الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوناثان كوك* - (مدونة الكاتب) 15/7/2026
استمرار التوسع الإسرائيلي المتواصل في المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بينما يغضّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا الطرف عن ذلك، حطم أي أمل في التوصل إلى تطبيق حل الدولتين.
على مدى عقود، ابتكر الاتحاد الأوروبي وسائل لا تني تزداد تعقيدًا للتهرب من فرض أي عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية -حتى بينما تواصل هذه المستوطنات التهام "حل الدولتين"، الذي يدّعي الاتحاد أنه الطريق الوحيد إلى إحلال السلام في المنطقة.
إذا طلبتُ منك أن تقطع ذراعك، فهل ستفعل؟ وماذا لو أشرتُ إلى أن ذراعك هذه تعتدي بانتظام على أحد جيرانك، فتلكمه في وجهه بعنف إلى درجة تكسر معها أنفه وأسنانَه وتتركه فاقدًا للوعي؟ هل ستقطع ذراعك عندئذ؟
أرجّح أن يكون جوابك عن السؤالين معًا: "لا"، وبحزم. وهذا بالتحديد هو السبب الذي يجعل الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، والولايات المتحدة، لا ينوون إطلاقًا قطع دعمهم للمستوطنات اليهودية الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مهما بلغت درجة عنف المستعمرين اليهود الذين يعيشون على الأراضي الفلسطينية المسروقة.
على مدى عقود، قامت ميليشيات المستوطنين، بدعم من الجنود الإسرائيليين، بالاعتداء بالضرب على الفلسطينيين، وإطلاق النار عليهم، وتسميم آبارهم، واقتلاع بساتين زيتونهم، وإحراق منازلهم، وكل ذلك في محاولة لتطهيرهم عرقيًا من وطنهم التاريخي.
وأدى التوسع المتواصل للمستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية إلى تمزيق أي أمل في تطبيق حل الدولتين. وأصبحت الضفة اليوم أشبه بأرخبيل من القرى والبلدات الفلسطينية المعزولة عن بعضها بعضًا، بفعل المستوطنين العنيفين الذين يجوبونها، والطرق المخصصة لليهود وحدهم حصريًا في ظل نظام الفصل العنصري، والحواجز الفولاذية والخرسانية، ونقاط التفتيش العسكرية.
جرى كل ذلك على مرأى ومسمع من الدول الغربية طوال عقود. وكانت "محكمة العدل الدولية"، وهي أعلى هيئة قضائية في العالم، قد قضت منذ العام 2004 -أي قبل ما يقرب من ربع قرن- بأن هذه المستوطنات اليهودية تنتهك القانون الدولي، وأنه يجب تفكيكها.
ثم أكدت المحكمة هذا المطلب مجددًا في قرار أصدرته قبل عامين، خلصت فيه إلى أن إسرائيل هي دولة فصل عنصري تمارس حكمها التمييزي على الفلسطينيين. كما دعت الدول إلى ضرورة أن "تتخذ خطوات لمنع علاقات التجارة أو الاستثمار التي تسهم في الإبقاء على الوضع غير القانوني الذي أوجدته إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة".
ومع ذلك، لم يفعل الغرب شيئًا ذا معنى عامًا بعد عام، بينما واصلت المستوطنات الإسرائيلية قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، وجعل حياة الفلسطينيين هناك أكثر بؤسًا، وتقويض أي فرصة لتحقيق الهدف الذي يدّعي الغرب السعي إليه، والمتمثل في قيام دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب.
تذكروا هذا جيدًا عندما يطالبكم المدافعون عن إسرائيل بانتظار الحكم النهائي للمحكمة نفسها بعد عام أو عامين -أو ربما ثلاثة- بشأن ما وصفته المحكمة في مطلع العام 2024 بأنه "إبادة جماعية محتملة" في غزة، بعد ثلاثة أشهر فقط من شروع إسرائيل في تنفيذ عمليات القتل الجماعي هناك.
لن يقتصر الأمر على أن أي حكم من هذا القبيل سيأتي متأخرًا كثيرًا إلى حد يستحيل معه إحداث أي فرق بالنسبة لضحايا الإبادة الجماعية فحسب، بل إن الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا لن تبذل أي جهد إضافي على الإطلاق لمعاقبة إسرائيل على هذه الجريمة التي تعلو على سائر الجرائم؛ جريمة نستطيع جميعًا أن نراها بأعيننا حتى من دون حكم صادر عن "محكمة العدل الدولية"، تمامًا كما لم تفعل أي شيء لمعاقبة إسرائيل على المستوطنات غير القانونية.
القبضة التي توجه اللكمات
لماذا؟ لأن معظم الدول الغربية لا ترغب في فرض أي عقوبة على إسرائيل بسبب جرائمها بأكثر مما قد ترغب أنت في بتر ذراع سليمة.
إذا كانت ترفض حتى أن تحرّك ساكنًا لوقف إبادة جماعية تُبث وقائعها مباشرة على الهواء ضد الفلسطينيين في غزة، فكيف يمكن لأي شخص أن يتخيل أنها مستعدة لفعل أي شيء لوقف المستوطنين الإسرائيليين العنيفين وهم ينفذون التطهير العرقي في الضفة الغربية؟
المستوطنات مندغمة في إسرائيل بعمق، تمامًا كما ترتبط ذراعك بكتفك. وتمثل إسرائيل، بدورها، قبضة اللكم للإمبريالية الغربية وآلتها الحربية بالقدر نفسه الذي تمثل فيه مدينة لندن -ومستعمراتها السابقة التي تحولت إلى ملاذات ضريبية- القلب النابض للآلة المالية للإمبريالية الغربية.
لا تستطيع النخب الغربية أن تتصور عالمًا من دون إسرائيل باعتبارها البلطجي العسكري الذي يعمل لها في الشرق الأوسط الغني بالنفط، تمامًا كما لا يمكنك أن تتخيل الحياة من دون ذراعك.
وهذا ما يفسر لماذا لم يصدق أحد حقًا أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الذين اجتمعوا مرة أخرى الأسبوع الماضي لمناقشة حظر منتجات المستوطنات -وهو الحد الأدنى الذي كان ينبغي عليهم القيام به منذ زمن طويل بموجب القانون الدولي- سيتوصلون إلى اتفاق.
كان أكثر من 100 باحث قانوني قد بعثوا في وقت سابق برسالة إلى كبار مسؤولي التجارة والسياسة الخارجية في المفوضية الأوروبية، شددوا فيها على "الالتزام القانوني الدولي" الواقع على عاتق الاتحاد الأوروبي. ولكن، وكما كان يتوقع الجميع، أرجأ وزراء الاتحاد الأوروبي البت في القضية إلى موعد لاحق -على الأقل حتى تشرين الأول (أكتوبر)- بعد أن اتفقوا على إجراء مزيد من المحادثات بشأن عقد محادثات.
دأب الاتحاد الأوروبي على تأجيل اتخاذ أي إجراءات ذات معنى بشأن المستوطنات منذ العام 2004 على الأقل، عندما قضت "محكمة العدل الدولية" بعدم قانونيتها.
وبعد عام من ذلك الحكم، أصدر الاتحاد الأوروبي "اتفاقًا تقنيًا" ألغى التعرفة التجارية التفضيلية التي تتمتع بها السلع الإسرائيلية عن أي منتجات تُصنع في المستوطنات غير القانونية. ولم توافق إسرائيل على ذلك إلا لأن الاتفاق كان مليئًا بالثغرات وسبل الالتفاف التي جعلته عديم الأثر عمليًا.
ثم احتاج الأمر إلى سبع سنوات أخرى تقريبًا -في العام 2012- حتى بدأ الاتحاد الأوروبي في الإعراب عن قلقه إزاء تلك الثغرات، بما في ذلك قيام إسرائيل بصورة روتينية بوضع ملصق "صنع في إسرائيل" على منتجات المستوطنات.
وبعد ثلاث سنوات أخرى، تظاهر الاتحاد الأوروبي أخيرًا بأنه بصدد سد هذه الثغرات. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، أي بعد أحد عشر عامًا من حكم "محكمة العدل الدولية"، أصدر الاتحاد الأوروبي "إشعارًا تفسيريًا" يقضي بأن تحمِل منتجات المستوطنات العبارة التالية على ملصقاتها: "منتج من الضفة الغربية (مستوطنة إسرائيلية)".
ومرة أخرى، تجاهلت إسرائيل ذلك الإشعار ببساطة، وواصلت وضع بيانات منشأ مضللة على المنتجات، أو خلطها بمنتجات مصنوعة داخل إسرائيل بطريقة تجعل من الصعب تحديد مصدرها الحقيقي.
ملهاة محضة
تذكروا أن هذه المعارك الطويلة وعديمة الجدوى لم تكن تدور حول حظر منتجات المستوطنات، ولا حتى حول فرض رسوم جمركية عقابية عليها. كانت تتعلق، ببساطة، بمجرد وضع ملصقات صحيحة وصادقة عليها.
حتى اليوم، ما تزال الغالبية الساحقة من المستهلكين في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي لا يعرفون -حتى لو كانت المنتجات تحمل ملصقات صحيحة، وهو ما لا يحدث إلا نادرًا جدًا- أنهم يشترون سلعًا تدعم الحملة الإسرائيلية العنيفة الرامية إلى التطهير العرقي للفلسطينيين من وطنهم.
كان بسبب هذه المهزلة الكاملة أن بدأت منظمات المجتمع المدني تتهم الاتحاد الأوروبي، بصوت متصاعد، بالتواطؤ في التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وطالبت، بدلًا من ذلك، بفرض حظر كامل على جميع منتجات المستوطنات.
ومنذ أكثر من عقد، ما يزال هؤلاء المنتقدون يرتطمون بالجدار الإسمنتي الصلب نفسه من دون جدوى. ولم يحققوا شيئًا حتى الآن، كما يؤكد اجتماع الاتحاد الأوروبي الذي عُقد الأسبوع الماضي مرة أخرى.
وحتى لو نجحوا، بعد عام أو عامين، في انتزاع قرار بحظر منتجات المستوطنات، سوف تظل إسرائيل قادرة على استخدام الأساليب الالتفافية نفسها التي اعتمدتها طوال السنوات الاثنتين والعشرين الماضية لتجنب حدوث أي أثر حقيقي. وسوف يواصل المستهلكون الأوروبيون، بصورة مباشرة، تمويل عنف ميليشيات المستوطنين اليهود وجهود تهجير الفلسطينيين من منازلهم.
كان كل ذلك مجرد عرض مسرحي -أو بالأحرى مهزلة مسرحية- هدفها الإيحاء بأن هناك عملية إدارية جارية، وأن المسارات القانونية تُستنفد، وأن إسرائيل ستدفع ذات يوم ثمن برنامجها المستمر منذ عقود لتطهير الفلسطينيين عرقيًا.
لكن شيئًا من ذلك لا يحدث في الواقع. وأقصى ما يبدو الاتحاد الأوروبي مستعدًا لفعله هو تقديم تنازل شكلي لمنتقديه من خلال فرض عقوبات رمزية على بضعة وعشرين مستوطنًا من الأكثر عنفًا، من أصل نحو 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية المحتلة.
ولم يكن هؤلاء المستوطنون قد وصلوا إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية مصادفة. كانت الدولة الإسرائيلية هي التي شجعت معظمهم على الانتقال إليها من خلال تقديم عروض تشمل تزويدهم بمساكن منخفضة الكلفة، وفوائد رهن عقاري أقل، وزيادة تمويل الخدمات التعليمية وغيرها من الخدمات البلدية.
وينبغي أيضًا ملاحظة أن هذا الفشل الغربي الذريع يتعلق بالهدف المعلن لإسرائيل من توسيع مستوطناتها، وهو القضاء على "حل الدولتين" الذي يزعم الغرب أنه يريده ويرغب في تطبيقه باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام في المنطقة.
الحقيقة هي أنها ليست لدى أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة أي مصلحة في تطبيق حل الدولتين. ولو كانت كذلك، لاستندت إلى حكم "محكمة العدل الدولية" الصادر في العام 2004 لفرض حظر على منتجات المستوطنات، ولجعلت ذلك الحظر منطويًا على فعالية حقيقية، وللوحت لإسرائيل بحرمانها من جميع الامتيازات التجارية التي تتمتع بها مع الغرب إلى أن تمتثل للقانون الدولي وتزيل جميع العقبات التي تحول دون قيام دولة فلسطينية، بما في ذلك المستوطنات.
لكنها لم تفعل أي شيء من ذلك لأن ذلك لم يكن مقصدها في أي يوم من الأيام. وكان كل ما يعنيها هو إبقاء إسرائيل، كلبها الشرس في الشرق الأوسط، شبعانة ريانة وقوية مزودة بكل ما تحتاج إليه. وإذا كانت إسرائيل تريد أن تواصل بناء وتوسيع المستوطنات لطرد الفلسطينيين من أراضيهم إلى أن لا يبقى فيها أي فلسطيني، فلن يعترض الغرب على ذلك.
وإذا أرادت إسرائيل أن تواصل استهداف الأطفال الفلسطينيين في غزة عمدًا بالقتل، كما خلص تحقيق أجرته الأمم المتحدة مؤخرًا، فإن الغرب سيغض الطرف عن ذلك أيضًا.
وإذا أراد الجنود الإسرائيليون وميليشيات المستوطنين اليهود احتجاز عضو في الكونغرس الأميركي رهينة في الضفة الغربية، كما فعلوا لفترة وجيزة الأسبوع الماضي مع السياسي الديمقراطي رو خانا، فلن يثير أي زعيم غربي ضجة بشأن ذلك.
ربما تكون إسرائيل دولة مارقة، لكنها صُنعت بالكامل على صورة النخب الغربية. ومكمن القلق الحقيقي الوحيد لدى الغرب هو أن يضمن ألا تدرك شعوبه، وهي تشاهد دولة ترتكب الإبادة الجماعية وهي تعمل على محو الفلسطينيين، أنها لا تفعل في الحقيقة سوى النظر إلى صورتها في المرآة.
*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في مدينة الناصرة لمدة 20 عامًا. عاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف لثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: "الدم والدين: كشف القناع عن الدولة اليهودية" Blood and Religion: The Unmasking of the Jewish State، (2006)؛ "إسرائيل وصراع الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط" (2008) Israel and the Clash of Civilisations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East؛ و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس البشري" (2008) Disappearing Palestine: Israel’s Experiments in Human Despair.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Two-State Solution Was Always a Sham