الغد
مايكل يونغ* – (مركز مالكوم-كير كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/2/4
يسعى تحالفٌ من الدول إلى تفادي سيناريو الهجوم الأميركي، فيما تبدو إسرائيل حاضرة بقوة في حساباتهم.
أشارت تقارير صدرت في 2 شباط (فبراير) إلى نجاح تركيا وقطر، بالتعاون مع روسيا ومصر، في تأجيل الضربة الأميركية المُحتملة ضدّ إيران. وقد كشف ذلك بوضوح عن ملامح المنعطف الجيوسياسي الجديد الذي تتّجه إليه الأمور اليوم في الشرق الأوسط.
في الأزمة الحالية، ركّزت مطالب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من إيران بشكلٍ أساسي على مسألتَين: تفكيك برنامجها النووي؛ وفرض قيود على ترسانتها من الصواريخ البالستية. وفي محاولةٍ لتجنّب الصراع، أُفيد بأنّ الأتراك والقطريين طرحوا تصوّرًا لاتفاقٍ مُحتمل يتضمن إقامة تواصل مباشر- وإن كان ذلك عبر الإنترنت- بين ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يعقبه مسارٌ تفاوضي بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووفد إيراني. وستتناول هذه المفاوضات طيفًا واسعًا من القضايا، من ضمنها الجمود حول الملف النووي، والصواريخ الإيرانية، وحلفاء طهران الإقليميين، وربما حتى صادراتها من النفط والغاز. ومن المُحتمَل إسناد دور لروسيا في إطار هذا الاتفاق لتخصيب اليورانيوم الإيراني خارج البلاد، وتحت إشراف دولي.
بصرف النظر عمّا سيؤول إليه الوضع، فإنّ شيئًا أكبر بكثير آخذٌ في التشكّل، ويمثّل منعطفًا جديدًا جوهريًا في المنطقة. ولا بدّ من العودة بضع سنوات إلى الوراء لفهم السياق الجيوسياسي الذي نعيش في ظلّه اليوم. فحين بدأت الولايات المتحدة عملية فكّ ارتباطها عن الشرق الأوسط في عهد باراك أوباما، كان على الرئيس والنخب المعنيّة بالسياسة الخارجية الأميركية التفكير في ما يمكن أن يحلّ محلّ هذا الانكفاء. وكشف أوباما عن تصوّره في مقابلةٍ أجرتها معه مجلة "ذي أتلانتيك" في نيسان (أبريل) 2016، خلال عامه الأخير في المنصب، حين قال إنه كان يفضّل أن يرى تفاهمًا بين السعودية وإيران، ومع شركائهما على التوالي، يظهر إمكانية "التوصّل إلى طريقة فعّالة لتقاسم المنطقة وإرساء نوعٍ من السلام البارد". بتعبيرٍ آخر، كان يأمل بوضع أُسس توازنٍ للقوى.
لكن هذه الرؤية اصطدمت بموقف إسرائيل وحلفائها داخل الولايات المتحدة. فقد أدرك هؤلاء، محقين، أن الرئيس كان يسعى إلى الإقرار بالدور الإيراني في الشرق الأوسط، ما يعني الاعتراف بتأثير طهران في دول عدّة في المنطقة. كما أنهم افترضوا، عن صوابٍ أيضًا، أن الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارته مع إيران كان بوّابةً مُحتمَلة لتطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية. وكان هذا المسار غير مقبولٍ في نظر إسرائيل، وهو ما دفعها إلى العمل، بالتعاون مع داعميها في واشنطن، على تقويض الاتفاق. وقد نجح هذا المسعى بانسحاب ترامب من "خطة العمل الشاملة المشتركة" في شهر أيار (مايو) 2018.
ومع اقتراب نهاية ولاية ترامب الأولى، اختار مقاربةً بديلة من أجل إدارة الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، قوامها تثبيت التفوّق الإسرائيلي وتشجيعه. وكان المسار الذي اتّبعه لتحقيق هذا الهدف هو "الاتفاقيات الإبراهيمية" للعام 2020، التي سعت إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية من خلال توقيع معاهدات سلامٍ مع دول عربية عدّة، متجاوزةً بالكامل القضية الفلسطينية أو الاحتلال الإسرائيلي المستمرّ لأراضٍ عربية. ولم يكن هذا التوجّه حكرًا على الجمهوريين؛ بل حظي بدعم الحزبَين في واشنطن. وحين تولّى جو بايدن الرئاسة، سعى إلى تتويج هذا المسار عبر محاولة إقناع المملكة العربية السعودية بالانضمام إلى هذه المعاهدات. كما اتّخذ إجراءات لتعزيز الاتفاقيات بمبادرات اقتصادية وجيوسياسية، من بينها إنشاء مجموعة I2U2 وطرح مشروع ممرٍّ يربط الهند بالشرق الأوسط.
في عهدَي ترامب وبايدن تَمثّل البديل لفكّ الارتباط الأميركي بالشرق الأوسط في تهيئة المنطقة لإحلال سلامٍ إسرائيلي برعاية أميركية لملء الفراغ الذي سينشأ. وقد تجلّى هذا النهج بأوضح صوره بعد اندلاع حرب غزة في العام 2023، حين اصطفّت إدارة بايدن بالكامل إلى جانب إسرائيل، في مواجهة ما اعتُبر تحدّيًا إيرانيًا. وهكذا، عمدَ الأميركيون إلى تسليح إسرائيل من دون قيد أو شرط، على الرغم من أن انتهاكاتها المنهجية لحقوق الإنسان كانت، من الناحية القانونية، تمنع واشنطن من القيام بذلك. وطوال الحرب على غزة، لم تكتفِ الولايات المتحدة بتجاوز الكونغرس مرارًا لنقل الأسلحة إلى إسرائيل، بل ساعدت الإسرائيليين أيضًا على استهداف القطاع، وعارضت جميع المسارات القانونية الرامية إلى محاسبة المسؤولين الإسرائيليين، وساهمت في إنشاء هيئة إنسانية مزعومة، أسفرت بصورةٍ ممنهجة عن مقتل فلسطينيين يتضوّرون جوعًا، في إطار مساعٍ لحصرهم في رقعة ضيّقة من غزة، تمهيدًا لدفعهم إلى خارج القطاع.
في الحرب على غزة تجاوز الاستثمار الأميركي في إسرائيل بكثير حدود مساندة حليف. وقد بات واضحًا بعد تشرين الأول (أكتوبر) 2023 مدى تبنّي صانعي السياسات والنوّاب الأميركيين تفسيرات إسرائيل للوقائع الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وعلى سبيل المثال، بموجب بنود خطة وقف إطلاق النار في غزة التي أعدّها ترامب في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، جرى تهميش مسألة حلّ القضية الفلسطينية وتمّت الإشارة إليها بعبارات جاهزة ومُختصرة. وعلى نحو مماثل، جرى التوصّل في عهد بايدن إلى اتفاقات ترجّح الكفّة إلى حدٍّ كبير لصالح إسرائيل. وعلى سبيل المثال، لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم مع لبنان في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 أكثر من اتفاقٍ فُرض على طرفٍ واحد، وتواصل إسرائيل خرقه بشكلٍ شبه يومي. وعلاوةً على ذلك، دعمت الولايات المتحدة لاحقًا إسرائيل في مساعيها المستمرّة منذ فترةٍ طويلةٍ لوقف عمليات قوة الأمم المتحدة المؤقّتة في لبنان (اليونيفيل)، ما يمنحها هامشًا أكبر للتصرّف بحرية في لبنان من دون أن تعيقها قوة دولية وترفع التقارير عن سلوكها.
لعلّ أبرز مؤشّر على حجم النفوذ الإسرائيلي على السياسة الأميركية في المنطقة هو نجاح إسرائيل في جرّ الولايات المتحدة إلى شنّ هجوم على إيران في حزيران (يونيو) 2025. وحين بدأ الإيرانيون بتكييف عملية إطلاق صواريخهم مع تضاؤل فعالية الدفاعات الجوية الإسرائيلية خلال المواجهة، الأمر الذي خلّف دمارًا واسعًا في المدن الإسرائيلية، كانت الولايات المتحدة هي التي سارعت إلى التدخّل لفرض وقف إطلاق النار مع إيران. وهذا ما يفسّر لماذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شديد الحرص خلال زيارته إلى واشنطن في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، على نيل موافقةٍ أميركية على ضربة جديدة مُحتملة ضدّ إيران. وهو ما يزال يتوق إلى نسف قدرة إيران على تصنيع الصواريخ البالستية.
بدأ نجاح إسرائيل في توجيه أجندة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في إثارة ردود فعل عكسية. وكان من أبرز تجلّيات الغطرسة الإسرائيلية قرار نتنياهو قصف مكاتب حركة "حماس" في الدوحة في أيلول (سبتمبر) الفائت. وعلى الرغم من قول ترامب إنه لم يكن على علم مُسبق بهذه العملية، دفعت الضربة عددًا من دول الخليج إلى التشكيك في تحالفها مع الولايات المتحدة التي أخفقت في حمايتها من السلوك الإسرائيلي الأكثر عدوانيةً. وبالنسبة لدولةٍ مثل المملكة العربية السعودية، أصبح من المنطقي أكثر اليوم الانضمام إلى إطار شراكةٍ يعمل على احتواء إسرائيل بدلًا من الاعتماد على الولايات المتحدة التي تسهّل الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية وفرض هذا الواقع على دولٍ أخرى.
وقد أصبح هذا التفكير منتشرًا على نطاقٍ واسع في المنطقة، حيث تشكل دولٌ مثل تركيا ومصر وقطر وإيران -وحتى باكستان- حلفاء ظرفيين يجمعهم هدفٌ مشترك هو كبح جماح إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة. وفي الآونة الأخيرة، عمَدت تركيا والسعودية إلى التصدّي معًا للرغبة الإسرائيلية في تقسيم سورية على أُسس عرقية وطائفية، من خلال دعم هجوم نفّذته الحكومة السورية ضدّ الأكراد في شمال البلاد وشمالها الشرقي. كما أكّدت السعودية، عبر تدخّلها العسكري في جنوب اليمن، أنها غير مستعدّةٍ للسماح لإسرائيل والإمارات العربية المتحدة بفرض نفوذٍ بحكم الأمر الواقع على مضيق باب المندب المؤدّي إلى البحر الأحمر. وأشارت تقارير أيضًا إلى مشاورات جارية بين تركيا والسعودية وباكستان حول إقامة حلفٍ دفاعي مشترك يهدف بصورة أساسية- ولو كان ذلك ضمنيًا- إلى التصدّي للهيمنة الإسرائيلية الإقليمية.
اليوم، يسعى هذا التحالف إلى تجنُّب حدوث ضربة أميركية على إيران، حيث يرى أن مثل هذا الهجوم لن يؤدّي سوى إلى تعزيز نفوذ إسرائيل، مع ما يحمله من مخاطر زعزعة استقرار المنطقة بشكلٍ كبير. وقد لا يعني هذا أنّ تكون السعودية وتركيا وإيران حلفاء دائمين، بل على العكس. الظروف قد تتغيّر. لكن لدى هذه الأطراف الثلاثة في الوقت الراهن مصلحةٌ مشتركةٌ في الحفاظ على وضعٍ قائمٍ لا يمكن أن يميل لصالح إسرائيل، ولا سيما في ظلّ استعداد واشنطن مرارًا لتبنّي الأولويات الإسرائيلية.
تبدو مكاسب إسرائيل في هذه المعادلة محدودة. في وجه ميل إسرائيل نحو التقسيم، ترغب دولٌ مثل تركيا والسعودية ومصر الإبقاء على دولٍ موحّدة تخضع كلٌّ منها لسلطة مركزية واحدة. ومع ذلك، ثمّة عاملٌ يصبّ في مصلحة الإسرائيليين هو أنّ لديهم دائمًا آذانًا صاغيةً في الولايات المتحدة. وأغلب الظن أنهم غير راضين اليوم عن تأخير الضربة الأميركية على إيران، لكن هذا التأجيل لا يعني أنهم سيتوقفون عن الضغط من أجل شنّ الهجوم. ربما يكون خصوم إسرائيل قد ربحوا المعركة مؤقتًا من خلال إرجاء الضربة، لكن الحرب أبعد ما تكون عن الانتهاء.
*مايكل يونغ: مدير تحرير في "مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت، ومحرر مدونة "ديوان" في كارنيغي المعنية بشؤون الشرق الأوسط. كان سابقا كاتبا ومحرر صفحة الرأي في صحيفة "ديلي ستار" اللبنانية، وينشر الآن مقالا أسبوعيا في كل من صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية، وفي الموقع الإلكتروني "ناو ليبانون". وهو مؤلف كتاب "أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن نضال لبنان من أجل البقاء" The Ghosts of Martyrs Square: An Eyewitness Account of Lebanon’s Life Struggle، الذي أدرجته صحيفة "وول ستريت جورنال" ضمن قائمة الكتب العشرة الأبرز للعام 2010، وحاز على الجائزة الفضية في مسابقة "جائزة الكتاب للعام 2010" التي نظمها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى".