عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Jul-2026

لماذا لا تضرب إيران إسرائيل في المواجهة الحالية؟

 الغد

عواصم- مع اندلاع موجة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة وإيران، يتبادلان فيها الضربات، ويتمحور عنوانها الرئيسي حول ترتيبات المرور في مضيق هرمز وحرية الملاحة، يغيب عن الحرب طرف ظل في صدارة الصراع مع إيران، وهو الكيان الإسرائيلي المحتل. وتبدو هذه المفارقة أكثر تجليا عند المقارنة بجولات القتال السابقة.
 
 
ففي حرب حزيران (يونيو) 2025، لعبت دولة الاحتلال دور رأس الحربة في استهداف البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تنضم الولايات المتحدة إلى قصف المواقع النووية الإيرانية بقنابل خارقة للتحصينات. وفي حرب شباط (فبراير) 2026، برزت المواجهة منذ بدايتها بوصفها حربا أميركية إسرائيلية مشتركة على إيران، بل إن تل أبيب لعبت دور المحرض الرئيسي على هذه الحرب، لدرجة أن دوائر في الولايات المتحدة تعتقد أنها هي من ورطت الإدارة الأميركية فيها، ومقدراتها العسكرية الآن خارج الاستنزاف.
أما اليوم، فإن المشهد مختلف، فلا تشارك طائرات الاحتلال في الغارات على إيران، ولا الصواريخ الإيرانية تتجه إلى تل أبيب أو حيفا أو بئر السبع. يصعب تفسير هذا الغياب بأنه نتيجة تراجع تل أبيب عن النظر إلى إيران بوصفها تهديدا ذا أولوية، أو إغفالا منها لأهدافها الإستراتيجية، المتمثلة في إسقاط النظام وتفكيك البرنامج النووي وتقييد مدى الصواريخ ووقف دعم إيران للجماعات المعادية لدولة الاحتلال، إذ تؤكد المؤسسة العسكرية في الكيان المحتل دوما بأنها تتابع التطورات عن كثب، وتحافظ على أعلى درجات الجاهزية، استعدادا للعودة الفورية إلى القتال إذا تطلب الأمر ذلك أو حدث أي تغير في الموقف.
سر غياب الاحتلال 
تختلف المصالح الإستراتيجية للدول باختلاف الجغرافيا. بالنسبة للولايات المتحدة، يُشكّل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، أما تل أبيب فتنظر إلى المشهد من زاوية مصالحها، فتجارتها البحرية لا تعتمد على مضيق هرمز، حيث ترتبط موانئها الرئيسية، مثل حيفا وأشدود، بخطوط الملاحة في البحر المتوسط، بينما يظل ارتباطها بحركة السفن العابرة لهرمز محدودا مقارنة بدول الخليج أو القوى الصناعية الكبرى المستوردة للطاقة مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية. ومن ثم، فإن نجاح الولايات المتحدة في فرض حرية الملاحة في المضيق مكسب لتل أبيب لكنه لا يتطلب مشاركتها العسكرية في القتال.
في المجمل تهدف الولايات المتحدة إلى جلب إيران إلى طاولة التفاوض بسقف منخفض، ولا يبدو أنها تسعى على الأقل في الأمد القريب لرفع سقف أهدافها أو الانخراط في عمل بري ضخم ضد إيران. ومن ثم، فإن دخول دولة الاحتلال إلى الحرب لن يعضد الأهداف الأميركية، فبدلا من أن تبقى المواجهة محصورة في حرية الملاحة، ستتحول إلى حرب إقليمية، تتداخل فيها ملفات البرنامج النووي والساحات الإقليمية بما في ذلك لبنان وربما اليمن. وهو سيناريو لا يبدو أن واشنطن ترغب فيه في هذه المرحلة، كما لا تجد دولة الاحتلال نفسها مضطرة إليه، ما دامت أهدافها بإضعاف إيران تتحقق من دون أن تدفع ثمن المشاركة في القتال.
إذا كانت الحرب الحالية لا تمثل أولوية لدولة الاحتلال من الناحية الجغرافية، فإنها تمثل من الناحية الإستراتيجية فرصة يصعب تجاهلها. فطوال سنوات، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إقناع الإدارات الأميركية المتعاقبة بأن إيران لا تمثل تهديدا لكيانه وحده، بل تهدد مصالح الولايات المتحدة أيضا. ونجح في حث الرئيس دونالد ترامب على الانسحاب في عام 2018 من الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه أوباما.
ولكن الآن، تتولى الولايات المتحدة بنفسها مسؤولية القتال، وتتحمل الجزء الأكبر من الكلفة السياسية والعسكرية، بينما تبقى تل أبيب خارج دائرة النيران الإيرانية. ويمثل ذلك مكسبا مهما لتل أبيب. 
إيران وتحييد دولة الاحتلال
قد يبدو للوهلة الأولى أن امتناع تل أبيب عن دخول الحرب هو قرار إسرائيلي خالص، إلا أن متابعة سلوك طهران تشير إلى أن إيران أيضا ليست في عجلة من أمرها لخوض حرب مع دولة الاحتلال. فجولة القتال الحالية، من وجهة نظر إيرانية، عنوانها الرئيسي فرض الاعتراف بأن أمن مضيق هرمز لا يمكن أن يُدار من دون إيران، وأنها هي التي ستتحكم في ترتيبات الملاحة بالمضيق الحيوي.
وإذا بدأت إيران بقصف تل أبيب أو حيفا، فإن هدف الحرب وعنوانها سيتغير من الملاحة في هرمز إلى الحرب الإيرانية الإسرائيلية"
لا يعني ما سبق وجود اتفاق مكتوب بين طهران وتل أبيب بخصوص قواعد الحرب، بقدر ما يوضح وجود تقاطع مؤقت في المصالح فرضته طبيعة المعركة. كما أن الولايات المتحدة من جهتها هي الأخرى تريد إبقاء تركيز العمليات على إعادة فتح مضيق هرمز وتقويض القدرات الإيرانية التي تهدد الملاحة، من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد ترفع أسعار النفط بصورة حادة وتزيد الضغوط الداخلية على إدارة ترامب، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
عوامل دخول دولة الاحتلال الحرب
لم تخرج تل أبيب نهائيا من معادلة الصراع بطبيعة الحال، فغيابها عن جولة الحرب الحالية هو غياب تكتيكي، ودخولها إلى الحرب سيرتبط بمصالحها والسعي لتحقيق أهدافها. وأول هذه المتغيرات هو انتقال المعركة إلى هدف أكبر يتمثل في السعي مجددا لإسقاط النظام عبر تنسيق أميركي إسرائيلي ثنائي، مع التزام أميركي بالاستمرار في الحرب لحين تحقيق هذا الهدف.
أما المتغير الثاني فهو احتمال تعرُّض تعرض دولة الاحتلال لهجوم من إيران. حتى الآن، امتنعت إيران عن استهدافها، لكن هذا لا يعني أن الاحتمال مستبعد. فقد نقلت الولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية جزءا من طائراتها وأصولها العسكرية إلى الدولة المحتلة، كما عززت وجودها هناك، ما قد يمنح طهران مبررا لاعتبار بعض المنشآت داخلها جزءا من المجهود الحربي الأميركي. وإذا وقع مثل هذا السيناريو، فإن التفاهم الضمني القائم اليوم سينهار سريعا، وستعود دولة الاحتلال إلى الحرب.
ولا يمكن إغفال العامل السياسي الداخلي في دولة الاحتلال فقد اعتاد نتنياهو توظيف الملف الإيراني في إدارة أزماته الداخلية، ولعله يرى في لحظة معينة أن دخوله الحرب سيعزز رصيده، ويزيد الضغوط على إيران، ويثبت لترامب أنه حليف يمكن الاعتماد عليه. واللافت أنه يوجد إجماع داخل دوائر الأمن القومي الإيرانية، بحسب تريتا بارسي، المُحلل السياسي الإيراني السويدي، على أن إسرائيل تستعد لإشعال الحرب مع إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول (أكتوبر) القادم.