عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Oct-2026

"فقه الحُسن".. مشروع لتأصيل علم الجمال وفلسفة الفن من منظور إسلامي

 الغد-عزيزة علي

 يطرح كتاب "فقه الحُسن: المعرفة الإسلامية لعلم الجمال وفلسفة الفن" للباحث إدهام محمد حنش، الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في عمّان، مشروعا معرفيا لتأصيل علم الجمال وفلسفة الفن من منظور إسلامي، انطلاقا من مقاصد الشريعة والعلاقة التكاملية بين الجمال والأخلاق.
 
 
ويسعى الكتاب إلى بناء إطار نظري ومنهجي لفهم الفن الإسلامي وتقويمه، يتجاوز التركيز على مظاهره الشكلية والمادية إلى بحث أبعاده الروحية والقيمية والمعرفية، ودوره في حياة الإنسان والمجتمع وبناء الحضارة.
يتناول الكتاب رؤية المدرسة التقليدية للفن الإسلامي، التي تربط قيمته الجمالية والرمزية بالروحانية والتعبير عن الحقيقة المطلقة. وينتقد التصورات الاستشراقية التي تختزل الفن الإسلامي في آثار مادية من الماضي، وبعض الدراسات الفلسفية المعاصرة التي تتناوله بمعزل عن مرجعياته الدينية والتشريعية.
ويؤكد المؤلف، في مقدمته للكتاب، أن فهم الفن الإسلامي وتقويمه جماليا يقتضيان الجمع بين البعد الروحاني ومبادئ الشريعة وأصول الفقه ومقاصده، بما يعيد الاعتبار إلى الخصوصية المعرفية والمنهجية للفكر الإسلامي في دراسة الفن.
ويطرح حنش مشروع "فقه الحُسن"، إطارا معرفيا لتحديد حقيقة الفن الإسلامي وصلته بمقاصد الشريعة، من خلال دراسة قيمه الجمالية والأخلاقية، وطرائقه الإبداعية، ومراتب الحُسن وغاياته.
ويهدف المشروع إلى تقديم تصور إسلامي مستقل لعلم الجمال وفلسفة الفن، انطلاقا من نقد الدراسات السابقة التي يرى المؤلف أنها لم تؤسس إطارا نظريا ومنهجيا متكاملا، وتأثرت بمناهج جمالية وفنية نشأت خارج المرجعية الإسلامية.
يعرض الكتاب مشروعه في ثمانية فصول قصيرة، تتناول الفصول الأربعة الأولى منها التعريف بعلم الجمال وفلسفة الفن وعلاقتهما بالوحدة المعرفية والتنوع الثقافي، وإشكالات الجماليات العربية الإسلامية والحاجة إلى تأسيس إطار علمي واضح لها، وصولا إلى طرح "فقه الحُسن" مشروعا معرفيا يستند إلى مقاصد الشريعة وقيمها، ولا سيما المقاصد الجمالية.
ويتحدث المؤلف عن دور مقاصد الشريعة في تأسيس الفن الإسلامي وتطويره وتهذيبه، مع التركيز على أبعاده البصرية والحسية والتشكيلية، كما تتجلى في الرسم والخط والصورة واللون والملمس وسائر الممارسات الفنية.
ويقسم حنش مقاصد الفن الإسلامي إلى نوعين متكاملين: مقاصد جمالية نظرية، تشمل الكمال والتناسب والعظمة، ومقاصد فنية عملية، تتجسد في مهارات التخطيط والتصوير والتدقيق والإتقان.
وتتناول الفصول الخامس والسادس والسابع العلاقة التكاملية بين فلسفة الفن ومقاصد الشريعة، انطلاقا من بُعدين متلازمين: الأخلاق التي تضبط النيات والمعتقدات والسلوك، والجمال الذي يتجلى في الوسائل والممارسات والمهارات الفنية. وبذلك، يقدم المشروع الفن الإسلامي مجالا يلتقي فيه البعدان الأخلاقي والجمالي ضمن مرجعية الشريعة ومقاصدها.
ويشير المؤلف إلى أن الدراسات الحديثة والمعاصرة للجمال والفن في الثقافة العربية والفكر الإسلامي أسهمت في إنتاج أعمال نقدية متعددة، لكنها ظلت، في كثير من الأحيان، متفرقة ومرتبطة بمبادرات فردية، واستندت إلى مصادر متنوعة، شملت النصوص الإسلامية والمؤلفات الفكرية والأدبية والآثار الفنية.
وظهرت دعوات إلى تأسيس علم للجمال يستند إلى مرجعية عربية إسلامية، تحت مسميات من بينها "علم الجمال الإسلامي" و"الجماليات الإسلامية". ويرى المؤلف أن بعض هذه الدعوات تأثر بعلم الجمال الغربي في الثقافة العربية الحديثة، فيما ارتبط بعضها الآخر بجهود الاستشراق في دراسة الفن الإسلامي.
ويؤكد حنش أن هذه الدعوات تعكس قابلية علم الجمال وفلسفة الفن من منظور إسلامي للتطور المعرفي والمنهجي، مشيرا إلى أن هذا المجال ما يزال بحاجة إلى مزيد من المؤلفات الفكرية والدراسات النقدية والأعمال الإبداعية لاستكمال بنائه ونضجه.
ويعدّ المؤلف علم الجمال وفلسفة الفن مجالا واعدا في الفكر الإسلامي المعاصر، في ظل تنامي الاهتمام بهما في الدراسات العربية وغير العربية. ويأتي كتابه "فقه الحُسن: المعرفة الإسلامية لعلم الجمال وفلسفة الفن" إسهاما في هذا المسار، وسعيا إلى بناء معرفة أصيلة في المجال.
ويتمحور المشروع حول سؤالين رئيسيين: كيف يمكن بناء علم إسلامي للجمال وفلسفة الفن؟ وكيف يمكن تأصيله معرفيا ومنهجيا بما يضمن اتساقه مع العلوم الإنسانية والاجتماعية في الفكر الإسلامي؟
ولا يقتصر الكتاب، بحسب حنش، على دراسة الجمال والفن في الإسلام، بل يسعى إلى بناء تصور علمي وتأصيل معرفي لهما من خلال مفهوم "فقه الحُسن" الذي يجمع بين لفظتين أساسيتين: "الفقه"، بمعنى الفهم الدقيق والإدراك السليم والحكم الرشيد، و"الحُسن"، بوصفه مفهوما جامعا للقيم الجمالية والأخلاقية.
ويقدم المؤلف الحُسن بوصفه قيمة تتجاوز جمال المظهر لتشمل الأخلاق والمعرفة والعمل، ضمن تصور متكامل يجمع بين الجمال والأخلاق.
ينطلق مشروع "فقه الحُسن" من أبعاد لغوية وثقافية وفكرية وعملية تتصل بالجمال والفن، ويجعل مقاصد الشريعة أساسا لتأصيل علم الجمال الإسلامي، وتوجيه المعرفة الجمالية والممارسة الفنية نحو تحقيق الكمال الإنساني في الفكر والسلوك والعمل.
ويشير المؤلف إلى أن المشروع يرتكز على العلاقة بين المقاصد وقيم الحق والخير والجمال، ضمن تصور يجمع بين الباطن والظاهر، والمعنى والصورة. ويشمل الحُسن، وفق هذا التصور، جمالا ظاهرا تدركه العين، وآخر باطنا تدركه البصيرة، بوصفهما وجهين متكاملين للتجربة الإنسانية.
كما يؤكد حنش أهمية التكامل بين الشكل والمضمون، والجمال والأخلاق، والقيمة والمنفعة في الإبداع الفني، بحيث تتضافر الوسائل والطرائق لتحقيق غايات العمل الفني.
ويرى المؤلف أن الحُسن يمثل قيمة جمالية ومصلحة أخلاقية للإنسان والمجتمع، وأن الفن الإسلامي نسق معرفي تتفاعل فيه علوم الدين والفكر والعمل والإبداع، وتتداخل ضمنه اعتبارات الشكل والمضمون والوظيفة.
وفي هذا الإطار، تشكل مقاصد الشريعة مرجعية معرفية ومنهجية للجماليات الإسلامية النظرية والتطبيقية، فيما يمثل التكامل بين الأخلاق والجمال أساسا لفهم الفن الإسلامي وتقويمه.
ويتكون النموذج المعرفي لـ"فقه الحُسن" من مواضيع مترابطة تشمل الدين والأخلاق، والجمال والفن، والمعرفة والصناعة، والطريقة والأسلوب والشكل والصورة. وتتكامل في هذا النموذج المقاصد الأخلاقية والجمالية لتفسير الممارسة الفنية وتقويمها.
وتربط نظرية المقاصد الجمالية بين الحُسن والجمال في الكون والطبيعة والوجود، وبين الوعي والمعرفة والإبداع الإنساني. ومن هذا المنطلق، يعدّ المؤلف الفن الإسلامي مكونا أساسيا في المعرفة الجمالية الإسلامية، وعنصرا مؤثرا في حياة الإنسان والمجتمع والدولة والحضارة.
يبرز المؤلف دور الفن الإسلامي في بناء الحضارة من خلال ثلاثة مرتكزات رئيسية؛ أولها ارتباطه بالعمران وعمارة الأرض، إذ تمثل الصناعة والإبداع فعلا إنسانيا يستلهم نظام الطبيعة وقوانينها، ويجسد قيم الإتقان والجمال في الأعمال الفنية.
ويتمثل المرتكز الثاني في التكامل بين الصنعة والإبداع ضمن الممارسات التقليدية المتوارثة، بما يحقق التوازن بين الجمال والمنفعة. فالعمل الفني، وفق هذا التصور، يسهم في الارتقاء بالذوق وتحقيق المتعة الجمالية، ويلبي في الوقت نفسه حاجات الإنسان والمجتمع العملية والمعرفية.
أما المرتكز الثالث، فيتمثل في حضور الفن في مجالات المعرفة والعمل المختلفة؛ إذ يتداخل مع الآداب والعلوم والصناعات، ويتجلى في المهن والأعراف الاجتماعية والتقاليد الثقافية. وبذلك، لا يقتصر دوره على إنتاج الأعمال الفنية، بل يمتد إلى طرائق العمل والإبداع والممارسة الاجتماعية.
ويرى حنش أن الفن الإسلامي يعبر عن الهوية الجمالية والحضارية للمجتمع الإسلامي، ويشكل لغة ثقافية تسهم في تقديم صورته إلى العالم. وفي حين يمثل القرآن الكريم المرجعية الدينية الأولى، يؤدي الفن، وفق رؤية المؤلف، دورا ثقافيا وتعبيريا في تجسيد ملامح من الحضارة الإسلامية والتعريف بها.
يدعو المؤلف إلى إعادة النظر في تصنيف الفن الإسلامي ضمن مراتب المصالح والمقاصد الشرعية، وعدم حصره في دائرة التحسينيات والكماليات.
ويرى أن الحاجة إلى الفن ليست ترفا ثقافيا أو أمرا ثانويا، بل ترتبط بطبيعة الإنسان وتكوينه الفطري واحتياجاته المعرفية والجمالية والاجتماعية. ومن هنا، يدعو إلى دراسة مكانة الفن الإسلامي في ضوء أصول الفقه وقواعده، ومنها قاعدة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة".
وبناء على ذلك، يرى حنش أن النظر إلى الفن الإسلامي يكون بوصفه حاجة إنسانية وحضارية قد تبلغ مرتبة الضرورة، بحسب طبيعتها ووظيفتها وآثار غيابها، بدلا من اعتباره مجرد نشاط تحسيني أو أحد مظاهر الترف.