عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Nov-2026

غزة أمام إبادة المستقبل (2-2)

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دانيال فالكون*؛ وريتشارد فولك* - (كاونتربنش) 27/10/2026
دانيال فالكون: مع اقتراب موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، قد يتجه الاهتمام إلى سؤال ما إذا كان تغيير الحكومة قادراً على تعديل مسار الحملة الإسرائيلية القائمة على الإبادة الجماعية. إلى أي مدى يمكن للتغيير الانتخابي أن يحقق ذلك؟
 
 
 
ريتشارد فولك: لا أعلّق أي أمل على أن تسفر انتخابات تشرين الأول عن آثار إيجابية في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة. وربما تكون أفضل نتيجة ممكنة، بعد التأييد الحماسي الذي أبداه دونالد ترامب لترشيح بنيامين نتنياهو، أن يخسر نتنياهو الانتخابات، وأن يفوز غادي آيزنكوت ويشكّل حكومة من خلال التوصل إلى اتفاق ائتلافي مع قوى سياسية من خارج اليمين المتطرف ذي التوجهات الدينية المتشددة. وسيتم تفسير ذلك على أنه رفض لموقف ترامب.
بالنظر إلى عدم قدرة ترامب عن الاعتراف بالهزائم، سواء كانت عسكرية أم سياسية أم حتى شخصية، فقد يدفعه هذا الرفض إلى إعادة النظر في أولويات السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط بطريقة لا ترضي تل أبيب. لكنّ من غير المرجح أن يحدث ذلك بأي صيغة تترك أثراً إيجابياً في النضال الفلسطيني، أو تدفع إسرائيل إلى تبني نهج مختلف تجاه مستقبل غزة يكون أكثر توازناً وأقل استعمارية، ولا يستبعد التمثيل الفلسطيني من إطار الترتيبات المتعلقة بمستقبل القطاع.
يتطلب إحداث تغيير حقيقي في النهج الإسرائيلي تحولاً أعمق، يتمثل في المقام الأول في تخلي إسرائيل عن الصهيونية بوصفها مرجعية أساسية لهوية الحكم، وخاصة في ما يتعلق بالسياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين. ويظل هذا التحول مستبعداً إلى حد بعيد في المدى القريب بالنظر إلى توجهات المرشحين الرئيسيين، وهو ما يعززه تأييد ترامب المطَمئِن لنتنياهو ونهجه العام في التعامل مع مسألة استقرار المنطقة.
وحتى لو فاز آيزنكوت، فمن شبه المؤكد أن تظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة متمسكة بإدامة الظروف غير الصالحة للعيش فيها في غزة إلى أن يغادرها جزء كبير من الفلسطينيين الذين يُقدَّر عددهم بنحو مليوني نسمة، مدفوعين باليأس والإحباط -أو يُجبَروا على الرحيل بما يمهّد الطريق أمام إعادة احتلال إسرائيل للقطاع وفرض سيادتها عليه.
لا شك في أن صمود الفلسطينيين يتعرض لاختبار قاسٍ بفعل الانتهاكات الإسرائيلية شبه اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2025. وتستمر هذه الانتهاكات حتى الآن بتسامح من الهيئة الدبلوماسية المشوّهة التي تُسمّى "مجلس السلام"، وتشكل محور خطة ترامب لمستقبل غزة.
 
فالكون: لقد استشهدتَ بالمبادئ التأسيسية للأمم المتحدة، وفي مقدمتها المساواة في السيادة والسلم الدولي. فهل تمثّل سلطة النقض التي يمتلكها أعضاء مجلس الأمن على القرارات الموضوعية عائقاً وجودياً أمام إحلال السلام في فلسطين؟
فولك: من الأفضل فهم القضية الجوهرية التي يطرحها هذا السؤال في ضوء تصميم الأمم المتحدة الذي عُهد به إلى الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية في العام 1945. لم يتم إنشاء المنظمة على أساس التزام واضح لا لبس فيه بتحقيق الصالح العام من خلال منع الحروب. كما جُعل تحقيق رؤيتها للسلام والعدالة والتنمية، التي عبّرت عنها ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، معتمداً بطريقة غير واقعية على حسن إدارة الدول المنتصرة الرئيسية لشؤون الدولة والسياسة الدولية.
ولم يكن التعويل على الحكمة السياسية، الذي استهدف قبل كل شيء الحد من مخاطر اندلاع حروب كبرى، كافياً لضمان سيطرة الدول المنتصرة على النظام العالمي بالصورة التي أرادتها، أو لحملها على ممارسة ضبط النفس في سعيها إلى تحقيق طموحاتها الإستراتيجية -وهو ما يفترضه التصرف المسؤول في إدارة شؤون الدولة. وقد اختار واضعو ميثاق الأمم المتحدة، لأسباب مفهومة تتصل بمصالحهم الذاتية، منح الدول المنتصرة سلطة التحكم في الأمور بدلاً من إعطاء الأولوية لمبدأ المساواة في السيادة والسلم الدولي.
من المشكوك فيه أن يكون إصلاح الأمم المتحدة ممكناً بمبادرة طوعية، وخاصة في ما يتعلق بإلغاء حق النقض -أو حتى الحدّ من استخدامه. وقد يصبح من الممكن ضم دولتين أو أكثر من دول الجنوب العالمي إلى المنظمة، بما يجعل دور القوى الجيوسياسية فيها أقل خضوعاً للهيمنة الغربية وأكثر تعبيراً عن التنوع الحضاري في العالم. ولكن، بالنظر إلى الآفاق المستقبلية كما تبدو الآن، يبدو أن الدور العام للأمم المتحدة في إرساء السلام وتحقيق العدالة آخذ في التراجع، وسط اهتمام جيوسياسي محدود بعكس هذا الاتجاه.
لقد أيّد مجلس الأمن، بشكل غير متوقع في الحقيقة، قيادة ترامب للجهود الرامية إلى رسم مستقبل غزة من خلال القرار رقم 2803 الصادر في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، والذي حظي بإجماع شبه كامل.[11] ومن غير المعتاد -بل وربما غير المسبوق- أن يُسمح لمرتكبي الجرائم الجسيمة والمساهمين في تمكينهم بأن يجنوا مكاسب دبلوماسية ومادية من أفعالهم غير المشروعة. ويتجلى ذلك بوضوح في هذه المرحلة الأخيرة من الإبادة الجماعية في غزة.
وكما أظهرت الأحداث الأخيرة في غزة وأوكرانيا وإيران، فإن حق النقض يشلّ تنفيذ مبادئ الأمم المتحدة، بما فيها تشجيع التسوية السلمية للنزاعات الدولية، والامتناع عن اللجوء إلى القوة على الصعيد الدولي، إلا في الحالات التي تستوفي المعايير الصارمة للدفاع عن النفس. ويشكّل تواطؤ الديمقراطيات السياسية الغربية الكبرى دليلاً حاسماً على أنه، على الرغم من تصاعد مخاطر المواجهات العسكرية الراهنة وإهمال التحديات البيئية والتكنولوجية العالمية، لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن إدارة الأمن العالمي على المستوى الجيوسياسي ستلتزم معايير معقولة تحترم القانون وتراعي المسؤولية في إدارة شؤون الدولة.
 
فالكون: أصدرت مولي كرابابل مؤخراً كتاباً مهماً عن مفهوم "دويكايت" (Doikayt)، أي "الوجود هنا"، لدى "اتحاد العمال اليهودي" (البوند)، سلطت فيه الضوء على شخصيات مثل فلاديمير ميديم، وهنريك إيرليخ، وماريك إيدلمان.[12] ورأت أن من المهم الالتفات إلى التقاليد السياسية البديلة التي فضّل فيها الاشتراكيون اليهود حقوق الإنسان العالمية على الصهيونية. كيف يمكن لهذا النوع من الأعمال أن يسهم في بلورة فهم أفضل للأفق السياسي لفلسطين؟
 
فولك: لم أقرأ كتاب كرابابل. ولكن، استناداً إلى ما عرفته عن تطور الأيديولوجيا الصهيونية، لا يحدوني أمل كبير في إمكانية تغيير الهيمنة الأيديولوجية التي تطبع السياسة الإسرائيلية الخارجية والداخلية، حتى لو جرت محاولة لإعادة تفسيرها من داخلها على أيدي مفكرين تقدميين أو مناصرين لدولة ثنائية القومية مثل مارتن بوبر وألبرت أينشتاين. لقد تصوّر اليهود تحررهم بطرائق أخرى، لكن الصيغة الراهنة للصهيونية تحظى بدعم التيار السائد في إسرائيل، وبإجماع نخبوي متنوع يتفق أعضاؤه تماماً على مواصلة المسار القائم. وتربط هذه الرؤى الصهيونية المتضخمة بشأن مصير إسرائيل بين محو الوجود الفلسطيني وإخضاع التهديدات الإقليمية.
ثمة توترات جوهرية تبرز في إسرائيل تتصل بالتعارض العميق بين أولويات السياسة والحكم لدى النواة العلمانية في المجتمع الإسرائيلي وبين اليمين الديني المتطرف الذي يزداد عدوانية ونفوذاً، وتجسّده شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ولكن عندما يتعلق الأمر باستهداف الفلسطينيين وتأجيج الحروب في المنطقة، لا تكاد توجد مسافة تُذكر بين اليمين المتطرف والتصور الصهيوني لمستقبل إسرائيل الذي يتبناه نتنياهو وآيزنكوت.
مع ذلك، لا يمكننا استبعاد حدوث تحول جذري في الموقف الصهيوني في ظل استمرار عزلة إسرائيل. فقد أصبحت صورتها غير مقبولة على المستوى الدولي، وأخذت تُدفع إلى مرتبة الدولة المارقة. ومع ذلك يذكرنا ما حدث في جنوب أفريقيا من تغيير للنظام بأن ما يبدو مستحيلاً في لحظة ربما يصبح ممكناً في سياق التاريخ الدولي.
 
فالكون: يقودنا هذا، في سياق غزة، إلى تناول مفهوم "إبادة المستقبل" (Futuricide) الذي طرحته ستيفاني لاتيه عبد الله.[13] فهل يشبه هذا المفهوم، إلى حد ما، مفهومي "الإبادة البيئية" أو "الإبادة الشاملة"، من الناحيتين القانونية والأخلاقية؟[14] تقول عبد الله: "إن محو البشر والأماكن والماضي، والآثار الصادمة التي تطال الأجيال، والكارثة البيئية، تشكّل جميعها ما يمكن تسميته ’إبادة المستقبل‘، حين يصبح كل ما يتيح لنا تصوُّر مستقبلٍ لغزة هدفاً للتدمير".
 
فولك: يقع مفهوم "إبادة المستقبل" (Futuricide) عند الطرف الأقصى للتفكير المعياري الاستشرافي. وعلى الرغم من أنه لا يدّعي أنه يشكّل قاعدة ملزمة، ومن الواضح أنه لا يرقى إلى مرتبة الجريمة الدولية، فإن هناك مبررات قوية لاعتبار ملاحظته واجباً أخلاقياً وسياسياً يعبّر عن أخلاقيات المسؤولية. ويقترب "إعلان اليونسكو بشأن مسؤوليات الأجيال الحالية تجاه الأجيال المقبلة"، الصادر في العام 1997، و"إعلان الأجيال المقبلة" الذي اعتمدته قمة الأمم المتحدة للمستقبل في العام 2024، من الاعتراف الرسمي بمفهوم "إبادة المستقبل" في سياق المسؤولية البيئية. لكنّ هذا الاعتراف جاء في صورة تطلُّع أخلاقي وليس كالتزام قانوني.
لقد بلغنا مرحلة من العصر الأنثروبوسيني** أصبح فيها النشاط البشري قادراً على تدمير فرص الحياة المستقبلية -وليس للبشر وحدهم بما قد يفضي إلى ’الإبادة البشرية الشاملة‘، وإنما لجميع الأنواع الحية والنباتية أيضاً. وينبغي لمعايير الحكم المسؤول أن تأخذ هذا الخطر في الحسبان -على الأقل بالقدر الذي يؤثر في الخطاب العام وفي اعتماد ما يُسمّى "المبدأ الاحترازي" عند النظر في إجراءات محتملة تنطوي على مخاطر بيئية. وقد تم إدراج هذا المبدأ في عدد من المعاهدات الدولية المكرّسة لحماية البيئة، لكن بالإمكان توسيع نطاق تطبيقه ليشمل مجالات موضوعية أخرى.
وثمة أوجه مقارنة كاشفة مع نشأة مفهوم "الإبادة البيئية" وتطوره. وقد استرعى هذا المفهوم الانتباه أول مرة بوصفه تكتيكاً حربياً خلال حرب فيتنام عندما استخدمت الحكومة الأميركية مبيدات حشرية على نطاق واسع لإزالة الغطاء النباتي الذي كانت تختبئ خلفه الأنشطة المعادية للقوات القومية الفيتنامية. وقد ألحقت هذه الاعتداءات السامة على البيئة أضراراً جينية بالبشر والحيوانات الذين تعرضوا للتربة والمياه القريبة من النباتات الملوثة. ثم استُخدم مفهوم الإبادة البيئية لاحقاً لتبرير معارضة الممارسات المدمرة للبيئة التي تنتهجها الشركات ورواد الأعمال في القطاع الخاص.
مارس الناشطون المناهضون للإبادة البيئية ضغوطاً مكثفة من أجل إقرار معايير تعزز الوزن القانوني والأخلاقي لدعوتهم وأنشطتهم العلنية، وأسهموا في دفع الجهات الفاعلة في قطاع الشركات إلى تبني سياسات أكثر استجابة للمعايير البيئية. ويمكن للناشطين المطالبين بسلوك أكثر مسؤولية من جانب الشركات والحكومات بالاستناد إلى مفهوم "إبادة المستقبل"، أن يستفيدوا من تجربة مناهضي الإبادة البيئية وأن يقوموا بتطويرها.
 
 
*دانيال فالكون Daniel Falcone: مؤرخ وصحفي ومدرّس أميركي، وطالب دكتوراة في برنامج التاريخ العالمي بجامعة سانت جونز في نيويورك. يتركز اهتمامه البحثي على ثورات العام 1848 واللاجئين السياسيين الذين لجأوا إلى نيويورك، وعلى تاريخ الذاكرة السياسية. وهو عضو في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين" في أميركا، تتناول كتاباته قضايا التاريخ والسياسة الأميركية والعلاقات الدولية وفلسطين. ويعمل مدرّساً للعلوم الإنسانية في المدرسة الدولية التابعة للأمم المتحدة في نيويورك.
*ريتشارد فولك Richard Falk: أستاذ فخري للقانون الدولي وأستاذ كرسي ألبرت ج. ميلبانك في جامعة برينستون، ورئيس كرسي القانون العالمي في جامعة كوين ماري بلندن، وباحث مشارك في "مركز أورفاليا للدراسات العالمية" بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا.
- نشر هذا الحوار تحت عنوان: Gaza Futuricide
 
هامش المترجم:
**العصر الأنثروبوسيني (Anthropocene Age): هو مصطلح يُطلق على حقبة جيولوجية يُنظر فيها إلى النشاط البشري بوصفه قوة رئيسية تُغيّر النظام البيئي للأرض ومناخها وتنوّعها الحيوي، بفعل التصنيع والتلوث وإزالة الغابات وانبعاثات الكربون. ويعكس المصطلح انتقال الإنسان من مجرد كائن يعيش على الأرض إلى قوة تؤثر في مصير الكوكب وتوازناته الطبيعية.
 
الهوامش
11. مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار 2803 (2025)، الوثيقة S/RES/2803 ،17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025.
SRES2803
(2025). 
12. Molly Crabapple, Here Where We Live Is Our Country: The Story of the Jewish Bund (New York: One World, 2026). وانظر أيضاً كتاب Benjamin Balthaser’s Citizens of the Whole World: Anti-Zionism and the Cultures of the American Jewish Left، الذي يتناول النزعة الراديكالية لدى اليسار اليهودي الأميركي، إلى جانب التزامه بالأممية ومناهضة الصهيونية.
13. Stéphanie Latte Abdallah, interview by Renaud Duterme and Manouk Borzakian, “À Gaza, futuricide en cours” [“Futuricide Underway in Gaza”], Géographies en mouvement, April 17, 2025,
20250417a gaza futuricide en cours entretien avec stephanie latte abdallah. 
;
14. Chris de Ploeg, The Exterminating Empire: Capitalism’s War on Life from Palestine to the Burning Planet, foreword by Jason Hickel (New York: Monthly Review Press, 2026).