"نصوص وروايات فلسطينية".. يوثق الذاكرة الوطنية والتحولات الاجتماعية
الغد-عزيزة علي
يمثل كتاب "قراءة في نصوص وروايات فلسطينية"، الجزء الأول، للباحث مصطفى عبد الفتاح، إضافة نوعية إلى حقل الدراسات الأدبية والنقدية الفلسطينية؛ إذ يتناول مجموعة من الروايات والنصوص التي عالجت القضية الفلسطينية بأبعادها التاريخية والإنسانية والاجتماعية، مستنداً إلى قراءة نقدية تسعى إلى استكشاف المضامين الفكرية والجمالية التي شكلت ملامح السرد الفلسطيني المعاصر.
وينطلق المؤلف من قناعة مفادها أن الرواية الفلسطينية لم تكن مجرد جنس أدبي للتعبير الفني، بل تحولت إلى وعاء للذاكرة الوطنية ووسيلة للحفاظ على الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتغييب. ومن هذا المنطلق، يسلط الكتاب الضوء على الكيفية التي استطاع بها الأدب الفلسطيني أن يوثق تجربة النكبة وتداعياتها المستمرة، وأن يعبر عن معاناة الفلسطيني في الوطن والشتات، بما تحمله هذه التجربة من أبعاد إنسانية ووطنية وثقافية عميقة.
ويتناول الكتاب، في جزئه الأول، نماذج مختارة من الروايات والنصوص الفلسطينية التي تنوعت موضوعاتها بين استعادة الذاكرة الجمعية، والبحث عن الهوية، وتوثيق تجربة اللجوء والاغتراب، ورصد التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني. كما يقدم المؤلف قراءات نقدية تسعى إلى تحليل البنية السردية والفكرية لهذه الأعمال، وبيان دورها في ترسيخ الوعي بالقضية الفلسطينية وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العربي.
ولا يقتصر الكتاب على تناول أدب النكبة بوصفه حدثاً تاريخياً فحسب، بل يتجاوزه إلى استكشاف القضايا الاجتماعية والإنسانية التي أفرزتها التحولات السياسية المتعاقبة، وما تركته من أثر في الفرد والمجتمع الفلسطيني. وبهذا المعنى، يشكل الكتاب محاولة نقدية جادة لقراءة جانب من التجربة الفلسطينية من خلال الأدب، بصفته سجلاً للذاكرة ومرآة للتحولات التي عاشها الفلسطينيون على امتداد عقود من النضال والتشرد والتمسك بالهوية الوطنية.
أهدى المؤلف كتابه إلى: "أطفال خذلتهم الإنسانية ونسيهم ضمير العالم، فلم يجدوا غير الطريق إلى السماء، سافروا على أجنحة ملائكة مرهقة من عناء الصعود والهبوط، ورفعوا دعاءهم إلى الله أن يوقف نزف الدماء".
يشير المؤلف الدكتور مصطفى عبد الفتاح في مقدمة الكتاب إلى أن فكرة هذا العمل بدأت قبل عدة سنوات، وتحديداً بعد صدور روايته الأولى "عودة ستي مدللة"، التي سعت إلى ملامسة جرح النكبة الفلسطينية في بعض جوانبه، وإبراز أبعاده الإنسانية والوجدانية، وعمق العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه. كما تناولت الرواية مشاعر الغربة داخل الوطن والشعور بالفقد والحرمان الناتج عن اقتلاع الفلسطيني من أرضه، وهي حالة رافقت جيل النكبة وأثرت في الأجيال اللاحقة أيضاً.
ويضيف المؤلف أن هذا الكم الكبير من الأعمال الأدبية التي تناولت نكبة عام 1948 استحوذ على اهتمامه، إذ جعل من النكبة زماناً ومكاناً وحدثاً رئيساً لأحداثها وشخصياتها. وبدا في كثير من هذه الأعمال أن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة التاريخية المفصلية، فأصبحت النكبة، بما حملته من تحولات عميقة، نقطة البداية والنهاية في الوعي الجمعي الفلسطيني.
ويوضح عبد الفتاح أنه وجد نفسه أمام عشرات، وربما مئات، الروايات والكتب التي عالجت موضوع النكبة بصدق وعفوية، وسعت إلى الكشف عن أبعادها الإنسانية والوطنية، واستنطاق دلالاتها لفهم الواقع الفلسطيني المعقد والمتشابك.
ويرى أن الروائي الفلسطيني لا يستطيع تجاوز هذا الحدث أو القفز فوقه، لأنه يشكل جوهر التجربة الفلسطينية ومركز ثقلها التاريخي والوجداني. ومن هنا جاءت محاولات الأدباء للارتقاء بأعمالهم إلى مستويات فنية وجمالية عالية، تجمع بين الصدق الفني والقدرة على التعبير عن عدالة القضية الفلسطينية بوصفها قضية وجود وبقاء وانتماء.
ويشير المؤلف إلى أنه، بعد قراءة عدد كبير من الروايات والدراسات التي تركت أثراً عميقاً في ذاكرته، ورسخت صور أصحابها وأفكارهم في وجدانه، قرر أن يرسم ملامح هذا المشهد الأدبي من خلال مجموعة من الروايات والنصوص التي اختارها بعناية، وأن يقدم لها قراءات نقدية معمقة تسهم في إثراء المشهد الثقافي وتسليط الضوء على جانب مهم من التاريخ الفلسطيني الذي تتعرض بعض حقائقه للتغييب أو الطمس.
ويؤكد أن هذا الكتاب يمثل دعوة صادقة لكل الأحرار في العالم إلى التعمق في قراءة تفاصيل القضية الفلسطينية والظروف التي أدت إلى تهجير الشعب الفلسطيني وتشريده وفقدانه حقه في وطنه. كما يسلط الضوء على الحياة الاجتماعية والسياسية للفلسطيني وما يعيشه من اغتراب ومعاناة حتى داخل وطنه بعد النكبة.
ويعبر عبد الفتاح عن أمله في أن تصل هذه الصورة بوضوح إلى عقول القراء وقلوبهم، وأن تسهم في ترسيخ الوعي بالتجربة الفلسطينية، لتبقى صورة الوطن حاضرة بوصفها رمزاً للحب والانتماء والهوية، ومنارة تهدي الأجيال القادمة نحو المستقبل.
ويضيف، عندما تصبح القراءة عادة يومية، والمطالعة جزءاً أصيلاً من الحياة، ويتحول الكتاب إلى نافذة يعيش القارئ من خلالها حيوات وتجارب جديدة، تنشأ بين الكاتب والقارئ علاقة خاصة تتجاوز حدود التلقي العادي، لتغدو أشبه بطقس يومي لا يمكن الاستغناء عنه. وحين ينقطع القارئ عن القراءة يشعر بفراغ يشبه الجوع والعطش، وبخسارة وقت كان يمكن أن يُستثمر في اكتشاف عوالم جديدة وإثراء الفكر والوجدان.
ولأن التاريخ غالباً ما يكتبه المنتصر وفق رؤيته ومصالحه، ويصوغه بما ينسجم مع روايته للأحداث، فقد وجد الفلسطيني في الأدب والرواية وسيلة لإعادة ترتيب حكايته الوطنية، واستعادة صوته، وتوثيق تجربته الإنسانية. فمن خلال الرواية يعيد بناء ذاكرته الجماعية، ويتمسك بحاضره، ويستشرف مستقبله، لأن بقاءه الوطني والقومي يرتبط ببقاء حكايته وقدرتها على مواجهة محاولات الطمس والتشويه.
وثمة فارق كبير بين التاريخ الذي يكتبه الغالب، والرواية التي يكتبها أصحاب التجربة. فالرواية تمنح الكاتب مساحة واسعة للتحليق في فضاءات الخيال، واستحضار التفاصيل الإنسانية، وإعادة تشكيل الماضي برؤية تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر والمستقبل. ومن خلال هذه المساحة الإبداعية يستطيع الكاتب أن يرسم صورة الوطن كما يراه ويشعر به، لا كما يريده الآخرون أن يكون.
ولعل هذا ما يفسر شغف الشاعر الكبير محمود درويش بفن الرواية ورغبته في خوض تجربتها. ففي كتاب "محمود درويش صاقل الماس"، لزياد عبد الفتاح، ينقل الكاتب عن درويش قوله إن الرواية "أم الأدب"، لما تمتلكه من قدرة على استيعاب الشعر والنثر والوصف والتحليل النفسي والفلسفة، وما تتيحه من حرية واسعة في التعبير والتأويل وبناء العوالم الإنسانية المتعددة.
ويرى المؤلف انه أينما وجد الفلسطيني، ظلّت قضيته حاضرة في وجدانه، ترافقه في تفاصيل حياته اليومية، وتشكّل جزءاً من هويته ووعيه. فهو يعيش آثار النكبة وتداعياتها المستمرة، ويتمسك بأرضه وتاريخه وتراثه، ويواصل الدفاع عن حقه في الوجود والانتماء. وتبقى القضية الفلسطينية بالنسبة إليه أكثر من حدث تاريخي؛ إنها تجربة إنسانية متجددة تتداخل فيها الذاكرة بالأمل، والمعاناة بالإصرار على البقاء.
وفي مواجهة محاولات الإقصاء والتهميش، يسعى الفلسطيني إلى فهم مأساته وتقديمها إلى العالم بوصفها قضية عدالة وحرية وحق إنساني. غير أن هذه القضية، بكل ما تحمله من ألم وأمل، تظل حاضرة في مختلف جوانب حياته، فتنعكس في أدبه وفنه وثقافته، وترافقه في الوطن والشتات على حد سواء.
وفي المنافي ومخيمات اللجوء، بقيت الأرض والهوية والعودة عناصر مركزية في الوعي الفلسطيني. ففكرة العودة لم تكن مجرد حلم، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية وإلى قوة معنوية تحفظ تماسك الإنسان الفلسطيني عبر الأجيال. ولهذا ظلت الرواية الفلسطينية مشغولة باستعادة المكان المفقود وإعادة بنائه في الذاكرة والخيال.
وخلص عبد الفتاح إلى ما قاله إلياس خوري عن أن "الرواية الفلسطينية استطاعت أن تجعل من الأمكنة البعيدة جسوراً للعودة إلى الوطن؛ فجبرا إبراهيم جبرا يرسم القدس من بغداد، وغسان كنفاني يعود إلى حيفا من المخيم، وإميل حبيبي يستعيد المكان الفلسطيني من منافي الشتات، فيما تنطلق سحر خليفة من آثار الهزيمة لتعيد مساءلة الواقع الفلسطيني واستشراف آفاقه".