الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دان شتاينبوك* - (إنفورمد كومينت) 21/7/2026
على مدى عقود، استند الدعم الأميركي لإسرائيل إلى واحدة من أقوى المسلّمات الحزبية المشتركة في واشنطن: أن المساعدات العسكرية لإسرائيل هي ضرورة إستراتيجية، وأنها موضوع لا يمكن المساس به سياسياً. لكنّ غزة أضعفت هذا التوافق.
الآن، أصبح المنتقدون يرون أن المساعدات العسكرية لإسرائيل هي إستراتيجية مضلَّلة وهدف سياسي. وظهر التحول الأوضح في هذا الإطار داخل الحزب الديمقراطي.
انهيار التوافق الحزبي حول إسرائيل
مدفوعين بتغيرات في توجهات الناخبين والتركيبة الديموغرافية، والمخاوف الإنسانية بشأن غزة، والصراع غير المبرر مع إيران، دعم أكثر من 100 نائب ديمقراطي في مجلس النواب الأميركي مؤخراً تعديلاً يسعى إلى حجب مليارات الدولارات من المساعدات المرتبطة بإسرائيل، في تحول استثنائي عن أنماط التصويت السابقة. ودعت قيادة الديمقراطيين في مجلس النواب -بما في ذلك زعيم الأقلية، حكيم جيفريز- رسمياً إلى "إعادة ضبط كبرى" للعلاقات الأميركية-الإسرائيلية.
كما حظيت الجهود داخل مجلس الشيوخ لتقييد نقل الأسلحة بدعم ديمقراطي واسع، بما يعكس تصاعد المخاوف بشأن سقوط ضحايا مدنيين، والقانون الدولي، ومسؤولية الولايات المتحدة.
لم يعد التحالف الجمهوري موحداً كما كان في السابق. وفي حين ما يزال معظم المشرعين الجمهوريين يحافظون على دعم قوي لإسرائيل، شرعت شخصيات مرتبطة بحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (ماغا) -متأثرة بالنزعة المناهضة للتدخل العسكري، وأولويات "أميركا أولاً"، والشكوك تجاه المساعدات الخارجية- في التشكيك بصورة متزايدة في الالتزامات المفتوحة وغير المحددة.
ويتمحور تصاعد المعارضة داخل حركة (ماغا) لنقل الأسلحة الأميركية حول انقسام أيديولوجي عميق بشأن سياسة التدخل الخارجي. وقد غادرت النائبة السابقة عن ولاية جورجيا، مارغوري تايلور غرين، منصبها في كانون الثاني (يناير) 2026 بعد خلاف حاد مع الرئيس ترامب.
وفي حين يدعم جزء كبير من قاعدة الحزب سياسة الرئيس ترامب الخارجية، فإن تياراً متنامياً وصاخباً -تؤيده شخصيات بارزة مثل تاكر كارلسون، وكانديس أوينز، والنائب توماس ماسي- يعارض استمرار شحنات الأسلحة غير المشروطة إلى إسرائيل.
والنتيجة هي مشهد سياسي جديد: ثمة الديمقراطيون التقليديون المؤيدون لإسرائيل، والمحافظون الإنجيليون، والديمقراطيون التقدميون، والجمهوريون التحرريون، والمحافظون المناهضون للتدخل العسكري، والذين أصبحوا يتعاملون مع القضية انطلاقاً من منطلقات مختلفة جذرياً.
وهكذا لم يعد النقاش يدور ببساطة حول ثنائية "مؤيد لإسرائيل مقابل معادٍ لإسرائيل". وأصبح الأمر يتعلق بما إذا كانت المصالح الإستراتيجية الأميركية، والقوانين المحلية، والالتزامات الدولية، والمخاوف الإنسانية، ما تزال قابلة للتوفيق ضمن السياسة القائمة.
من الجدل السياسي
إلى التحديات القانونية
في الوقت نفسه، نقلت المبادرات القانونية التي تتهم مسؤولين أميركيين بالتواطؤ أو بالفشل في منع الانتهاكات الإسرائيلية المزعومة النقاش من المجال السياسي إلى ساحات المحاكم، والمؤسسات الدولية، وقضايا المساءلة التاريخية.
وتطور الجدل القانوني عبر مسارات متعددة. وكانت أهم قضية في الولايات المتحدة هي قضية "منظمة الدفاع عن الأطفال الدولية–فلسطين ضد بايدن" التي رفعتها منظمات فلسطينية، وسكان من غزة، وفلسطينيون أميركيون، ضد الرئيس بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، بسبب ما وصفوه بـ"الفشل في منع الإبادة الجماعية المتواصلة ضد غزة والتواطؤ فيها".
وإلى جانب منظمات حقوق الإنسان، رُوّجت الدعوى التي أقامها جوش بول، الذي استقال من وزارة الخارجية الأميركية احتجاجاً على شحنات الأسلحة إلى إسرائيل؛ ومنظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام"؛ ومجموعة من علماء الإبادة الجماعية والمحرقة اليهودية بقيادة المحامي الدولي ويليام شاباس.
وأكد المدَّعون أن إبادة جماعية -أو خطراً جدياً لوقوع إبادة جماعية- ضد الفلسطينيين في غزة كانت تحدث فعلياً. كما جادلوا بأن الولايات المتحدة تنتهك التزاماتها بموجب القانون الدولي في ما يتعلق بمنع الإبادة الجماعية وعدم التواطؤ فيها.
واعتقد المدعون أن هذه الإخفاقات الأميركية تسهم في تقويض "المعايير الراسخة وواسعة القبول في القانون الدولي"، بما في ذلك "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" و"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
أسقطت المحكمة الأميركية قضية "فلسطين وآخرون ضد بايدن وآخرين"، وقضت بأنه "على الرغم من أن من المعقول القول إن سلوك إسرائيل يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية"، فإن السياسة الخارجية الأميركية هي مسألة سياسية لا تمتلك المحاكم صلاحية النظر فيها. وفي قرار مكتوب، اقتبس قاضي المحكمة الجزئية الأميركية، جيفري وايت، بموافقة من حُكم تمهيدي سابق (صدر عن "محكمة العدل الدولية" في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل). وقد خلص ذلك الحكم إلى أن سلوك إسرائيل في غزة قد يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وأمرها بوقف قتل الفلسطينيين وإلحاق الأذى بهم.
وتشمل المبادرات الأخرى حملات المناصرة والتحركات القانونية التي قادتها جماعات مثل "الديمقراطية للعالم العربي الآن" DAWN (داون)، التي حذرت المسؤولين الأميركيين من أن استمرار تقديم المساعدات بعد العلم بالانتهاكات المزعومة قد يثير أسئلة تتعلق بالمساعدة والتحريض على ارتكاب الجرائم.
وأرادت منظمة (داون) أن تحقق "المحكمة الجنائية الدولية" مع بايدن وبلينكن وأوستن بشأن انتهاك المادتين 25(3)(ج) و25(3)(د) من نظام روما الأساسي. وتتعلق هذه الجرائم بالأفعال نفسها التي وردت في مذكرات الاعتقال الصادرة عن "المحكمة الجنائية الدولية" بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. ومن المثير للاهتمام أن مذكرة (داون) وسعت نطاق مفهوم "المسؤولية بالتبعية" ليشمل عدداً من المسؤولين الأميركيين الآخرين أيضاً.
وفي الآونة الأخيرة، تحدت (داون) والمنظمات المتحالفة معها كذلك إجراءات إدارة ترامب التي استهدفت أنشطة المناصرة المرتبطة بـ"المحكمة الجنائية الدولية".
ودعم عالم الإبادة الجماعية، ويليام شاباس، وخبراء آخرون في القانون الدولي الحجج القائلة بأن الدول الثالثة قد تتحمل المسؤولية إذا قامت -وهي على علم- بتسهيل ارتكاب الفظائع. وفي وسائل الإعلام المؤسسية السائدة، ما تزال هذه التفسيرات القانونية موضع خلاف (على الرغم من تزايد انتشارها). لكنها وسّعت نطاق النقاش ليتجاوز إسرائيل نفسها ليشمل الدول التي توفر الأسلحة، أو الحماية الدبلوماسية، أو الغطاء السياسي.
المسؤولية بالتبعية لأعضاء حكومة بايدن
يرى منتقدو إدارة بايدن أن المسؤولية لا يمكن حصرها بالرئيس وحده. وهم يشيرون إلى شبكة أوسع من صانعي القرار شاركت في عمليات نقل الأسلحة، وتوفير الحماية الدبلوماسية، والتنسيق الاستخباراتي، وصياغة الرسائل السياسية.
خلال حملتها الرئاسية الفاشلة، أكدت نائبة الرئيس كامالا هاريس استعدادها لتحمل المسؤولية التنفيذية من خلال دعم استمرار المساعدات العسكرية لإسرائيل. وعلى الرغم من اعترافها بأن غزة كانت تمثل "كارثة إنسانية"، فإنها قالت أنها لن تغيِّر السياسة التي اتبعها بايدن. كما أنها لم تكن لتوقف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل.
وكان دور وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، هو الأكثر أهمية لأنه كان اليد اليمنى لبايدن في شؤون الشرق الأوسط، وقاد الدبلوماسية الأميركية في المنطقة، التي كانت في معظمها عقيمة وغير ناجحة. وتشرف وزارة الخارجية على العلاقات الدبلوماسية، والموافقات على صفقات الأسلحة، وتطبيق معايير المساعدات الخارجية المرتبطة بحقوق الإنسان.
اعتمد الدعم العسكري الأميركي على المسؤولين التابعين لبايدن، والذين فشلوا في إطلاق التحذيرات بشأن استخدام عمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل بما يتعارض مع السياسة الخارجية الأميركية، والمعايير القانونية المحلية، والالتزامات الدولية. ومن بين هؤلاء بوني جينكينز، وكيلة وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي؛ وستانلي إل. براون، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية بالإنابة للشؤون السياسية والعسكرية، وهي الإدارة التي تنسق بين وزارتي الخارجية والدفاع بشأن نقل الأسلحة وتشرف على مديرية ضوابط التجارة الدفاعية.
إلى جانب بلينكن، اضطلعت وزارة الدفاع بدور حاسم. فقد شارك وزير الدفاع، لويد أوستن، ومسؤولون كبار في هذه العملية، لأن الوزارة تدير برامج المساعدة العسكرية والتعاون الأمني. واعتمد الدعم العسكري لإسرائيل على مسؤولين كبار مثل أماندا دوري، وكيلة وزارة الدفاع لشؤون السياسات، التي قدمت التوجيه الإستراتيجي لمبيعات الأسلحة الدولية، ومايك ميلر، بصفته مدير "وكالة التعاون الأمني الدفاعي".
ومن بين المسؤولين الآخرين الذين حددهم المنتقدون مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، الذي قدم المشورة للرئيس بشأن التداعيات الإستراتيجية لنقل الأسلحة، وضمان التنسيق بين أجهزة الدفاع والدبلوماسية والاستخبارات.
كما أدت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد، بدورها دوراً بارزاً في مجلس الأمن الدولي. وقد استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد سبعة قرارات دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، وتقديم المساعدات الإنسانية، وفرض قيود على الهجمات الإسرائيلية ضد المدنيين.
وكانت توماس-غرينفيلد الوجه العلني لحكومة كانت، بحسب منتقديها، أكثر استعداداً لتمويل الأسلحة المستخدمة في الإبادة الجماعية من استعدادها لوضع حد للفظائع.
وبصفتها وزيرة للخزانة، قد تبدو جانيت يلين أشبه بجدة لطيفة وهادئة، لكنها تعهدت أيضاً بأن الولايات المتحدة قادرة على تحمل تقديم كميات ضخمة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا وإسرائيل في الوقت نفسه، بما يضمن استمرار تدفق الأسلحة بلا توقف في الحربين. كما حذرت إيران من أنه ليس هناك شيء "مستبعد" فيما يتعلق بالعقوبات إذا ما تم ربط طهران بالهجوم الذي قادته حركة "حماس" ضد إسرائيل.
أما وزيرة التجارة جينا ريموندو، فقد أشرفت على صادرات التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج. وكان مدير "وكالة الاستخبارات المركزية"، ويليام ج. بيرنز، ومديرة الاستخبارات الوطنية أفريل هاينز، مرتبطين بصورة وثيقة بإجراءات حكومة بايدن المتعلقة بغزة.
وهكذا، بالإضافة إلى الأعضاء الثلاثة الرئيسيين والداعمين الستة في حكومة بايدن، يشمل الاتساع المتزايد لنطاق مفهوم المسؤولية بالتبعية ما لا يقل عن ستة رؤساء آخرين لوزارات تنفيذية، ونحو عشرة مسؤولين آخرين على مستوى مجلس الوزراء.
لا يتعلق السؤال القانوني بما إذا كان كل مسؤول دعم القرارات السياسية يتحمل المسؤولية ذاتها بالضبط. والمسألة الأكثر تحديداً هي ما إذا كان الأفراد الذين واصلوا -وهم على علم- تنفيذ سياسات يُزعم أنها أسهمت في أعمال غير قانونية وارتكاب فظائع جماعية، أو سهلوا تلك السياسات أو دافعوا عنها، يمكن -أو ينبغي- أن يواجهوا عواقب سياسية أو تتعلق بالسمعة أو عواقب قانونية.
تاريخياً، أصبحت المساءلة بعد وقوع الفظائع الجماعية لا تقتصر فقط على النظر إلى الفاعلين في ساحات القتال، وإنما أيضاً إلى الشبكة المتوسعة من القادة السياسيين، والإداريين، والممولين، والمؤسسات التي تمكّن الحملات العسكرية وتوفر لها الدعم.
هل الجرائم الجماعية بلا عقاب؟
في رواية "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، اعتقد راسكولينكوف أنه فوق الأخلاق العادية. وبما أن بعض الأشخاص، في تصوره، مقدَّر لهم أن يتجاوزوا حدود الخير والشر من أجل هدف أسمى، فإنه يرتكب جريمة قتل، لكنه يكتشف أنه لن يحصل على الخلاص من دون التكفير عن خطيئته. ويكشف انهيار راسكولينكوف عن حقيقة أعمق: لا يستطيع أي عقل، مهما بلغ من العبقرية، أن يمحو إنسانيته الخاصة. لكنّ الأمور ربما تكون قد تغيرت منذ زمن دوستويفسكي.
بعد مغادرتهم مناصبهم، انتقل العديد من كبار مسؤولي بايدن إلى الأوساط الأكاديمية، والاستشارات، والنشر، ومجالس الإدارة الاستشارية، ومؤسسات السياسات العامة. وهم يتحدثون اليوم بإسهاب عن إنجازاتهم الكبرى في حكومة بايدن.
بعد مغادرته منصبه في 20 كانون الثاني (يناير) 2025، بدأ الرئيس السابق، جو بايدن، بكتابة مذكراته عن البيت الأبيض. وبفضل اتفاق مع "وكالة الفنانين المبدعين" (CAA) -وهي مؤسسة هوليوودية عملاقة- يأمل بايدن في الاستفادة مالياً من الفرص المستقبلية. وقد قلل من ظهوره العلني بسبب خضوعه لعلاج مستمر من سرطان البروستاتا.
وبعد أن عملت بوصفها صدىً لسياسة بايدن بشأن غزة، انتقلت نائبة الرئيس، كامالا هاريس، إلى لوس أنجلوس مع عائلتها. ومثل بايدن، وقعت هي أيضاً مع "وكالة الفنانين المبدعين" للتركيز على نشاطات الخطابة والنشر.
أما وزير الخارجية السابق بلينكن، فقد دخل دائرة السياسات العامة والأوساط الأكاديمية. ولديه اتفاق لنشر كتاب مع "دار كراون للنشر". ويَعِد الكتاب بتقديم "نظرة صريحة" و"نادرة" إلى الغزو الروسي لأوكرانيا والحرب في غزة. ومن المرجح أن بلينكن يأمل في الحصول على منصب جديد في إدارة ديمقراطية لما بعد ترامب، أو العودة إلى مجال الاستشارات المربحة في القطاع الخاص.
كما عاد وزير الدفاع السابق، أوستن، إلى دوائر سياسات الدفاع والاستشارات. وقبل انضمامه إلى إدارة بايدن، كان قد حصل على ملايين الدولارات من شركات دفاعية، بينما كان يعمل إلى جانب بلينكن في شركة "باين آيلاند كابيتال بارتنرز" -وهي شركة أسهم خاصة تستثمر في شركات الدفاع. وفي صيف العام 2025، عاد إلى "مؤسسة كارنيغي"، في الوقت الذي أطلق فيه شركة استشارية اسمها "كلاريون ستراتيجيز" مع مسؤولين سابقين في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبصفته الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس، أصبح في موقع يمكّنه من الاستفادة من صناعة الدفاع العالمية.
وانضم جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق، إلى كلية كينيدي بجامعة هارفارد بصفته أول أستاذ لممارسة فن الحكم والنظام العالمي يحمل اسم أستاذ كيسنغر. وبعد الإبادة الجماعية في غزة، أصبح يدرّس العلاقات الدولية والإستراتيجية العالمية.
وتعمل ليندا توماس-غرينفيلد، الوجه العلني لحكومة بايدن في الأمم المتحدة، مستشارةً رفيعة في شركة الاستشارات العالمية للدعوة والسياسات "أبكو وورلدوايد". وقد ارتبط اسم "أبكو" على مدى سنوات بمسائل مثيرة للجدل، من بينها حملات مؤسسية لصالح صناعة التبغ، والضغط السياسي لحكومات أجنبية ذات سجلات ضعيفة في مجال حقوق الإنسان، وعلاقات مع شركات دفاع إسرائيلية، والتحقيقات المتعلقة بالتجسس على الصحفيين.
انضمت جينا ريموندو، وزيرة التجارة السابقة، إلى "مجلس العلاقات الخارجية" بصفة زميلة متميزة، حيث تشارك في رئاسة فريق عمل معني بالأمن الاقتصادي.
وبعد دورها في عمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل وفي الإبادة الجماعية في غزة، تعمل بوني جينكينز أستاذة زائرة للشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن. وما يزال ستانلي براون، المتخصص في المساعدات الأمنية، وتدمير الأسلحة، وعمليات الأمن الدولي، يواصل القيام بالدور نفسه الذي أداه خلال الإبادة الجماعية في غزة. كما انتقلت جانيت يلين وويليام بيرنز وغيرهما من المسؤولين السابقين إلى أدوار استشارية، أو مؤسسية، أو في القطاع الخاص.
يرى المؤيدون أن هذه الانتقالات تعكس دورة ديمقراطية طبيعية بين الحكومة والأوساط الأكاديمية ومؤسسات صنع السياسات. ويقول المنتقدون إنها تكشف عن مشكلة بنيوية. فالمسؤولون المشاركون في قرارات السياسة الخارجية المثيرة للجدل غالباً ما يواجهون عواقب محدودة، ويستطيعون مواصلة العمل داخل شبكات النخب. كما أن ظاهرة الباب الدوار بين البيت الأبيض والقطاع الخاص تزيد من تعقيد المشكلة.
وتكمن القضية الأوسع في طبيعتها المؤسسية وليس الشخصية. فإذا كان المسؤولون الذين يصممون سياسات مثيرة للنزاع أو يدافعون عنها لا يخضعون لأي مراجعة حقيقية وفعالة، فمن المرجح أن تستنتج الإدارات المستقبلية أن الكلفة المرتبطة بالسمعة يمكن التحكم فيها، وأن المخاطر القانونية ستكون محدودة.
تصعيد ترامب: غزة، وإيران، و"المحكمة الجنائية الدولية"، وادعاءات التواطؤ
حوّلت إدارة ترامب الثانية النقاش حول غزة من مسألة تتعلق بالدعم العسكري الأميركي إلى مواجهة أوسع بشأن حدود السلطة التنفيذية، والقانون الدولي، ومسؤولية الولايات المتحدة عن سلوك حلفائها.
ويرى المنتقدون أن الرئيس دونالد ترامب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومستشار الأمن القومي السابق والسفير الأميركي الحالي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تجاوزوا سياسات عهد بايدن من خلال رفض العديد من القيود الخارجية على أفعال الولايات المتحدة وإسرائيل.
في ما يتعلق بغزة، دعمت إدارة ترامب مواقف يصفها المنتقدون بأنها تسهّل احتمال وقوع جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو عمليات تهجير قسري.
وكان الاقتراح الأكثر إثارة للجدل هو طرح ترامب فكرة أن الولايات المتحدة يمكن أن تتولى السيطرة على غزة وتنقل سكانها الفلسطينيين إلى أماكن أخرى؛ وهي خطة رأى منتقدوها أنها تثير أسئلة خطيرة بموجب القانون الإنساني الدولي، في حين قدمها مؤيدوها بوصفها مبادرة لإعادة الإعمار وتحقيق الأمن.
ومع سعي إدارة ترامب إلى تبني سياسات معادية لآليات المساءلة الدولية، أصبحت المواجهة مع المحكمة الجنائية الدولية قضية محورية. وقد أصدر ترامب "الأمر التنفيذي 14203" الذي فرض عقوبات وقيوداً أخرى على مسؤولي "المحكمة الجنائية الدولية المشاركين" في التحقيقات التي تمس أفراداً أميركيين أو مسؤولين إسرائيليين، بحجة أن المحكمة تصرفت بصورة غير مشروعة ضد السيادة الأميركية وضد حلفائها.
في المقابل، يرى المنتقدون أن مهاجمة "المحكمة الجنائية الدولية، في وقت يشهد حماية مسؤولين إسرائيليين يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تنطوي على خطر كبير يتمثل في إضعاف آليات المساءلة العالمية".
وعندما يتعلق الأمر بإيران والشرق الأوسط الأوسع، تبنت الإدارة إستراتيجية "الضغط الأقصى" من خلال إعادة فرض العقوبات وتكثيف الجهود الرامية إلى تقييد برنامج إيران النووي، وشبكاتها الإقليمية وقدراتها العسكرية. ويحذر المنتقدون من أن سياسات التصعيد -بما في ذلك دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران والتهديدات بردود انتقامية ساحقة- قد تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب الإقليمية، والتسبب في أضرار جديدة للمدنيين، والمشاركة في جرائم حرب وجرائم جماعية.
لا ترتكز الحجج القانونية الأساسية الموجهة ضد الإدارة على فكرة أن كل مسؤول ارتكب شخصياً جرائم، وإنما ترى أن كبار صانعي السياسات قد يتحملون مسؤولية سياسية أو قانونية إذا قاموا -وهم على علم- بالسماح بأفعال تنتهك القانون الإنساني الدولي أو بتسهيل هذه الأفعال أو توفير الحماية لها.
يبقى السؤال التاريخي هو ما إذا كانت هذه السياسات ستُذكر باعتبارها ممارسات ضرورية لممارسة قوة الدولة، أم باعتبارها سابقة قامت فيها قوة عظمى بإعفاء نفسها وشركائها بصورة متزايدة من القواعد التي تزعم الدفاع عنها.
انهيار المصداقية
ثمة سؤال مركزي أيضاً يتعلق بما إذا كانت السياسات المثيرة للجدل في زمن الحرب ستصبح استثناءات مؤقتة أم سوابق دائمة. فإذا أصبح إلحاق أضرار واسعة بالمدنيين، أو عمليات نقل غير مقيدة للأسلحة، أو اتهامات متعلقة بالعقاب الجماعي، أو شن هجمات على مؤسسات المساءلة، أموراً مقبولة سياسياً، فإن العواقب ستتجاوز حدود غزة.
لطالما روجت الولايات المتحدة تاريخياً للمعايير القانونية الدولية مع استثناءات إستراتيجية. لكنّ النقاش حول غزة يكشف هذا التناقض بصورة أكثر حدة من كثير من الصراعات السابقة، لأن واشنطن تؤدي في الوقت نفسه دور المورّد العسكري، والحامي الدبلوماسي المفترض، والمدافع العالمي عن "النظام القائم على القواعد".
وبذلك تتمثل القضية الجوهرية في انهيار المصداقية المؤسسية للولايات المتحدة نتيجة الفجوة القاتلة بين القيم التي تعلنها واشنطن والأحداث التي يمكن ملاحظتها على أرض الواقع.
لم تعد ثمة عودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل غزة.
*دان شتاينبوك Dan Steinbock: خبير فنلندي في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية. يحمل درجة الدكتوراة في علوم الاتصال. عمل باحثاً أول في أكاديمية فنلندا، كما كان باحثاً زائراً ضمن "برنامج فولبرايت" في الولايات المتحدة. شغل منصب مدير الأبحاث في مجال الأعمال الدولية في "معهد الهند والصين وأميركا". وعمل زميلاً زائراً في "معهد شنغهاي للدراسات الدولية" و"مركز الاتحاد الأوروبي في سنغافورة". تركز أبحاثه على التحولات في النظام العالمي متعدد الأقطاب، والعلاقات الأميركية–الصينية، ودور دول الجنوب العالمي، وله مؤلفات ودراسات عديدة حول الاقتصاد الدولي والعولمة والتكنولوجيا، من أبرزها "ثورة نوكيا" The Nokia Revolution؛ و"سقوط إسرائيل" The Fall of Israel؛ و"عقيدة الإبادة" The Obliteration Doctrine.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Collapse of the Bipartisan Consensus over US-Israel Ties