عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jul-2026

"المختار".. دراسة وثائقية تكشف حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع

 الغد-عزيزة علي

 يقدم الباحث الدكتور أحمد الجوارنة، في كتابه الصادر عن دار الخليج للنشر والتوزيع بعنوان "المُختار: الوظيفة الوطنية الرسمية في إمارة شرق الأردن (1921-1946م) – ناحية الكورة نموذجًا، دراسة في الوثائق الرسمية"، قراءة تاريخية تعتمد على الوثائق الرسمية المحفوظة في المكتبة الوطنية الأردنية، بهدف إعادة تسليط الضوء على وظيفة المختار ودورها في بناء الإدارة المحلية وتنظيم الحياة اليومية للسكان.
 
 
ويستند الكتاب إلى مئات الوثائق التي ترصد آليات تعيين المخاتير وانتخابهم، وعلاقتهم بالإدارات الحكومية، ومشاركتهم في قضايا التعليم والصحة والخدمات العامة، إلى جانب أدوارهم في توثيق المعاملات الرسمية وحل النزاعات ومتابعة احتياجات القرى.
ويتخذ المؤلف من ناحية الكورة نموذجًا لدراسة هذه الوظيفة، لما تتوافر فيها من وثائق رسمية تكشف تفاصيل مهمة عن طبيعة عمل المخاتير ومكانتهم في المجتمع المحلي.
ويشكل الكتاب محاولة لإحياء جانب من التاريخ الاجتماعي والإداري الأردني، وإبراز دور شخصية محلية كان لها تأثير مباشر في العلاقة بين الدولة والمجتمع، مستفيدًا من الوثائق التاريخية بوصفها مصدرًا أساسيًا لفهم تطور مؤسسات الإدارة المحلية في الأردن.
وجاء إهداء الكتاب إلى "رجالات شرق الأردن، ورجالات الكورة، وإلى جدي المختار الشيخ عبد الرحيم محمد الخليل الجوارنة".
ويشير الجوارنة في مقدمة كتابه إلى أن وظيفة المختار كانت من أبرز الوظائف الإدارية في شرق الأردن خلال أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إذ كان يُختار بالانتخاب أو بتزكية أهالي القرية، ثم يُعيَّن رسميًا من قبل الحاكم الإداري، ليكون حلقة وصل بين السكان والسلطات الحكومية.
وبين المؤلف أن وثائق الدولة الأردنية منذ تأسيس إمارة شرق الأردن وحتى قيام المملكة الأردنية المستقلة تكشف الدور المحوري للمختار في مختلف شؤون القرية. فقد اضطلع بمهام اجتماعية وإدارية وأمنية وتنموية، شملت متابعة قضايا التعليم والصحة، ورصد انتشار الأمراض، والإشراف على المعونات، والاتصالات، والزراعة، والحصاد، والانتخابات المحلية. كما تولى توثيق المواليد والوفيات، والإشراف على شق الطرق وإصلاحها، وبناء المساجد والعيادات الصحية ومكاتب البريد.
وكانت المعاملات الرسمية الخاصة بالأهالي تتطلب توقيع المختار لاعتمادها في مؤسسات الدولة، كما ساهم في فض النزاعات، وشهد على عقود الزواج والطلاق، ورافق الأهالي إلى المحاكم الشرعية والدوائر الحكومية. وبذلك، شكل المختار القناة الرئيسة التي مكنت المواطنين من الوصول إلى حقوقهم وخدماتهم ومكتسباتهم الحياتية.
ويشير الجوارنة، إلى أن المختار كان في إمارة شرق الأردن الشخصية المحورية في إدارة شؤون القرية، إذ مثل السلطة التنفيذية للدولة وحلقة الوصل بينها وبين المجتمع المحلي. وبحكم معايشته اليومية للأهالي، كان على دراية بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وعلاقاتهم، مما جعله عنصرًا أساسيًا في تنظيم شؤون القرية وتنفيذ السياسات الإدارية، حتى وُصف بأنه من أهم مفاتيح السلطة التنفيذية على المستوى المحلي.
قال المؤلف: "إنه اعتمد في إعداد الكتاب على الوثائق الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة الأردنية، التي حصل عليها بصورة رئيسة من المكتبة الوطنية الأردنية". وأكد أن هذه الوثائق تمثل مصدرًا تاريخيًا غنيًا يوثق تاريخ المجتمع والدولة الأردنية منذ عهد الإمارة، مشيدًا بالدور الذي تؤديه المكتبة الوطنية، ولا سيما دائرة التوثيق، في حفظ هذا الإرث التاريخي وإتاحته للباحثين.
وأوضح الجوارنة أن الوثائق الرسمية جاءت متناثرة، مما يتطلب من الباحث جمعها وتصنيفها وفق الموضوع والتسلسل الزمني. ويشير إلى أن وثائق ناحية الكورة كانت الأكثر وفرة في المكتبة الوطنية، ويعزو ذلك إلى حرص إدارتها على حفظ الوثائق والعناية بها.
ولفت إلى أن موضوع المختار توافر له عدد كبير من الوثائق المتعلقة بناحية الكورة، في حين يلاحظ نقصًا في الوثائق الخاصة ببقية نواحي وقرى إمارة شرق الأردن، رغم أهميتها التاريخية والتراثية.
يقسم المؤلف الوثائق إلى نوعين رئيسين: وثائق رسمية صادرة عن مؤسسات الدولة الأردنية، ولا سيما وزارة الداخلية والوزارات والمديريات الأخرى، ووثائق أهلية صادرة عن المخاتير والوجهاء والأهالي، تكتسب الصفة الرسمية بعد اعتمادها من الجهات المختصة.
وقد تمثلت هذه الوثائق غالبًا في مطالب وعرائض مرفوعة إلى الدوائر الحكومية، تحمل تواقيع المخاتير وأعضاء الهيئات الاختيارية والأهالي.
وأوضح المؤلف أنه أرفق الوثائق الرسمية بالكتاب لتعزيز مصداقية محتواه والالتزام بالمنهجية العلمية في توثيق تاريخ وظيفة المختار في الأردن. وأكد أن هدفه هو إحياء جانب من التاريخ المحلي وإتاحته للباحثين والقراء، معربًا عن شكره لكل من ساهم في مراجعة المعلومات التاريخية، ولا سيما ما يتعلق بقرية كفر الماء.
يتناول الجوارنة تطور وظيفة المختار في التشريعات التي حكمت الأردن، بدءًا من العهد العثماني الذي وضع أول إطار قانوني لهذه الوظيفة، مرورًا بفترة الانتداب البريطاني التي نظمتها من خلال تشريعات خاصة، وصولًا إلى عهد الإمارة والمملكة الأردنية الهاشمية، حيث صدرت قوانين نظمت إدارة القرى وعمل المخاتير، وأسست للإطار القانوني الذي استمرت عليه هذه الوظيفة.
ويعرض المؤلف الوثائق الرسمية المتعلقة بتعيين المخاتير في إمارة شرق الأردن والمملكة الأردنية، التي عُثر عليها في المكتبة الوطنية الأردنية. وشملت الدراسة 46 وثيقة صادرة عن وزارة الداخلية تخص ناحية الكورة، تضمنت أسماء 46 مختارًا، إلى جانب أعضاء الهيئات الاختيارية والحراس.
وأوضحت الوثائق أن عدد المخاتير كان يتحدد وفق عدد سكان القرية، وأن الهيئة الاختيارية والحراس كانوا يساندون المختار في أداء مهامه الإدارية وخدمة الأهالي.
يتناول الجوارنة مضابط الأهالي المطالبة بتعيين المخاتير، موضحًا أن تعيين المختار كان يتطلب تقديم طلب رسمي موقع من سكان القرية أو أفراد العشيرة، يُرفع إلى القائمقام ثم المحافظ ووزارة الداخلية لاتخاذ القرار. وقد اعتمدت الدراسة على ثماني مضابط محفوظة في المكتبة الوطنية الأردنية، تمثل مطالب قرى وعشائر مختلفة في ناحية الكورة بالحصول على مخاتير لإدارة شؤونها الرسمية والمحلية.
يتناول الكتاب العملية الانتخابية الخاصة باختيار المخاتير في قرى ناحية الكورة، حيث كانت الحكومة تطلب إعداد قوائم بأسماء الناخبين والمترشحين، وكان المختار يتولى تسجيل الناخبين والتحقق من أهليتهم، ثم رفع القوائم إلى الإدارة المحلية ممثلة بالقائمقام.
وقد اعتمدت الدراسة على نماذج من قوائم الناخبين في قريتي خنزيرة وكفركيفيا لتوضيح آلية انتخابات المخاتير.
وأشار الكتاب إلى مشاركة مخاتير ناحية الكورة العام 1945م في دعم بناء مئذنة مسجد إربد الكبير، حيث ساهم 54 مختارًا يمثلون مختلف قرى الناحية بمبلغ 44 جنيهًا فلسطينيًا (إنجليزيًا) لإعمار المئذنة، مما يعكس دورهم في المبادرات المجتمعية والمشاركة في الأعمال العامة.
وأشار الكتاب إلى أسماء مخاتير قرى ناحية الكورة التي وردت في وثيقة رسمية أعدّها قائمقام الناحية ورفعها إلى متصرف لواء عجلون، حمدي أبو السمن. وقد تضمنت الوثيقة جدولًا بأسماء المخاتير وعدد سكان قرى الناحية، حيث بلغ عدد سكان الكورة وفق السجلات الرسمية في تلك الفترة، نحو 26.605 نسمة.
وأوضح الكتاب الدور المهم الذي أداه المخاتير في دعم التعليم في قرى ناحية الكورة، إذ كانوا حلقة وصل بين المدارس والكتاتيب والإدارات المحلية، وساهموا في متابعة سلوك الطلبة وتشجيع الأهالي على دعم بناء المدارس وتوسعتها. كما شاركوا في جمع التبرعات وتوفير الدعم اللازم لنشر التعليم، مما ساعد على مواجهة الأمية، وقد عرض الكتاب نماذج من جهودهم في مدارس دير يوسف وجديتا وزمال ورحابا وزوبيا. وبين الكتاب دور المخاتير في الإشراف على شق وتعبيد الطرق في قرى ناحية الكورة، حيث أسهموا في تنظيم جهود الأهالي من خلال إعداد قوائم بالمتطوعين للمشاركة في هذه الأعمال. وقد ساعدت هذه الجهود المجتمعية في تحسين شبكة الطرق وخدمة القرى خلال تلك المرحلة التاريخية.
والكتاب يوضح أن المخاتير ساهموا في إعداد الإحصاءات السكانية التفصيلية في قرى ناحية الكورة، حيث جمعوا معلومات عن السكان وأعمارهم وأعمالهم، مع استثناء الأطفال والشيوخ والنساء من بعض تلك الإحصاءات. وقد عرض الكتاب نموذجًا من هذه الإحصاءات، الخاصة بقرية كفر الماء.
وأكد المؤلف في خاتمة الكتاب أن تاريخ المختار في إمارة شرق الأردن ما يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية، داعيًا الباحثين والمؤرخين إلى الاستفادة من الوثائق الوطنية المحفوظة في المكتبة الوطنية الأردنية. ويرى أن هذا الكتاب يمثل دراسة أولية حول وظيفة المختار ودوره الوطني في ناحية الكورة، نموذجا لتاريخ المختار في الأردن، مع تطلعه إلى إصدار جزء ثانٍ يتناول أدواره وأنشطته في الحياة العامة والرسمية.