الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دانيال بنجامين*؛ وستيفن ن. سايمون* – (فورين أفيرز) 11/9/2026
على مدى سنوات، عُزيت حالة الاختلال السياسي التي تشهدها الولايات المتحدة إلى تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق. ويشير الخبراء إلى إخفاقات العولمة، وتصاعد عدم المساواة، وتراجع الحراك الاجتماعي -أو الآثار الممتدة لـ"صدمة الصين" التي وقعت قبل أكثر من عقدين- لتفسير الاستقطاب الحاد الذي تشهده الولايات المتحدة اليوم، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والتآكل الديمقراطي، ورد الفعل العنيف على الهجرة، ومعاناة الطبقة الوسطى. لكنّ ثمة عاملاً آخر تم تجاهله على نطاق واسع، والذي لا يقل أهمية في فهم المأزق الراهن للولايات المتحدة: الحرب على الإرهاب.
عندما يتحدث صانعو السياسات والمحللون عادة عن "الحرب العالمية على الإرهاب" التي شكّلت الحدث الأبرز في الشؤون الدولية على مدى عقدين، فإنهم يناقشون الأضرار التي تم إلحاقها بالجماعات الإرهابية، والمخططات التي جرى إحباطها، وصعود الأيديولوجيا الجهادية وأفولها، والإخفاقات الاستخبارية العديدة -وربما قبل أي شيء آخر، الحربين اللتين بدتا بلا نهاية في أفغانستان والعراق. هذه هي مؤشرات قياس أداء جهود مكافحة الإرهاب في عصرنا. لكن هذا الإطار يغفل الآثار العميقة التي خلفتها هذه الحرب واسعة النطاق على الإرهاب في السياسة والمجتمع داخل الولايات المتحدة.
تروي الإحصاءات البشرية وحدها قصة مروعة: فقد قُتل أكثر من 7.000 جندي أميركي في المعارك، وأصيب 53.000 بجروح، وأقدم أكثر من 30.000 على الانتحار، وهو رقم مذهل بكل المعايير. ووفقاً لمشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون، أضافت هذه الصراعات 8 تريليونات دولار إلى الدين الوطني الأميركي، مع توقع تكاليف إضافية بتريليونات الدولارات في المستقبل لتوفير الرعاية الصحية للمحاربين القدامى، بمن فيهم نصف مليون جندي أميركي يعانون من إصابات دماغية رضّية واضطراب ما بعد الصدمة.
ومع ذلك، تعجز حتى هذه الأرقام عن إظهار الطرق العديدة التي غيّرت بها حربان استمرتا عقدين الولايات المتحدة. على مدى سنوات، أسهم الانشغال المفرط بالإرهاب الإسلاموي في تشكيل ثقافة مشبعة بالخوف، حيث أصرت أصوات صادرة عن الأوساط السياسية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، وعن مجمع صناعي متنامٍ لمكافحة الإرهاب، على أن البلد يواجه تهديداً وجودياً. وفي ظل هذا المناخ، مُنحت الحكومة صلاحيات جديدة وواسعة لتعقب الأنشطة الجهادية المحتملة وملاحقتها قضائياً أينما ظهرت. كما بدأ الافتراض السائد بإمكانية وقوع هجوم إرهابي آخر يعيد تشكيل المجتمع الأميركي نفسه. لكن النتيجة لم تكن توحيد البلاد خلف عدو مشترك ومحدد تحديداً ضيقاً، وإنما تمثلت في حدوث تراجع حاد في التماسك الاجتماعي. وقد أسهم ذلك في أفول التوافق الحزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين، الذي كان قد أُضعف مسبقاً خلال العقود السابقة. وفي الوقت نفسه، غذّت الحرب على الإرهاب تصاعداً مقلقاً في كراهية الأجانب والمشاعر المعادية للمهاجرين، وأفقدت النخب السياسية ونخب السياسة الخارجية في البلاد مصداقيتها.
بالإضافة إلى كل ذلك، كان هناك هذا التوسع غير المنضبط في صلاحيات السلطة التنفيذية. ولم يبدأ هذا الدافع مع الحرب على الإرهاب. كانت أجيال من القادة والباحثين الأميركيين تسعى إلى زيادة سلطات الرئيس، ووضعت آليات يمكن أن تهمّش الحريات المدنية وتدمج بين الأنشطة العسكرية وأنشطة الشرطة. لكنّ هذه الترتيبات الطارئة استُخدمت بعد 11 أيلول (سبتمبر) لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة وجديدة باسم الأمن الداخلي. واليوم، يستخدم رئيس سلطوي النزعة هذه الصلاحيات لاستهداف خصومه السياسيين. وبذلك أصبحت الولايات المتحدة متأخرة فعلياً عن إجراء مراجعة شاملة لإرث الحرب على الإرهاب السياسي.
قوة الكوابيس
كان القلق من استمرار الحروب لفترات طويلة هاجساً يشغل المسؤولين الأميركيين طوال تاريخ الولايات المتحدة. في السنوات الأولى التي أعقبت استقلال البلاد، لاحظ جيمس ماديسون -الذي أصبح رابع رئيس للولايات المتحدة- أنه "ما من أمة تستطيع الحفاظ على حريتها في خضم حرب مستمرة". وبعد أكثر من قرن ونصف القرن، أطلق الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور تحذيره من "اكتساب نفوذ لا مبرر له" يعمل على اكتسابه ما سماه في عبارته الشهيرة، "المجمع الصناعي العسكري". وكما حذّر أيزنهاور، فإن "احتمال الصعود الكارثي لقوة تكون في غير موضعها قائم، وسيظل قائماً". وعلى مدى عقود كثيرة تلت ذلك، انصبّ قدر كبير من هذا القلق على تركّز السلطة داخل الحكومة وفي الآلة الأوسع للحرب. لكنّ قطاعات من المجتمع تحركت بالتوازي مع الدولة خلال الحرب على الإرهاب، وسعت إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل نطاقاً أوسع بكثير من الأعداء المتصوَّرين.
عادةً ما تقوم بتنفيذ الأعمال الإرهابية جهات سرية تعمل داخل حدود دولة ما. وكانت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) المثال الأوضح على ذلك. وفيها قام أجانب موجودون داخل البلاد بتنفيذ الهجمات على البرجين التوأمين والبنتاغون، وكانت أول هجمات من هذا النوع تقع على الأراضي الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية. وكان هؤلاء المهاجِمين مدفوعين بنسخة أسامة بن لادن الخاصة من الأيديولوجيا الجهادية التي انطلقت من اعتقاد بأن شن هجمات كبرى على الأراضي الأميركية سيدفع واشنطن إلى سحب دعمها لحُكام العالم الإسلامي الذين يعتبرهم الجهاديون مرتدين. وقد أتاحت هذه الأفكار -التي انطوت أيضاً على تصور للانتقام بالمثل لعدد المسلمين الذين سبق أن قتلتهم الولايات المتحدة- إلى جانب الهجمات نفسها، للإسلاموفوبيين في مختلف أنحاء المجتمع الأميركي، بما في ذلك الأوساط السياسية ومؤسسة صنع السياسات، مساحة واسعة للتحرك. وكان أكثرهم تأثيراً قادمون من الكنائس الإنجيلية؛ حيث وصف مبشرون تلفزيونيون بارزون، مثل فرانكلين غراهام وجون هاغي وروبرت جيفرس، الإسلام أمام جماهيرهم الضخمة بأنه "شيطاني" و"هرطقة من قعر الجحيم"، ووصفوا أتباعه بأنهم طائفة من مشتهي الأطفال.
سعى الرئيس جورج دبليو. بوش إلى الحد من مشاعر الكراهية هذه، مؤكداً أن الحرب على الإرهاب ليست حرباً على الإسلام. ولكن، على الرغم من احتجاجاته المتكررة، رأى كثيرون الحرب على الإرهاب بوصفها "حملة صليبية" -وهي كلمة استخدمها بوش نفسه في بدايات الحرب إلى أن تم إبلاغه بمدى سوء وقعها في العالم الإسلامي. كما ناقضت رسالتَه تلكَ إجراءاتٌ حكومية مثل احتجاز ما لا يقل عن 1.200 رجل مسلم -كثيرون منهم كانوا محتجزين بتهم تتعلق بالهجرة، ولكن جرى التعامل معهم بوصفهم أشخاصاً يشكلون مخاطر أمنية عالية، فضلاً عن التقليص الشديد للحريات المدنية للمسلمين على أيدي مكتب التحقيقات الفيدرالي وأجهزة إنفاذ القانون الأخرى، بذريعة التصدي للتهديد الإرهابي. ومما لا شك فيه أن حقيقة كون خاطفي طائرات 11 أيلول (سبتمبر) تلقوا الدعم والإسناد من شبكة مساندة إسلامية فعالة داخل الولايات المتحدة أسهمت في اتخاذ هذه الإجراءات، كما أسهمت في اتخاذها أيضاً مخاوف معقولة بشأن احتمال تحول التطرف إلى ظاهرة تنتشر عبر الإنترنت.
في العقود التي تلت ذلك كان من الصعب تجاهل استمرار خطاب إثارة الخوف وتنامي المشاعر المعادية للمسلمين وجرائم الكراهية ضدهم. وعندما سعت إدارة أوباما إلى نقل المعتقلين الأجانب الذين أُسروا في الحرب على الإرهاب من غوانتانامو إلى منشآت داخل الولايات المتحدة، صوّرهم الجمهوريون على أنهم إرهابيون خارقو القدرات بحيث لا يستطيع أي سجن أميركي أن يحتويهم بأمان. وبذلك أُجهضت الخطة. وفي العام 2014، عندما كُشف عن أن حاسوباً محمولاً لأحد الجهاديين عُثر عليه في مخبأ لتنظيم "داعش" في إدلب بسورية يحتوي على بعض المعلومات الأساسية عن الأسلحة البيولوجية، زعم أفراد من جوقة المعلِّقين المزدهرة في مجال مكافحة الإرهاب أن الإرهابيين يخططون لاستخلاص فيروس مرض "إيبولا" الأفريقي من جثث ضحاياه، ثم نشره على نطاق واسع في المراكز الحضرية الأميركية. ووجد المرشحون للمناصب السياسية العليا في التهديد الإرهابي هِبةً سخيّة لا تنضب، والتي تدرّ عليهم المكاسب بلا توقف. ويتذكر علماء السياسة في كلية دارتموث -حيث عمل في التدريس كلا كاتبيّ هذا المقال- أنهم سمعوا حاكم نيوجيرسي السابق كريس كريستي، الذي كان مرشحاً للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة للعام 2016، وهو يخبر نساء مسنات في قرية نائية بولاية نيوهامبشر بأن الجهاديين قد يحتجزونهن رهائن داخل منازلهن إذا لم يصوّتن للمرشح الذي يتبنى موقفاً متشدداً من الإرهاب.
كانت الادعاءات من هذا القبيل تناقضها حقيقة التهديد على أرض الواقع. بحلول العام 2016، كان قد مضى على قيام قوات البحرية الأميركية الخاصة بقتل أسامة بن لادن عدة أعوام، ولم تكن "القاعدة" قد تمكنت من تنفيذ أي هجوم آخر ضد الولايات المتحدة طوال خمسة عشر عاماً. وكانت الهجمات القليلة التي وقعت على الأراضي الأميركية، والتي نُسبت ظاهرياً إلى الإسلاموية، في معظمها من أفعال "ذئاب منفردة" ولم تكن تحدث بتكليف أو توجيه من عناصر في "القاعدة" متمركزة خارج الولايات المتحدة. وكان منفذوها قد تحولوا إلى التطرُّف داخل الولايات المتحدة نفسها من خلال التعرض للتغطيات الإخبارية والدعاية عبر الإنترنت، والخطب الدينية، ومجالسة أفراد يتشاطرون الأفكار نفسها. وكانت مجزرة "فورت هود" في العام 2009 استثناءً في جزء منها، ونفذها رائد في الجيش الأميركي كان قد تبادل مراسلات مع أنور العولقي -وهو واعظ أميركي كانت له صلات بتنظيم "القاعدة"، وقتلته الولايات المتحدة لاحقاً في اليمن.
في العام 2014، استحوذ تنظيم "داعش" على الاهتمام العالمي بإعلانه إقامة خلافة وتمرده المسلح في العراق وسورية، وكان أكثر نجاحاً من "القاعدة" في استقطاب أتباع في أوروبا وأميركا الشمالية. وقد نفذ التنظيم -أو أعلن مسؤوليته عن تنفيذ- هجمات دامية في النمسا وبلجيكا وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا. وكان عدد من هذه الهجمات مُدمراً وأوقع أعداداً كبيرة من الضحايا، لكن أياً منها لم يرقَ إلى مستوى هجمات 11 أيلول (سبتمبر). ولعل من اللافت أن صعود "داعش" في الفراغ الذي نشأ بعد إسقاط الولايات المتحدة للرئيس العراقي صدام حسين كان نتيجة للحرب على الإرهاب، وليس سبباً لها.
ولم يكن غياب الهجمات مجرد مسألة حظ. على مدى هذه العقود تعامل المتخصصون الأميركيون في الاستخبارات وإنفاذ القانون مع التهديد بطريقة منهجية وكفؤة، وبعيدة عن الخطاب المحتدم الذي طبع تلك الحقبة. وخلال تلك الفترة، حققت الأجهزة الحكومية مستوى من التكامل المؤسسي الذي شهد على تحسُّن هائل مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 11 أيلول (سبتمبر). كما نسقت أجهزة الاستخبارات الأجنبية والسلطات المدنية جهودها بصورة وثيقة، مما أتاح معرفة من الذي يحاول عبور الحدود الأميركية.
وبحلول الوقت الذي تمكنت فيه "القاعدة" من شن هجوم آخر على الولايات المتحدة -في حادث إطلاق النار الذي وقع في العام 2019 في قاعدة بحرية بولاية فلوريدا وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ثمانية- كان التنظيم قد أصبح ظلاً باهتاً لما كان عليه في السابق. وكما أوضح "داعش" بجلاء، لم يكن أفول "القاعدة" إيذاناً بقدوم عصر من السلام والوئام. ومع ذلك، أظهرت استطلاعات رأي راسخة وممتدة زمنياً أن درجة الأهمية التي كان الأميركيون يولونها للإرهاب لم تعد تعكس واقع حياتهم اليومية.
كان السؤال الذي ظل بلا إجابة، والذي ربما كان من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها أساساً وبرز من هذه المرحلة، هو ما إذا كان الأمن النسبي الذي تمتع به الأميركيون في العقود التي أعقبت 11 أيلول (سبتمبر) قد تحقق بفضل الاستخبارات وإنفاذ القانون وتدابير الأمن الداخلي بدرجة أكبر مما تحقق بفضل التقدم في الحروب العسكرية خارج الحدود وعمليات القتل المستهدف التي كان يفترض أن تقتلع المشكلة من مصدرها المفترض. ومع ذلك، تظل هذه المسألة بالغة الأهمية بالنسبة للمسؤولين عن استشراف التهديدات الإرهابية ووضع المقاربات الدفاعية والهجومية لمواجهتها.
من حرب لا تنتهي إلى حرب أهلية
لدى النظر إلى تلك المرحلة بأثر رجعي، يبدو العام 2016 نقطة تحول حاسمة في الحرب على الإرهاب، حيث انتقل السؤال الرئيسي من الصراعات العسكرية البعيدة إلى تهديدات جديدة يُزعم أنها خطيرة في الداخل. ولم تكن التهديدات المنسوبة إلى الإسلاميين وحدها هي المقصودة. كانت للولايات المتحدة خبرة واسعة مع النزعة القومية المناهضة للأجانب قبل 11 أيلول (سبتمبر). لكن عقداً ونصف العقد من إثارة الخوف أفرز ظاهرة جديدة تماماً. ولعل الإرث الأكثر خبثاً في أي مكان هو الذي تمثل في الجمع بين المخاوف من الإرهاب والمشاعر الأوسع المناهضة للهجرة. وكما أوضحت تحليلات عديدة لاحقة لانتخابات الرئاسة للعام 2016، أسهم تأجيج المشاعر المعادية للمسلمين في حشد القاعدة التي آزرت المرشح الجمهوري للرئاسة، دونالد ترامب -حتى ولو أن المخاوف الاقتصادية كانت هي التي حسمت له تلك الانتخابات متقاربة النتائج. وقد ظل ترامب، خلال حملته الانتخابية ثم بعد وصوله إلى المنصب، عاكفاً على طمس الحدود بين الإسلاموفوبيا والمشاعر الأوسع المناهضة للمهاجرين. وعندما يندد في يوم بالقتلة والمجرمين والمغتصبين القادمين عبر الحدود الجنوبية، كان يؤكد في اليوم التالي أن تدفقات المهاجرين ليست سوى غطاء لتسلل الجهاديين.
ربما يكون الرمز المثالي لدمج ترامب بين التهديد الإرهابي وتحدي الهجرة غير النظامية كان تحذيراته المتكررة في العام 2018 من قافلة مهاجرين تشق طريقها من أميركا الوسطى إلى الحدود الأميركية-المكسيكية، والتي زعم أنها تضم "أشخاصاً من الشرق الأوسط مجهولي الهوية". وللإنصاف، كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قلقة من أن يستغل الجهاديون الأوضاع الفوضوية على الحدود للتسلل إلى الولايات المتحدة. لكن الطبيعة المجزأة لقواعد البيانات بين الوكالات الحكومية جعلت من الصعب التحقق من ذلك. وفي مسعاه إلى الظهور بمظهر أكثر تشدداً من أي منافس، دعا ترامب إلى إعادة العمل بالإيهام بالغرق في التحقيق مع المعتقلين، وإلى استخدام أسلوب لم يحدده قال إنه "أسوأ بكثير من الإيهام بالغرق". وفي معرض حديثه عن عناصر تنظيم "داعش"، قال أيضاً إنه سيقوم "بالقضاء على عائلاتهم".
ولعل الأكثر إثارة للدهشة أن المرشح ترامب نجح في إشاعة الإسلاموفوبيا حتى وهو يندد بالحروب الدائمة التي أعقبت 11 أيلول (سبتمبر)، فأربك بذلك منافسيه الجمهوريين ثم منافسته الديمقراطية التي أصبحت لاحقاً خصمه في الانتخابات، هيلاري كلينتون. وبمعنى ما، شكّل ذلك تحولاً حاسماً في مسار الحرب على الإرهاب باتجاه الداخل الأميركي. كان أحد المرشحين للرئاسة وأحد أبرز السياسيين في البلاد يضع صراحةً أقلية إثنية أميركية كبيرة في خانة واحدة مع أعداء خارجيين. وحتى عندما كانت الدلالات الضمنية للسياسات السابقة توحي بالريبة من المسلمين الأميركيين، لم يُظهر القادة الفيدراليون عداءً صريحاً لهم. لكنّ ترامب فعل. وفرض بعد انتخابه حظراً على سفر المسلمين أعلنه بعد أسبوع واحد فقط من توليه منصبه، وأعاد صياغته مراراً إلى أن أقرت المحكمة العليا الحظر نهائياً بعد 18 شهراً. كما أنشأ بنية سياسية مواتية لأصحاب النزعات المعادية للأجانب والعنصريين، مما أدى إلى زيادة حادة في جرائم الكراهية التي استهدفت ضحايا من مختلف الأقليات، وسرّع تفكك الولايات المتحدة وانقسامها.
وفي ولايته الثانية، قطع ترامب شوطاً أبعد بكثير. في العام 2025، استندت الإدارة إلى قانون "الأعداء الأجانب" الصادر في العام 1798 ضد أشخاص زُعِم أنهم أعضاء في عصابة "ترين دي أراغوا" الفنزويلية، ووصفتهم بأنهم قوة غازية وأرسلت المحتجزين إلى "مركز احتجاز الإرهاب" في السلفادور. ومع أن المحكمة العليا ألزمت الحكومة بتقديم إخطار كافٍ يتيح للمحتجزين الطعن في احتجازهم بموجب حق المثول أمام القضاء، فإن عمليات الترحيل كانت قد بدأت بالفعل. وفي فلوريدا، أنشأت الحكومة مجمّع احتجاز نائياً في منطقة إيفرغليدز، أطلقت عليه اسم "ألكاتراز التمساح". ولفهم طبيعة هذا المركز يمكن النظر إليه على أنه غوانتانامو منقولاً إلى الأراضي الأميركية، بما يعنيه موقعه الجغرافي المعزول من إبعاد عن نطاق القانون. وقد أُغلِق هذا المرفق بعد عام لأسباب تتعلق بالنفقات وحدها، حيث بلغت كلفة تشغيله أكثر من مليار دولار سنوياً. وبحلول ذلك الوقت، كانت الإدارة قد أقامت صلة أكثر مباشرة بالحرب على الإرهاب، وبدأ إرسال بعض المهاجرين المحتجزين إلى معتقل غوانتانامو نفسه. كما انخرط البنتاغون في الأمر، حيث قدم أفرادٌ في الخدمة الفعلية دعماً لوجستياً وعملياتياً لمهمات احتجاز تتولاها وزارة الأمن الداخلي.
بعبارة أخرى، أصبحت المؤسسات التي أُنشئت لخوض الحرب خارج الحدود، وإنفاذ قوانين الحدود، والشرطة الداخلية، مكوناتٍ لنظام عقابي يستهدف مهاجرين قد لا يكون لبعضهم أي سجل جنائي من الأساس. ومن الناحية العملية، تحول هذا النظام إلى حقل اختبار لاحتجاز السجناء السياسيين -أو، بحسب وصف ترامب لهم، "أعداء الشعب".
في الحقيقة، ليست إدارة ترامب وحدها هي التي تستخدم الإسلاموفوبيا لدفع أجندة مناهضة للمهاجرين. ثمة على سبيل المثال حاكم تكساس، غريغ أبوت، الذي اشتُهر منذ وقت طويل بمهاجمة الهجرة غير النظامية. لكن ما حدث، كما قالت صحيفة "نيويورك تايمز" في آب (أغسطس) نقلاً عن مستشارين جمهوريين، هو أن "الإسلام حلّ محل الحدود ليكون مصدر قلق رئيسياً" للناخبين. وحتى الآن، أقدمت سلطات تكساس على عرقلة مشروع تطوير عقاري يضم مسجداً، وهددت بحجب تمويل الولاية عن المطارات التي توفر مرافق للوضوء والصلاة للمسلمين -إلى جانب خطوات أخرى. وفي الوقت نفسه، شنّ سياسيون جمهوريون في مختلف أنحاء البلاد هجمات على النجاحات الانتخابية التي حققها سياسيون مسلمون، من بينهم النائبة عن مينيسوتا إلهان عمر، ورئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، ومرشح مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد. بل إن بعضهم ذهب إلى حد الإيحاء بأن هؤلاء المسؤولين إما ليسوا مواطنين أميركيين، أو أنه ينبغي تجريدهم من جنسيتهم. وقال ترامب إن "الجهاديين يُنتخبون في كل مكان". (يُتبع)
*دانيال بنجامين Daniel Benjamin: دبلوماسي وباحث أميركي متخصص في مكافحة الإرهاب والسياسة الخارجية الأميركية. شغل منصب منسق شؤون مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية بين العامين 2009 و2012، وعمل قبل ذلك في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بيل كلينتون. يرأس الأكاديمية الأميركية في برلين، وله مؤلفات ودراسات عدة في الإرهاب والسياسة الأميركية، من أبرزها كتاب "عصر الرعب المقدس" The Age of Sacred Terror الذي ألّفه بالاشتراك مع ستيفن سايمون.
*ستيفن ن. سايمون Steven N. Simon: باحث وأستاذ أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والإرهاب والأمن القومي. عمل في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأميركية، وكان من كبار المسؤولين عن قضايا الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب، كما شغل منصب أستاذ متميز في كلية دارتموث وزميلاً أول في معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول. ألّف بالاشتراك مع دانيال بنجامين كتاب "عصر الرعب المقدس"، وله مؤلفات ودراسات عديدة حول الإرهاب والسياسة الأميركية والشرق الأوسط.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Other War on Terror: 9/11 and the Unraveling of American Democracy