في ذكرى النصر.. المناسبة محرجة*جمال الكشكي
الغد
في التاسع من (مايو) الحالي، تقف موسكو وحدها تقريبا أمام مرآة التاريخ، تحتفل بيوم النصر على النازية قبل 81 عاما، بينما يتصرف الغرب وكأن الحرب العالمية الثانية كانت مجرد سوء تفاهم انتهى منذ زمن، وراح يتجاهل المناسبة التي أسست للعالم الحديث.
روسيا ترفع الأعلام الحمراء القديمة، تستعرض الدبابات، وتستدعي أشباح الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، بينما تبدو أوروبا المعاصرة أشبه بموظف علاقات عامة مرتبك، يحاول أن يشرح لماذا لا يريد حضور عيد ميلاد أحد أقاربه القدامى.
لقد تغير كل شيء.
الحلفاء الذين اقتحموا برلين معا، صاروا اليوم يتبادلون العقوبات والصواريخ والتقارير الاستخباراتية، حتى إن أكثر مشاهد القرن سخرية أن أميركا وروسيا، اللتين قاتلتا النازية كتفا بكتف، عادتا اليوم لتخوضا حربا باردة هجينة فوق خرائط أوكرانيا، وخطوط الغاز، وأقمار التجسس.
ولأن روسيا دفعت الثمن الأكبر في كسر النازية، بحوالي 33 مليون ضحية سوفيتية، فقد حاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا العام أن يمنح المناسبة بعدا دوليا، فقال إن روسيا حريصة على "الحفاظ على ذكرى انتصار الجندي السوفيتي على النازية"، كاشفا أنه ناقش ذلك مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأنهما "تذكرا كيف حاربنا النازية معا، وكيف انتصرنا معا".
للوهلة الأولى يبدو المشهد شاعريا، لكنه في الحقيقة أقرب إلى رجلين يتذكران صورة زفاف قديمة، بينما يتبادلان أوراق الطلاق.
ولأن التاريخ يحب السخرية الثقيلة، فقد جاء اقتراح وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا لثلاثة أيام متزامنا مع احتفالات "عيد النصر"، مع تبادل ألف أسير روسي مقابل ألف أوكراني، ليكشف عن مأساة لعدد الضحايا من الطرفين.
موسكو وافقت سريعا، أما أوكرانيا فترددت، فيما بدت أوروبا وكأنها تحتفل بيوم آخر لا يرغب أن يمت بصلة إلى الذاكرة الروسية.
إنها لحظة افتراق الطرق فعلا.
فالغرب الذي بنى شرعيته السياسية بعد عام 1945 على "الانتصار المشترك على النازية"، لم يعد قادرا حتى على الاتفاق حول معنى ذلك الانتصار.
أوروبا الشرقية ترى في الجيش الأحمر محررا وغازيا في الوقت نفسه، بينما تعتبر موسكو أي تشكيك في دورها التاريخي محاولة لإعادة كتابة الحرب العالمية الثانية بأثر رجعي.
وفي خضم هذا الانقسام، تبدو الولايات المتحدة كإمبراطورية فقدت توازنها الإستراتيجي، فبينما كانت تخطط لإعادة هندسة البحار والمضائق وخطوط الطاقة، وجدت نفسها أمام حرب استنزاف متعددة الطبقات:
في أوكرانيا يتم استنزاف المخازن العسكرية الأميركية، والشرق الأوسط يشتعل على إيقاع مضيق هرمز، والصين تراقب المشهد بهدوء لاعب شطرنج لا يحتاج إلى تحريك كل القطع.
حتى العبارة الأوروبية الساخرة التي ترددت مؤخرا تبدو وكأنها تلخص العصر كله: "أميركا تحارب دون أن تنتصر، والصين تنتصر دون أن تحارب".
ولعل هذا ما يفسر التحول اللافت في خطاب دونالد ترامب تجاه الرئيس الصيني شي جين بينج، فالرجل الذي دخل السياسة بمنطق الرسوم الجمركية والقبضة الاقتصادية، وجد نفسه مضطرا للحديث بنبرة إعجاب بالصين ورئيسها، في لحظة تبدو فيها بكين وكأنها المستفيد الأكبر من الفوضى العالمية.
أما أوروبا، الحليف التاريخي لواشنطن، فتعيش انقساما وجوديا حقيقيا، فالقارة التي كانت تتحدث يوما باسم "العالم الحر"، باتت اليوم عاجزة حتى عن إنتاج سياسة دفاعية مستقلة دون المظلة الأميركية، وفي الوقت نفسه تخشى أن تتحول إلى ساحة دفع لفاتورة الصراع الأميركي - الصيني - الروسي.
المفارقة أن يوم النصر نفسه يكشف حجم الانهيار الرمزي، ففي عام 1945 كان سقوط برلين إعلانا لنهاية الرايخ الثالث وبداية النظام الدولي الجديد، أما اليوم، فالعالم نفسه يبدو وكأنه يعيش لحظة "ما بعد النظام". فلم تعد التحالفات ثابتة، ولا الأعداء دائمين، ولا حتى الذاكرة التاريخية متفقا عليها.
وقد جاءت الوثائق الروسية التي رُفعت عنها السرية حول الأيام الأخيرة للزعيم النازي هتلر، لتضيف طبقة إضافية من الدراما التاريخية، فالوثيقة تشير إلى أن القيادة النازية لم تبلغ أحدا بانتحار هتلر فورا سوى جوزيف ستالين، وكأن التاريخ أراد منذ اللحظة الأخيرة أن يمنح موسكو حق الاحتفاظ بالمشهد الختامي للحرب.
وحسب الوثيقة التي بحوزة موسكو، فإن الجنرال الألماني هيلموت فايدلينج، وصف هتلر في أيامه الأخيرة بأنه "جثة حية"، يجلس مرتجف اليدين فوق خرائط تنهار عليها الجبهات.
والمشهد يبدو اليوم مألوفا على نحو مرعب:
قادة، خرائط، خطوط نار، وعالم يقترب كل يوم من حافة أكبر، بينما يتحدث الجميع عن "السلام بالقوة".
وربما هذه هي المفارقة الكبرى في الذكرى الحادية والثمانين للنصر:
العالم الذي هزم النازية باسم الإنسانية المشتركة، لم يعد قادرا حتى على الاتفاق حول معنى الإنسانية، ولا حول معنى النصر نفسه.
لقد افترقت الطرق بين الحلفاء فعلا، لكن الأخطر أن العالم كله يبدو وكأنه يسير الآن بلا طريق.