النبّاشون والهبّاشون| م. عامر البشير
عمون-
يتناول هذا المقال ظاهرة عامة في أخلاقيات الإدارة والحوكمة، ويستخدم أمثلة افتراضية مركّبة لشرحها، من دون الإشارة إلى شخص أو جهة أو واقعة بعينها.
بين الحاجة والنفوذ
ليست كل يد تمتد بحثاً عن شيء سواء؛ فقد تمتد إلى حاوية نفايات بحثاً عمّا يصلح للبيع، وقد تمتد إلى المال العام أو القرار الإداري لتنتزع منه منفعة خاصة.
النبش تفتيش في المتروك، أما الهَبْش فهو اقتطاع من المشترك بالاستعانة بالنفوذ والثغرات. النبّاش يبحث فيما استغنى عنه الناس، بينما يمدّ الهبّاش يده إلى حق يُفترض أن يبقى في خدمة الجميع. والفارق أخلاقي في مصدر ما يُؤخذ، وفي الثمن الذي يدفعه المجتمع لاحقاً.
مسافة أخلاقية
ينحني النبّاش فوق ما رمته المدينة، بملابسه المتعبة ويديه الملطختين بأوساخ الحاويات. وفي المقابل، قد يقف الهبّاش داخل مؤسسة ما، محاطاً بالمكانة والصلاحية، ومتسلحاً بلغة تمنح المصلحة الخاصة اسماً عاماً.
الأول تدفعه غالباً الحاجة، وتتيح له فوضى الإدارة والتنظيم أن يستمر؛ أما الثاني فتغريه فرصة تُركت بلا ضابط. فالنبّاش يجمع ما قد لا يساوي ثمن وجبة، من دون أن تُفتح له الأبواب أو تُصاغ القرارات على مقاسه. أما الهبّاش فيعرف أين يبحث عن المنفعة: أرض عامة، أو عقد، أو رخصة، أو استثناء. وليس بالضرورة أن يخالف النص صراحة؛ فقد يكفيه أن يعرف بواطن الأمور، ويراهن على بطء الرقابة أو تشتت المسؤولية.
ينفر المجتمع من النبّاش لأن فوضاه مرئية، لكنه قد يجامل الهبّاش لأن ضرره يتأخر ظهوره: مشروع يتعثر، أو مناقصة تضيق شروطها حتى لا تلائم إلا منافساً واحداً، أو منفعة قيل إنها مؤقتة فتطول بلا تفسير.
ويمكن رصد هذه الأنماط بالأرقام: عقود تتكرر إحالتها إلى الجهة نفسها، أو استثناء يتسع عاماً بعد عام، أو قرارات تتشابه نتائجها رغم اختلاف مبرراتها. وليست هذه أدلة إدانة بذاتها، لكنها مؤشرات تستحق الفحص، من دون إهمالها أو تحويلها إلى أحكام مسبقة.
ومن واقع الخبرة التراكمية في هذا المجال، يمكن ملاحظة أنماط تتكرر بصور مختلفة. ولنأخذ مثالاً افتراضياً مركّباً، مستلهماً من طبيعة هذا المجال لا من واقعة محددة: تبقى قطعة أرض، وفق المخطط التنظيمي، على استعمال يجعل قيمتها ضمن الأسعار السائدة. يتقدم صاحبها بطلب تحويلها إلى محطة محروقات فيُرفض، ثم ينتقل حق التصرف فيها إلى شخص يتمتع، في هذا المثال الافتراضي، بنفوذ أو قدرة أكبر على الوصول إلى دوائر القرار؛ فيُقبل الطلب، وتُعرض الأرض لاحقاً بسعر يفوق قيمتها السابقة بكثير.
لا تثبت الموافقة وحدها وجود مخالفة، فقد تكون صادرة ضمن سلطة تقديرية، لكن القيمة التي صنعها القرار تثير أسئلة مشروعة: وفق أي معايير مُنحت هذه الموافقة؟ وهل أتيحت الفرصة نفسها لغيره؟ وهل عاد إلى المجتمع شيء من القيمة المضافة التي صنعها القرار العام؟
وفي مثال افتراضي مركّب آخر، قد يستأجر صاحب نفوذ أرضاً عامة محاذية لمنزله بأجر زهيد، فتتحول عملياً إلى حديقة خاصة. وقد تكون الموافقات الرسمية مستوفاة، لكن السؤال يبقى: هل عُرضت الأرض بشفافية وفي منافسة عادلة، أم تحوّل الملك العام إلى منفعة خاصة بعقد سليم شكلاً؟
ومن خبرة العمل العام، لا يبدأ الخلل الكبير بالضرورة بقرار صاخب؛ فقد يبدأ بتوقيع صغير أو استثناء قيل إنه لن يتكرر، ثم تتوالى الاستثناءات حتى يصبح الالتزام بالقاعدة حالة نادرة.
وتعلّمت أيضاً أن القرار لا يُقاس دائماً بسلامة أوراقه عند التوقيع؛ فقد تبدو المعاملة سليمة شكلياً، بينما تكشف نتائج التنفيذ عن خلل لا يرغب أحد في الإقرار به.
النبّاش: نتيجة للخلل
لا يعني ذلك تجميل نبش الحاويات؛ فهو يشوّه المشهد ويعرّض النبّاش والمارة لمخاطر صحية، لكنه في جوهره نتيجة لقصور إدارة قطاع البيئة وضعف الثقافة المجتمعية، قبل أن يكون سبباً للفوضى.
حين لا تتزامن مواعيد إخراج النفايات مع برنامج جمع موثوق، تتحول الأرصفة إلى مساحة مفتوحة للنبش. وحين يغيب الفرز من المصدر ولا تُحكم الأكياس، تتكرر الفوضى مهما زاد عدد الحاويات؛ إذ قد تصبح الحاوية نفسها بؤرة تلوث إذا ساء تشغيلها. فالنظافة علاقة يومية بين الإدارة والمواطن والعامل، وليست مسألة حاويات وآليات فقط.
لذلك لا تبدأ المعالجة بملاحقة النبّاش وحده، بل بتنظيم السلسلة كلها: ضبط مواعيد الجمع، والفرز من المصدر، وترخيص العاملين ودمجهم في اقتصاد منظم لاسترداد الموارد.
عندها ينتقلون من هامش الحاويات إلى عمل يحفظ الرزق والكرامة.
الهبّاش: حين تتبعثر المعايير
مشكلة الهبّاش أكثر تعقيداً؛ فهو لا يعمل دائماً خارج النظام، بل قد يجد طريقه بإعادة تفسير القانون، أو تأجيل تطبيقه، أو إغراق القرار في تواقيع يصعب معها تحديد المسؤولية. والرقابة المتأخرة لا تمنع الخلل، بل تسجله بعد وقوعه، حتى يصبح الاستثناء مساراً معتاداً.
ويُعامل المال العام أحياناً كأنه بلا مالك، مع أن له ملايين المالكين. والهبش ليس مالياً فقط؛ فمن ينسب إلى نفسه إنجاز فريق يهبش ثمرة تعب زملائه، ومن يستبعد أهل الخبرة لمصلحة الولاء يقتطع من مستقبل المؤسسة، حتى يصبح الخلل أوسع من قدرتها على احتوائه.
وقد يستتر الفعل باللغة؛ فـ«تسهيل الإجراءات» قد يعني تجاوزها، و«المرونة» قد تصبح استثناء لشخص بعينه، و«جذب الاستثمار» قد يخفي كلفة عامة. وقد تتحول «الرقمنة» إلى ستار يختفي خلفه المسؤول، بدلاً من أن تكون أداة للمساءلة. لذلك ينبغي أن تتبع هذه العبارات أسئلة واضحة: تسهيل لمَن؟ ومرونة ضمن أي حدود؟ واستثمار بكلفة يتحملها مَن؟ ورقمنة لتعزيز الشفافية وتسريع الإجراءات، أم للاختفاء خلفها؟
وقد يُستعار قاموس النزاهة نفسه لتصفية الحسابات، فتُطبّق «مكافحة الفساد» على خصم، ويُغضّ الطرف عن فعل مماثل. ولا تلغي هذه الانتقائية ضرورة المساءلة، لكنها تجعل الاتساق اختبارها الحقيقي: هل يُطبّق المعيار نفسه على الجميع؟ وإلا انتقل الهبش من يد إلى أخرى، ومن صورة إلى أخرى.
تضييق مساحة الهبش
لا يبدأ الإصلاح من نص القانون وحده، بل من قدرة المؤسسات على تطبيقه باستقلال وإرادة. ومن الإجراءات ذات الأولوية:
• تسبيب الاستثناءات وإعلانها: بنشر كل قرار يخرج عن القاعدة، خصوصاً في المؤسسات التي تمارس سلطة تقديرية، مع تعليل واضح وتحديد صاحب الصلاحية ومسار الاعتماد.
• فصل إعداد الشروط عن تقييم العروض: لمنع تفصيل المعايير على مقاس نتيجة معروفة سلفاً.
• تدوير شاغلي مواقع القرار الحساسة: وفق مدد وضوابط تحفظ الخبرة ولا تجعل الموقع حكراً دائماً، مع تطبيق الإحلال والتعاقب الوظيفي ونقل المعرفة.
• الإفصاح المسبق عن تضارب المصالح: وإلزام صاحبه بالتنحي عن القرار متى مسّ التضارب حياده.
• حماية الرافضين للتجاوز والمبلّغين عنه: قانونياً وإدارياً، حتى لا يدفع الموظف النزيه وحده ثمن موقفه.
• قياس النتائج بعد التنفيذ: لأن الانحراف قد يقع بين اعتماد القرار وتطبيقه.
الإجراء الجيد يحمي المال العام وصاحب القرار النزيه معاً؛ لذلك لا ينبغي النظر إلى الرقابة بوصفها خصماً للإدارة، بل ضمانة لها حين تُطبّق بعدالة. ولن تنجح الإجراءات بمجرد تدوينها؛ فقيمتها في استقلال الجهات التي تفعّلها، وفي تطبيقها من دون انتقائية، ضمن بيئة يساندها إعلام يسأل، ومجتمع مدني يصل إلى المعلومة، وقضاء مستقل.
وقد يسأل سائل: من يطبّق هذه الإجراءات إن كان أصحاب النفوذ أنفسهم مستفيدين من غيابها؟
إن انتظار إرادة موحدة قد يؤخر الإصلاح إلى ما لا نهاية. والأقرب إلى الواقع أن يبدأ من هامش أصغر: مؤسسة تنشر استثناءاتها، أو جهة رقابية تصرّ على قياس النتائج بعد التنفيذ لا عند التوقيع فقط. وحين ينجح مثال محدود في الإفصاح والاتساق، يصبح مرجعاً يصعب تجاهله ومعياراً تُقاس عليه جهات أخرى.
فالإصلاح نادراً ما يبدأ بقرار كبير يُفرض دفعة واحدة، بل بجهة تجرؤ أولاً، إلى أن تصبح كلفة عدم الإصلاح أعلى من كلفة تبنّيه.
المدينة العادلة
الفوضى بيئة تصنع سلوكها وتستدعي من يعرف كيف يستفيد منها. يأخذ النبّاش من نفايات المدينة في نهاية دورة الاستهلاك، بينما يضع الهبّاش نفسه في بداية دورة القرار، حيث تتحدد الجهات الرابحة والخاسرة.
في المدينة العادلة لا يُترك النبّاش أسيراً للحاوية، ولا يُترك الهبّاش حراً داخل المؤسسة. الأول يحتاج إلى عمل منظم يصون رزقه وكرامته، والثاني إلى قواعد تمنع تحويل النفوذ إلى غنيمة.
قد تخفي المدينة فقراءها عن الشوارع لبعض الوقت، لكن اختبارها الأصعب هو قدرتها على منع الأقوياء من العبث بحقوق الضعفاء. فالأوساخ التي تعلق باليد تُغسل بالماء، أما الضرر الذي يعلق بالمجتمع فقد يحتاج إلى أجيال لإزالته.
لذلك يبقى السؤال: لماذا يسهل علينا مطاردة من ينبش نفايات المدينة، بينما يصعب علينا محاسبة من يهبش مستقبلها؟