بين تأخر الرد و"جاري الكتابة".. كيف تغذي تطبيقات المحادثة القلق؟
الغد-ديمة محبوبة
ترفع لين هاتفها للمرة العشرين خلال أقل من نصف ساعة. لا إشعارا جديدا، ولا رسالة وصلت، لكنها تعود إلى المحادثة ذاتها، كأن شيئا سيتغير هذه المرة. تتوقف عيناها عند إشارة تختصر عبارة واحدة: "تمت قراءة الرسالة".
قبل ثلاث ساعات، أرسلت رسالتها، ومنذ ذلك الحين لم يصلها سوى الصمت. في تلك اللحظة، يبدأ عقلها بكتابة قصة كاملة: "هل انزعج مما قالت؟ هل تجاهلها عمدا؟ هل فقد اهتمامه بها؟".
تستعيد سريعا موقفا مشابها حدث قبل أسبوع، حين اكتشفت لاحقا أن خطيبها كان نائما بعد يوم عمل طويل، لكن استحضار تلك الحقيقة لا يمنع القلق من العودة، وكأن العقل يصر في كل مرة على اختيار أسوأ الاحتمالات، حتى لو أثبت الواقع عكسها مرارا.
كانت الحقيقة بسيطة جدا هذه المرة أيضا؛ فقد كان نائما بعد نوبة عمل مرهقة، بينما كانت لين تخوض وحدها معركة كاملة مع احتمالات لم تحدث.
ما تعيشه لين لم يعد حالة فردية، بل أصبح جزءا من يوميات كثيرين؛ فالهاتف الذكي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى مساحة تُقاس فيها العلاقات، وتُختبر فيها المشاعر، وتُقرأ فيها النوايا من خلال مؤشرات رقمية صغيرة.
ففي الأعراس، تلمع شاشات الهواتف بين الأغاني والرقصات، وفي الجلسات العائلية، تتوقف الأحاديث فجأة بينما ينشغل الجميع بتفقد الرسائل. وحتى في أوقات الراحة، تتحول تفاصيل بسيطة، مثل عبارة "يكتب الآن" التي تظهر ثم تختفي، أو "آخر ظهور"، أو كلمة "شوهدت"، إلى مؤشرات يحملها الناس معاني تفوق بكثير ما صممت لأجله.
أحيانا، لا يحتاج القلق سوى إلى ثلاث نقاط متحركة تختفي قبل أن تتحول إلى رسالة. قال كريم، وهو شاب في أواخر العشرينات: "إنه يعرف تماما أن ما يفعله غير منطقي، لكنه لا يستطيع مقاومته".
"بفتح المحادثة وبسكرها، وبعد دقيقتين برجع بفتحها، وكأني إذا فتحتها أكثر رح يرد أسرع. بعرف إنه التفكير غلط، بس ما بقدر أوقف". قال كريم أحمد: "إن أكثر اللحظات التي تستنزفه هي عندما تظهر عبارة "يكتب الآن"، ثم يختفي المرسل فجأة من دون أن تصله أي رسالة".
وقال: "هاي اللحظة بتخليني أتخيل سيناريوهات أسوأ بكثير من أي رسالة ممكن توصلني"؛ بحسب كريم.
لا يتوقف الأمر عند الهاتف فقط، إذ يقول كريم إنه يكون أحيانا جالسا بين أفراد عائلته، يشاركهم المكان، لكن ذهنه يبقى عالقا داخل محادثة لم تكتمل.
يضحك معهم أحيانا، لكنه في داخله يترقب اهتزاز الهاتف أكثر مما يصغي لما يدور حوله، حتى إن المقربين منه بدأوا يلاحظون شروده المتكرر ويسألونه إن كان هناك ما يقلقه، بينما لم يكن يمتلك إجابة واضحة.
وترى المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني، أن تطبيقات المحادثة خلقت شكلا جديدا من القلق العاطفي لم يكن موجودا قبل أعوام قليلة.
وقالت: "إن الإنسان بطبيعته لا يحب الفراغ، وعندما تغيب المعلومة الكاملة، يبدأ العقل بملء هذا الفراغ بنفسه، وغالبا ما يختار أسوأ التفسيرات".
وأوضحت أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في طبيعة المعلومات التي تقدمها؛ فالتطبيق يخبرنا أن الرسالة وصلت أو تمت قراءتها، لكنه لا يخبرنا شيئا عن ظروف الطرف الآخر، ولا عن سبب التأخير، ولا إن كان مشغولا أو نائما أو يقود سيارته أو، ببساطة، نسي الرد.
وأضافت: "نتعامل مع تأخير الرد وكأنه مؤشر على مشاعر الشخص تجاهنا، بينما قد يكون السبب عاديا جدا ولا علاقة له بنا إطلاقا".
ولفتت الكيلاني، إلى أن هذا القلق يصبح أكثر حدة لدى الأشخاص الذين يربطون قيمتهم الذاتية بسرعة استجابة الآخرين لهم.
وأوضحت أن الإنسان، حين يشعر أن سرعة الرد تعكس مقدار أهميته عند الآخرين، فإنه يضع تقديره لنفسه في مكان هش، ويصبح أي تأخير، مهما كان بسيطا، قادرا على إرباكه.
ومن زاوية اجتماعية، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، أن هذه الظاهرة تعكس تحولا عميقا في مفهوم الحضور بين الناس.
وقال: "إن الحضور في الماضي كان يُقاس بالوجود الجسدي، أما اليوم، فقد أصبح للحضور الرقمي معاييره الخاصة، مثل سرعة الرد، ووقت آخر ظهور، وعدد الدقائق التي استغرقتها الإجابة، وهي مؤشرات تحولت إلى لغة اجتماعية غير مكتوبة، يفسرها كل شخص بطريقته، وغالبا بطريقة قاسية على نفسه".
وأشار الخزاعي، إلى أن تطبيقات التواصل صنعت توقعات اجتماعية جديدة، فالتأخر في الرد أصبح يفسر لدى الناس باعتباره تجاهلا أو فتورا أو إهمالا، رغم أن هذا المعنى لم يكن موجودا قبل انتشار هذه التطبيقات، عندما كان الانتظار أمرا طبيعيا لا يثير كل هذا القلق.
وأضاف أن ارتباط الناس المستمر بهواتفهم، جعل الفصل بين الحياة الواقعية والحياة الرقمية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
أصبح الإنسان حاضرا بجسده في مكان، لكنه غائب بذهنه في مكان آخر، يجلس مع عائلته أو أصدقائه، بينما ينتظر ردا لم يصل بعد، وهذا يضعف جودة حضوره الحقيقي مع من حوله.
وأكد أن هذا التحول لا يقتصر على المراهقين، بل يشمل مختلف الفئات العمرية، وإن اختلفت الدوافع وطرق التعبير عنه. بحسب الخزاعي
أما لين، فحين شعرت أن هذا القلق بدأ يسرق وقتها وهدوءها، قررت أن تجرب تغييرا صغيرا؛ فأغلقت الإشعارات لساعات محددة من يومها، ووضعت لنفسها قاعدة بسيطة: ألا تفتح المحادثة المعلقة أكثر من مرة كل ساعة.
وقالت: "إن الأيام الأولى لم تكن سهلة، لكنها بعد أسبوعين فقط شعرت بأن المسافة بينها وبين هاتفها أصبحت أقل توترا، وأن الصمت لم يعد يبدو مخيفا كما كان".
وأما الشاب كريم، فصار يواجه قلقه بسؤال واحد يطرحه على نفسه كلما بدأ في اختراع السيناريوهات: "هل أملك دليلا حقيقيا على وجود مشكلة، أم أنني فقط أملأ فراغا لا أعرف سببه؟".
وفي معظم المرات، يكتشف أن الفراغ ظل فراغا، وأن الشيء الوحيد الذي سارع إلى احتلاله كان القلق بلا مبرر.