"الخراريف والحكايات الشعبية".. كتاب يحفظ موروث الأجداد من الاندثار
الغد-عزيزة علي
يسلط كتاب "الخراريف والحكايات الشعبية: من تراثنا الفلسطيني الأصيل.. حكايات عاشها الناس وتناقلتها الشفاه"، للباحثة نوال نافع حردان، الضوء على جانب أصيل من الذاكرة الشعبية الفلسطينية، من خلال جمع الحكايات المتوارثة وتوثيقها، بوصفها جزءا من التراث الثقافي الذي يحمل ملامح الهوية الوطنية ويعكس حياة الناس وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم عبر الأجيال. صدر الكتاب عن دار أمجد للنشر والتوزيع، بدعم من وزارة الثقافة.
يستعيد الكتاب عالم الحكايات التي تناقلها الفلسطينيون شفهيا في السهرات والمجالس، وما حملته من مضامين اجتماعية وأخلاقية وإنسانية، أسهمت في ترسيخ قيم الشجاعة والإيثار والعدل والوفاء، والتحذير من السلوكيات السلبية، إلى جانب ما أتاحته من مساحات للخيال والتسلية واستخلاص العبر. كما يرصد انعكاس البيئات البدوية والريفية والمدنية في الحكايات، بما تتضمنه من عادات الضيافة والقهوة السادة، وتقاليد الأعراس، وحياة الفلاح، والعلاقات الاجتماعية، وقصص المدن وأسواقها.
ويجمع الكتاب بين الخراريف ذات الطابع الخيالي والحكايات المستندة إلى أحداث وتجارب واقعية، موثقا أنماطا من السرد الشعبي الذي شكل، على امتداد سنوات طويلة، وسيلة لنقل المعرفة والخبرات والقيم بين الأجيال. وتبرز أهمية الكتاب في حفاظه على مفردات اللهجة الشعبية ومضامين الحكايات وأساليب روايتها، وإتاحتها للقارئ المعاصر بلغة واضحة تقرب هذا الموروث من الأجيال الجديدة.
وتؤكد الحكايات، بما تحمله من رموز ودلالات ومواقف، أن التراث الشعبي ليس مجرد وسيلة للتسلية، بل سجل حي للذاكرة الجمعية ومرآة تعكس وجدان المجتمع وتحولاته. ومن هذا المنطلق، تأتي جهود حردان في جمع هذه الروايات وتدوينها لتسهم في صون التراث الفلسطيني وحمايته من الاندثار، وتعزيز حضوره في الوعي الثقافي، وربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
كتب الباحث والمؤرخ والشاعر عايد محمد عودة أبو فردة تقديما للكتاب، يشير فيه إلى أن الخراريف نشأت في زمن اعتمد فيه الناس على السمر والرواية للتسلية ونقل الخبرات، فكانت الحكاية الشعبية أداة للتواصل الثقافي ووسيلة لغرس القيم الاجتماعية، مثل الصدق والشجاعة والوفاء وحب الخير.
وأوضح أبو فردة أن الحكايات الشعبية شكلت تعبيرا عن الوجدان الجمعي للشعوب، إذ تناولت قضاياها وأحلامها ومخاوفها بأسلوب بسيط وقريب من القلب. ومن هنا، تتشابه الخراريف العربية والإفريقية والآسيوية في كثير من مضامينها، رغم اختلاف البيئات والثقافات.
وبين أن الخراريف الشعبية تزخر بالدلالات الرمزية؛ فالوحش، مثلا، قد يرمز إلى الخطر أو الظلم، فيما تمثل الفتاة الجميلة البراءة والنقاء، ويجسد البطل الفقير العدالة والانتصار على الطغيان. ومن خلال هذه الرموز، عبرت الشعوب عن قضاياها بأساليب فنية مؤثرة رسختها الذاكرة الشعبية وتناقلتها الأجيال.
ويضيف أن الخراريف الشعبية تمثل جزءا من التراث الثقافي غير المادي، لما تحفظه من لغة الشعب وتقاليده وأمثاله ومعتقداته. كما أدت دورا تربويا في تنشئة الأطفال وتعليمهم القيم بأسلوب ممتع، وأسهمت في تنمية الخيال وتشجيع التفكير الإبداعي والتأمل في معاني الحياة.
ويشير إلى أن هذه الحكايات وثقت أحداثا وتقاليد ومعتقدات قد لا ترد في الكتب، ما يجعلها سجلا حيا لذاكرة الشعوب وتاريخها، ورافدا مهما في الحفاظ على التراث الشعبي ونقله إلى الأجيال المقبلة.
ورغم التطور التكنولوجي، ما تزال الخراريف الشعبية مصدر إلهام للأدب والسينما والمسرح، إذ تحولت قصص عديدة منها إلى أعمال سينمائية عالمية، من بينها "علاء الدين"، "السندباد"، "علي بابا"، ما يؤكد قيمتها الفنية والإنسانية واستمرار حضورها عبر العصور.
ويؤكد أبو فردة أن الخراريف الشعبية ليست مجرد حكايات للتسلية، بل تراث إنساني يحمل حكمة الأجداد ويجسد صوت الشعوب عبر الزمن، فهي مرآة تعكس وجدان الأمة، وجسر يربط الماضي بالحاضر والواقع بالخيال. ولذلك، تبقى من أبرز رموز الهوية الثقافية التي تستحق الحفظ والتوثيق والنقل إلى الأجيال المقبلة.
ويشيد أبو فردة بجهود المؤلفة نوال نافع حردان في جمع هذا الكم من الخراريف والحكايات الشعبية وتقديمها إلى القراء بأسلوب سلس ومعاصر، من خلال نقلها من اللهجة العامية إلى لغة واضحة تتيح للأجيال الجديدة فهمها واستيعاب مضامينها. كما أوضح أنها شرحت معاني بعض الكلمات الواردة في عناوين الحكايات ومتونها، مستفيدة من انتمائها إلى بيئة شعبية، ومعرفتها بالمفردات والأغاني والأهازيج المتوارثة، فضلا عن معايشتها هذا التراث منذ طفولتها.
ويرى أن هذه الخبرة أسهمت في نجاح العمل، مشيدا بدور المؤلفة في صون التراث الفلسطيني وقيمه وربطه بالحاضر، في ظل ما يتعرض له من محاولات طمس الهوية الفلسطينية. وأشار إلى أن حردان، شأنها شأن العديد من أبناء فلسطين المتمسكين بتراثهم وأصالتهم، تؤدي دورا مهما في حماية هذا الموروث من خلال تدوينه والتعريف به.
وشدد أبو فردة على أن العودة إلى التراث لا تعني التراجع إلى الماضي، بل البحث فيه عن الأصالة والنقاء، مؤكدا أهمية توثيق الموروث الثقافي بوصفه إحدى ركائز الهوية الوطنية وامتدادا يصل الماضي بالحاضر والمستقبل. واختتم كلمته بتحية فلسطين وبلاد المسلمين، معربا عن تقديره للمؤلفة وجهودها الأدبية.
من جانبها، أوضحت الباحثة نوال نافع حردان، في مقدمة تناولت فيها مفهوم الخراريف والحكايات الشعبية، أن السرد الشعبي يقوم على الرواية الشفهية التي تتداولها الجماعة وينقلها الأفراد من جيل إلى آخر، مستخدمين اللهجة العامية المتداولة في بيئتهم. وأشارت إلى أن هذا السرد يتميز ببنية خاصة للقصة الشعبية وأسلوبها، فضلا عن مجهولية المؤلف، الذي يذوب إبداعه ضمن الذاكرة الجماعية للجماعة التي تتناقل الحكاية.
وتضيف حردان أن من أبرز أهداف الحكايات الشعبية التسلية، ولا سيما في زمن لم تكن فيه وسائل التكنولوجيا الحديثة، كالتلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي، متاحة. كما أتاحت هذه الحكايات للناس فرصة الاستراحة من ضغوط الواقع والتحليق في عوالم الخيال، بما يفسح المجال أمام المتلقي للتعبير عن آماله وآلامه، وإيجاد متنفس يخفف عنه أعباء الحياة.
وتشير الباحثة نوال نافع حردان إلى أن الناس تناقلوا الشعر والحكايات والقصص والأغاني الشعبية عبر الأجيال، مستعينين بها في ترسيخ القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية، مثل الشجاعة والإيثار والطموح والشرف والعدل والمساواة والإخلاص. كما أسهمت في التحذير من السلوكيات الاجتماعية السلبية، كالنفاق والتحايل والغدر والانتقام والحقد والحسد والخيانة.
وتوضح حردان أن الحكاية الشعبية شكلت وسيلة غير مباشرة لتوجيه الأطفال واستخلاص العبر، من خلال التأكيد أن النية الحسنة تؤتي ثمارها، وأن من يزرع الشر يحصد عواقبه.
وترى الباحثة أن أصول كثير من الحكايات تعود إلى الديانات القديمة والأساطير المرتبطة بها، وأنها استمرت حتى يومنا هذا بفضل تناقلها شفهيا بين أفراد المجتمع عبر الأجيال.
وأوضحت أن الحكايات الشعبية عكست الحياة الاجتماعية والقيم السائدة في المجتمعات البدوية والريفية والمدنية، موثقة تفاصيل الحياة اليومية وعاداتها وتقاليدها. ففي البيئة البدوية، تناولت طقوس إعداد القهوة السادة، وتقاليد استقبال الضيوف، وحكايات الحروب والغزوات بين القبائل، والعلاقات العاطفية بين أبناء القبائل المتنازعة.
أما في البيئة الريفية، فقد عكست حياة الفلاح وعلاقته بأرضه، ودور المضافة في حل الخصومات، ومفاهيم الشرف والأخلاق، إلى جانب تقاليد الأعراس ومظاهر الفرح ومراسم الوفاة. كما تناولت حكايات المدن جوانب من الحياة التجارية والصناعية والتنقل، واستحضرت مواقف وأحداثا مستمدة من الواقع.
وبحسب حردان، يرى عدد من الباحثين والمهتمين بالتراث أن الحكاية الشعبية تؤدي وظيفة تعويضية، إذ تتيح للإنسان تحقيق رغبات يصعب بلوغها في الواقع. كما تحمل مضامين أخلاقية وفلسفية، وتقدم أنماطا سلوكية تُبرزها الأحداث وتؤكدها مسارات الشخصيات.
وتضيف أن بعض الحكايات توظف الفكاهة لتقديم نقد لاذع لجوانب من الحياة الاجتماعية، من خلال تصويرها بصورة سلبية منفرة أو إيجابية مشرقة، ما يعكس ارتباط الأدب الشعبي بقضايا المجتمع وقيمه. وأشارت إلى أن النهايات السعيدة تتكرر في كثير من هذه الحكايات، وتأتي غالبا متوقعة لدى المستمعين.
وفي تعريفها للخراريف، أوضحت حردان أنها جمع "خريفية" أو "تحريفة"، وتطلق على الحديث الخيالي الذي يتضمن المبالغة والطرافة، ويبتعد عن الواقع والحقيقة. وكانت هذه الحكايات تروى للأطفال خلال السهرات الشتوية بأسلوب مشوق ومؤثر، ويتبادل الناس طلب روايتها بعبارة "تحرّفني"، أي احكِ لي أو حدّثني.
ولفتت إلى أنه في الوقت الذي كان فيه الرجال يرتادون المقاهي لقضاء أوقات الفراغ والاستماع إلى الحكواتي، أو راوي القصص، كانت تروى حكايات شهيرة، من بينها "الزير سالم"، "عنترة بن شداد"، "تغريبة بني هلال"، "ألف ليلة وليلة". وقد تركت هذه القصص أثرا عميقا في نفوس المستمعين، الذين تفاعلوا مع أحداثها وتعلقوا بشخصياتها، فأحبوا الفضائل ونفروا من الرذائل.
وعن كتابها "خراريف وحكايات شعبية"، أوضحت حردان أنها جمعته بهدف الحفاظ على الحكايات المتوارثة وصونها من الضياع، مستندة إلى ما سمعته من والدتها، التي نقلتها بدورها عن والدتها وجدتها، في سلسلة من الروايات الشفهية التي امتدت عبر الأجيال.
وبينت أن الكتاب يتألف من بابين؛ يتناول الأول الخراريف ذات الطابع الخيالي، فيما يضم الثاني حكايات وقصصا واقعية تستند إلى أحداث وتجارب حقيقية.