"عوالي".. رواية لسلوى عمارين تستكشف أسئلة الانتظار والأمل
الغد-عزيزة علي
صدر عن "الآن ناشرون وموزعون" رواية بعنوان "عوالي" للروائية والكاتبة الأردنية سلوى عمارين، التي تنسج عبرها عالما روائيا يتقاطع فيه الخاص والعام، واليومي والوجودي، ضمن سرد يلامس تفاصيل التجربة الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة وصدقا.
تأخذ الرواية قارئها في رحلة تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالمكان، من خلال حضور مدينة باريس وما تحمله من رموز الجمال والدهشة، لكنها سرعان ما تكشف عن رحلة أعمق تدور في الداخل الإنساني؛ رحلة امرأة تواجه أسئلة الانتظار والأمومة والقدر، وتحاول أن تصنع توازنا بين ما تحلم به وما تفرضه عليها الحياة.
ومن خلال لغة مشبعة بالحساسية الشعرية والتأمل النفسي، تطرح الرواية أسئلة تتجاوز حدود شخصياتها لتلامس تجارب إنسانية مشتركة، تجعل من الألم والأمل وجهين لحكاية واحدة.
وفي "عوالي"، لا تعتمد سلوى عمارين على الأحداث الصاخبة أو المفاجآت السردية بقدر ما تراهن على بناء عالم داخلي غني بالتفاصيل والمشاعر، حيث يتحول الانتظار إلى تجربة وجودية كاملة، وتغدو الذكريات والأسئلة والهواجس عناصر فاعلة في تشكيل مسار الحكاية. ومن هنا تكتسب الرواية خصوصيتها بوصفها نصا يحتفي بالإنسان في لحظات ضعفه وقوته معا، ويبحث في قدرة الروح على مواصلة الحياة رغم تعثر الأحلام وتأخر تحقق الأمنيات.
في روايتها، تأخذ عمارين القارئ إلى عالم امرأة تتأرجح بين سحر المكان وغصة الداخل؛ فتبدو الحكاية، في ظاهرها، رحلة إلى باريس، لكنها في عمقها رحلة أكثر تعقيدا والتواء: رحلة انتظار طويلة تختبر الروح، وتعيد تعريف المعنى، وتجعل من التفاصيل اليومية مرايا تعكس القلق والرغبة والخوف.
لا تقدم عمارين البطلة بوصفها شخصية تختزل في حدث أو عقدة، بل ككائن يمضي على حافة أسئلة كبرى تتصل بالأمومة والحنين والقدر، وبمكان المرأة في قلب الحياة حين يتأخر حلم واحد، فيستنزف ضوء الأعوام ويثقل الزمن بالترقب.
الرواية تضم محطات سردية تتعاقب بإيقاع متوازن، متنقلة بين المشاهد الخارجية التي ترصد المدينة وما تثيره من دهشة، والمشاهد الداخلية التي تكشف هشاشة القلب وقوته في آن واحد. وتمضي الأحداث نحو خاتمة تغلق بعض الدوائر السردية، فيما تترك للقارئ مساحة رحبة للتأويل والتفاعل الوجداني مع شخصيات الرواية ومصائرها.
منذ الصفحات الأولى، تفتح الرواية بابها على لحظة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة بالدلالات. تقف عوالي قرب برج إيفل، تراقب الربيع وهو يكسو العالم بألوانه، غير أنها لا ترى المشهد بعيني السائحة المنبهرة فحسب، بل بعيني امرأة مثقلة بما يعتمل في داخلها.
تقول على لسان بطلتها: "الربيع يلون العالم كله"، قبل أن تستدرك بجملة تختزل جانبا من رؤية الرواية للحياة: "رؤومة هي الدنيا في أحيان كثيرة، حدوبة هي الحياة". ومنذ هذه اللحظة، تلمح الرواية إلى مفارقتها الأساسية؛ فالحياة قادرة على أن تمنح الإنسان مشاهد البهجة والجمال، لكنها لا تكف، في الوقت ذاته، عن امتحانه بأوجاعه الخفية، وكأن الجمال الخارجي ليس سوى ستار رقيق يخفي وراءه حزنا عميقا يرفض المغادرة.
ومع تقدم الأحداث، لا تنشغل الرواية بكشف الأسرار أو مطاردة المفاجآت السردية بقدر ما تعمق غوايتها النفسية، وتدفع القارئ إلى التأمل في أسئلة الانتظار والرغبة والحرمان. كيف يمكن لرغبة مؤجلة أن تتحول إلى زمن كامل؟ وكيف يصبح الانتظار شخصية موازية تتدخل في تفاصيل الحياة اليومية وتعيد تشكيلها؟
وفي أحد أكثر الفصول تأثيرا، تحاور عوالي غيابا طال أمده حتى كاد يتحول إلى حضور دائم. لا تسأل بحثا عن إجابة، بل تمنح قلبها حق التعبير عن أمله وقلقه معا، فتقول: "وعندما تنتهي هذه المزحة التي طالت أيامها، ما الاسم الأنسب الذي سأمنحه لولدي المنتظر؟". ثم ترتفع نبرة السخرية بوصفها وسيلة لمقاومة الألم، فتطلق عبارتها اللافتة: "إنه فصل الخريف يا أولاد الحارة الأفاضل، ولا عاجبكم أظل (أتوحّمكم)؟".
في مثل هذه اللحظات، لا تنشغل الرواية بسرد الوقائع بقدر ما تنشغل بالكشف عن الإنسان في هشاشته وقوته معا؛ امرأة تحاول أن تحافظ على توازنها عبر اللغة، وأن تحمي حلمها من الانكسار بالابتسام والسخرية، وأن تمنح وجعها ملامح واضحة حتى لا يتحول إلى فراغ صامت يبتلع كل شيء.
وتفسح الرواية مجالا واسعا لتأمل فكرة التصالح مع الذات، أو السعي إليه على الأقل. فالحياة، كما توحي أحداثها، ليست فقط ما نخطط له أو نتمناه، بل أيضا ما يفرضه الواقع علينا رغم إرادتنا. ومن هذا المنطلق، تبرز واحدة من أكثر العبارات دلالة في الرواية، حين تتأمل عوالي طبيعة الإنسان، قائلة: "نحن في نهاية الأمر بشر معجونون من خلطة عجيبة التوارد بين أجسادنا وأرواحنا".
ولا تأتي هذه العبارة بوصفها حكمة جاهزة أو استنتاجا مباشرا، بل ثمرة لتجارب داخلية متراكمة واختبارات إنسانية متعاقبة؛ إذ نعيش ونحب ونتألم، ونحاول فهم ما يستعصي على الفهم، ثم نعود لنبدأ رحلة البحث من جديد.
وتنجح رواية "عوالي"، في استقطاب قارئها من خلال الرهان على التوتر الإنساني العميق أكثر من اعتمادها على عنصر المفاجأة السردية وحده. فكل فصل يفتح نافذة جديدة على عالم البطلة الداخلي؛ مرة عبر مشهد عابر في باريس، ومرة عبر ذكرى تستعاد، ومرة عبر سؤال مؤجل، وأخرى عبر سخرية مريرة من واقع لا يستجيب للرغبات.
وبين هذه النوافذ المتعاقبة، يكتشف القارئ أنه أمام رواية ترصد امرأة تنظر إلى العالم بعينين متجاورتين: عين مفتونة بجماله واتساعه، وعين مثقلة بما يخبئه من قسوة وخيبات. ومن هذا التداخل تنبثق قوة النص، إذ يتحول إلى مرآة تعكس تجارب كل من عرف معنى الانتظار أو اختبر المسافة المؤلمة بين ما يتمناه الإنسان وما تمنحه الحياة.
وفي خاتمتها، تترك "عوالي" أثرا إنسانيا ممتدا، لأنها رواية عن الروح في سعيها الدائم إلى البقاء متقدة، حتى حين يتباطأ القدر، ويتوارى الحلم خلف مسافات بعيدة. فهي لا تكتفي بسرد حكاية امرأة تواجه أسئلتها الخاصة، بل تنسج تأملا في سؤال إنساني أوسع: كيف يمكن للإنسان أن يواصل حياته حين لا تتحقق أمنياته؟ وكيف يصنع معنى للانتظار من دون أن يفقد ذاته أو ينطفئ أمله؟