمن اتهامات بالغة الخطورة.
تخلص اللجنة إلى أن السلطات وقوات الأمن الإسرائيلية استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمدًا، وأن هذه الأفعال ترقى إلى إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في قطاع غزة، إلى جانب جرائم حرب في الضفة الغربية المحتلة.
ولم يكن التقرير، الذي صدر في الخامس والعشرين من حزيران (يونيو)، نداءً عاطفيًا. كان وثيقة قانونية دقيقة بُنيت على شهادات الشهود، والأدلة الجنائية، وصور الأقمار الصناعية، والتحليل العسكري، والسجلات الطبية، وسنوات من التوثيق.
ويعرض التقرير أكثر من مجرد سجل آخر للضحايا المدنيين. وهو يجادل بأن قتل الأطفال الفلسطينيين وتشويههم وتجويعهم واحتجازهم وتدميرهم نفسيًا لا يمكن تفسيره بوصفه ضررًا جانبيًا. وتخلص اللجنة إلى أن الأطفال أنفسهم أصبحوا أهدافًا متعمدة للسياسة العسكرية الإسرائيلية.
وتتجاوز تداعيات مثل هذا الاستنتاج غزة بكثير، لتثير أسئلة جوهرية بشأن مستقبل القانون الدولي نفسه.
تقرير بالغ الخطورة
تقدّر "اللجنة" أنه منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، قُتل ما لا يقل عن 20.179 طفلًا فلسطينيًا، وأصيب أكثر من 44.000 آخرين. ويشكّل الأطفال نحو ثلاثين في المائة من جميع الفلسطينيين الذين قُتلوا.
تضع هذه الأرقام وحدها حرب غزة بين أكثر النزاعات فتكًا بالأطفال في التاريخ الحديث. لكنّ أهمية التقرير لا تكمن في الأعداد فحسب، وإنما في استنتاجاته المتعلقة بالقصد. وهو يوثّق حالات متكررة قام فيها بإطلاق الرصاص على أطفال قناصة، أو تم فيها استهدافهم بطائرات مسيّرة، أو إصابتهم أثناء سعيهم للحصول على الطعام أو الماء، أو قتلهم على الرغم من أنهم لم يكونوا يشكلون أي تهديد عسكري -كما كان ينبغي أن يكون واضحًا.
كما يدرس التقرير أيضًا الاستخدام المتكرر للمتفجرات شديدة القوة في مناطق مدنية مكتظة بالسكان -حتى بينما العواقب المتوقعة على الأطفال واضحة لا يمكن إنكارها.
ويفصّل التقرير الهجمات التي شُنت على مستشفيات الولادة، ووحدات حديثي الولادة، والمدارس، ودور الأيتام، والملاجئ. ويدرس الحصار المفروض على الغذاء والماء والدواء، ويبين كيف أصبح التجويع والمرض وانهيار الخدمات الطبية أدوات حرب موجهة ضد مجتمع مدني كامل، يكون أفراده الأصغر سنًا هم الأكثر ضعفًا.
وتحقق اللجنة في ممارسات الاحتجاز الإسرائيلية التي تشمل قاصرين فلسطينيين. ويصف أطفال اعتُقلوا في غزة والضفة الغربية تعرضهم للتعذيب، والعنف الجنسي، والمعاملة المهينة، والاختفاء داخل مرافق الاحتجاز من دون تزويد عائلاتهم بأي معلومات.
وتخلص اللجنة إلى أن هذه الانتهاكات تشكل جزءًا من نظام أوسع للعقاب الجماعي الموجّه ضد المجتمع الفلسطيني عبر الأجيال.
لم يكن تقرير لجنة الأمم المتحدة هذا جديدًا في هذا الشأن، على الرغم من فظاعة نتائجه. وهو يؤكد فقط خلاصات تقارير سابقة -على سبيل المثال، تقرير منظمة "أنقذوا الأطفال" ("الأطفال الفلسطينيون في الاحتجاز العسكري الإسرائيلي يبلّغون عن ظروف تزداد عنفًا"، 29 شباط/ فبراير 2024)؛ وتقرير منظمة "اليونيسف" الذي صدر قبل وقت طويل من هذه الحملة الإبادية التي بدأت في العام 2023 ("الأطفال في الاحتجاز العسكري الإسرائيلي"، شباط (فبراير) 2013). ويوثق يوثّق الصحفي الفلسطيني وسام عفيفي في كتابه الأخير، "الناجون من الظلام"، العنف المروّع الذي يُمارس في معسكرات الاعتقال الإسرائيلية التي أُنشئت للفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال.
لعل أكثر استنتاجات تقرير الأمم المتحدة إثارة للرعب هو أن التدمير يتجاوز الموت الجسدي. فقد أصبحت الطفولة نفسها ساحة معركة. وتشكل الصدمة النفسية، واليُتم، والنزوح المتكرر، والجوع، وتعطّل التعليم، والإعاقة الدائمة، كلها مجتمعة ما تصفه اللجنة بأنه تدمير "جوهر الطفولة".
نمط موثّق منذ زمن
لم تظهر الاستنتاجات التي خلصت إليها اللجنة فجأة. على مدى عامين تقريبًا، وثّق الصحفيون الفلسطينيون انتشال الأطفال من تحت المباني المنهارة، ووفاة الرضّع في الحاضنات بسبب انقطاع الكهرباء، وإبادة عائلات بأكملها في الغارات الجوية، وقتل أطفال أثناء محاولتهم الحصول على الطعام أو الماء. وقد دفع كثير من هؤلاء الصحفيين حياتهم ثمنًا لذلك. وأصبحت غزة "أكثر النزاعات فتكًا بالصحفيين على الإطلاق"، بحسب ما أفادت به إيرين خان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير.
مع ذلك، وعلى الرغم من الأخطار الاستثنائية، واصل الصحفيون توثيق أحداث فضّل جزء كبير من العالم ألا يراها.
كما توصلت منظمات حقوق الإنسان الدولية إلى استنتاجات مماثلة قبل وقت طويل من صدور هذا التقرير الأخير للأمم المتحدة. فقد حذّرت منظمة "أنقذوا الأطفال" مرارًا من أن غزة أصبحت واحدة من أخطر الأماكن في العالم بالنسبة للأطفال. ووثّقت "الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين" حوادث متكررة لإطلاق النار على أطفال في ظروف أثارت تساؤلات جدية حول الضرورة العسكرية.
وحققت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في الهجمات على المدارس والمستشفيات ومخيمات اللاجئين.
كما درست "منظمة العفو الدولية" ضربات متكررة بدا أنها تنتهك مبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني. وحذّرت "اليونيسف" مرارًا من أن الأطفال يُقتلون ويُصابون في فلسطين على نطاق غير مسبوق.
ولم تصف أي من هذه المنظمات ما جرى بأنه حوادث معزولة. وإنما رصدت أنماطًا متكررة استوجبت إجراء تحقيق مستقل. وفي الحقيقة، يجمع تقرير الأمم المتحدة الجديد هذا الكم الهائل من الأدلة في تقييم قانوني واحد.
في كانون الثاني (يناير) 2024، رأت "محكمة العدل الدولية" أن الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا، والتي تتهم فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، تتمتع بقدر من المعقولية، وأصدرت تدابير مؤقتة تُلزم إسرائيل بالكف عن الأفعال التي تحظرها "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها"، والحفاظ على الأدلة، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية.
وعززت أوامر لاحقة هذه الالتزامات مع استمرار تدهور الأوضاع في غزة. ومع أن المحكمة لم تصدر بعد حكمها في موضوع دعوى الإبادة الجماعية، فإنها أقرت مرارًا بالخطر الجسيم الذي يواجهه السكان الفلسطينيون، والتأكيد على الالتزامات المفروضة على إسرائيل بموجب القانون الدولي. ويقدم تقرير اللجنة الجديد مادة إثبات إضافية سيكون لها، حتمًا، تأثير في الإجراءات القانونية المقبلة.
صمت الدولة الإسرائيلية
لعل ما يلفت الانتباه بالقدر نفسه هو طبيعة الرد الإسرائيلي. بدلًا من الانخراط بجدية في فحص الأدلة التي جمعتها اللجنة، سارع المسؤولون الإسرائيليون مرة أخرى إلى رفض التقرير وإنكار محتواه جملةً وتفصيلًا، واصفين إياه بأنه ذو دوافع سياسية ومنحاز في جوهره. وقد رفضوا استنتاجاته بالكامل من دون تقديم رد موضوعي على الوقائع المحددة، أو شهادات الشهود، أو الأدلة الجنائية التي عرضها المحققون.
صحيح أن من حق كل دولة أن تدافع عن نفسها في مواجهة الاتهامات. لكن الاتهامات الخطيرة تستوجب إجابات جادة. وإذا لم يكن الأطفال قد استُهدفوا عمدًا، فإن عبء تفسير سبب مقتل آلاف الأطفال في ظروف وثّقها مرارًا الصحفيون، والمنظمات الإنسانية، والعاملون في المجال الطبي، والآن لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، يقع على عاتق السلطات الإسرائيلية.
لماذا استُهدفت المستشفيات، وأجنحة الولادة، والمدارس، وملاجئ اللاجئين، مرة بعد أخرى؟ ولماذا تعرضت قوافل المساعدات الإنسانية للهجوم مرارًا؟ ولماذا استمر الأطفال في الموت حتى بعد ترتيبات وقف إطلاق النار؟ ولماذا أسفرت التحقيقات العسكرية عن قدر ضئيل جدًا من المساءلة؟ إن مجرد تكرار الاتهامات بالتحيز المؤسسي لا يمكن أن يكون بديلًا عن تقديم تفسير يستند إلى الوقائع.
أصبح رفض التعامل مع الأدلة، بحد ذاته، سمة مقلقة من سمات هذه الحرب. ويستند القانون الدولي الإنساني إلى مبدأ مساءلة الدول عن سلوكها. وتصبح المساءلة مستحيلة عندما يتم رفض كل تحقيق قبل أن تُفحص أدلته من الأساس.
القاضي إس. موراليدهار وواجب القاضي
تذكّرنا استنتاجات لجنة الأمم المتحدة أيضًا بأهمية القضاة الذين يدركون أن القانون ليس مجرد أداة تقنية، وإنما هو حصنٌ في مواجهة السلطة التعسفية. وقليلون هم القضاة الهنود الذين جسّدوا هذا المبدأ بثبات مثل القاضي إس. موراليدهار، الذي ترأس، بصفته عضوًا في "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة"، اللجنة التي أعدّت هذا التقرير الجديد.
اكتسب القاضي موراليدهار، على امتداد عقود، سمعة باعتباره أحد أبرز فقهاء القانون الدستوري في الهند، وخاصة في القضايا المتعلقة بالحريات المدنية، والعنف الطائفي، وحماية الفئات المستضعفة.
وكان أحد أبرز الأصوات القضائية التي ساهمت في ترسيخ مبدأ المساءلة بعد أعمال العنف المناهضة للسيخ في العام 1984، حيث أصرّ على أن الإفلات من العقاب لا يمكن أن يصبح القاعدة لمجرد أن الجرائم كانت محرجة سياسيًا. وقد اكتسب التزامه بواجبه الدستوري شهرة دولية خلال أعمال العنف الطائفية التي شهدها شمال شرقي دلهي في شباط (فبراير) 2020.
بينما كانت المستشفيات تكافح لمعالجة الضحايا العالقين وسط أعمال العنف، عقد القاضي موراليدهار والقاضي أنوب ج. بهامبهاني جلسة استثنائية عند منتصف الليل في منزل القاضي موراليدهار. وأمرت المحكمة العليا في دلهي الشرطة بضمان المرور الآمن للمصابين إلى المستشفيات، ووجّهت بتقديم العلاج الطبي الطارئ لهم على الفور.
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، وجّه القاضي موراليدهار انتقادًا حادًا لإخفاق شرطة دلهي في تسجيل قضايا ضد قادة سياسيين كانت خطاباتهم التحريضية قد انتشرت على نطاق واسع، مذكّرًا السلطات بأن البلاد لا يمكن أن تسمح بـ"1984 أخرى".
وفي غضون ساعات من تلك الجلسات، أبلغت الحكومة الهندية القاضي موراليدهار بقرار نقله إلى المحكمة العليا في البنجاب وهاريانا، على الرغم من أن توصية نقله كانت قد صدرت رسميًا عن "هيئة قضاة المحكمة العليا" في الهند في وقت سابق من ذلك الشهر. وأثار توقيت القرار قلقًا واسعًا بين المحامين والقضاة المتقاعدين ومنظمات المجتمع المدني، الذين رأوا في هذه الواقعة ما يثير تساؤلات مقلقة بشأن استقلال القضاء.
تجسّد مسيرة القاضي موراليدهار مبدأً أساسيًا من مبادئ سيادة القانون. فالمحاكم لا توجد للمصادقة على تصرفات الحكومات، وإنما تتمثل وظيفتها في فحص الأدلة من دون خوف أو محاباة -خاصة عندما يكون الضحايا من الفئات الأقل امتلاكًا للنفوذ السياسي.
وهو المبدأ ذاته الذي يحكم عمل لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة. ربما تكون استنتاجاتها موضع جدل، لكنها لا يمكن أن تُرفض ببساطة لأنها غير مريحة سياسيًا. وسيكون الرد السليم على الأدلة الجدية هو التعامل معها بجدية. هذا هو الالتزام الأول لأي دولة تدّعي احترام سيادة القانون.
الاختبار الذي يواجه الإنسانية
في نهاية المطاف، لا يتعلق تقرير لجنة الأمم المتحدة بإسرائيل أو فلسطين فحسب. وهو يطرح السؤال عمّا إذا كان النظام القانوني الدولي الذي أُنشئ بعد هزيمة الفاشية الأوروبية ما يزال يمتلك السلطة الأخلاقية للدفاع عن الأطفال في مواجهة العنف المنظم.
إذا كان بالإمكان قتل أكثر من 20 ألف طفل بينما تواصل مؤسسات الدبلوماسية الدولية عملها إلى حد كبير كالمعتاد، فإن الوعد الذي تجسده "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها"، واتفاقيات جنيف، واتفاقية حقوق الطفل، يكون قد تعرض لتقويض بالغ.
لن يضع هذا التقرير الجديد حدًا للحرب. ولن يستطيع إعادة الحياة إلى الذين فقدوها بالفعل. لكنه يرسّخ سجلًا تاريخيًا سيصبح محوه أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وبعد زمن طويل من تغيّر الحكومات وانتهاء الحملات العسكرية، سيظل هذا السجل قائمًا. وسوف يتذكر التاريخ دائمًا أولئك الذين ارتكبوا الفظائع، كما سيتذكر أيضًا أولئك الذين أشاحوا بوجوههم عنها ونظروا إلى الجهة الأخرى.
*فيجاي براشاد Vijay Prashad: مؤرخ ومحرر وصحفي هندي. وهو زميل كتابة وكبير المراسلين في "غلوب تروتر"، ومحرر كتب لـ"ليفت وورد" ومدير "ثلاثي القارات: معهد البحوث الاجتماعية" Tricontinental: Institute for Social Research. وهو زميل أول غير مقيم في "معهد تشونغيانغ للدراسات المالية" بجامعة رينمين الصينية. كتب أكثر من 20 كتابا، منها "الأمم الأكثر سُمرة والأمم الأكثر فقرًا" The Darker Nations and The Poorer Nations. أحدث كتبه هي "النضال يجعلنا بشرًا: التعلم من الحركات من أجل الاشتراكية" Struggle Makes Us Human: Learning from Movements for Socialism؛ ومع نعوم تشومسكي، "الانسحاب: العراق وليبيا وأفغانستان وهشاشة القوة الأميركية"The Withdrawal: Iraq, Libya, Afghanistan and the Fragility of U.S. Power.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: When Children Are the Target